وطن-مع تراجع تدفقات المياه في النيل الأزرق، عاد ملف سد النهضة الإثيوبي إلى واجهة الاهتمام الإقليمي، بعدما دخل مرحلة يعتبرها خبراء الموارد المائية الأكثر حساسية منذ بدء تشغيل السد، وهي مرحلة الجفاف التي طالما حذرت منها الدراسات الفنية باعتبارها الاختبار الحقيقي لإدارة الخزان.
فخلال سنوات الفيضان، مرت عمليات الملء المتتالية للسد دون ظهور تداعيات كبيرة على دولتي المصب، نتيجة وفرة المياه التي خففت آثار التخزين. لكن مع انخفاض معدلات الأمطار، أصبحت إدارة السد أكثر تعقيداً، وأصبحت كل كمية من المياه المخزنة أو المفرج عنها ذات تأثير مباشر على السودان ومصر.
وفي أحدث المؤشرات، أعلنت وزارة الري السودانية انخفاض واردات النيل الأزرق إلى خزان الروصيرص من نحو 207 ملايين متر مكعب يومياً إلى 129 مليون متر مكعب خلال فترة قصيرة، وهو تراجع انعكس على مناسيب المياه في عدد من المناطق، من بينها العاصمة الخرطوم.
ويرى مختصون أن مثل هذه التطورات تمثل أول اختبار عملي لإدارة سد النهضة خلال سنوات الجفاف، وهي المرحلة التي كانت محور التحذيرات منذ بدء المشروع، إذ إن تشغيل خزان بهذا الحجم في غياب آلية تنسيق ملزمة بين إثيوبيا والسودان ومصر قد يزيد من تعقيد إدارة الموارد المائية خلال فترات الشح.
ويؤكد خبراء المياه أن المخاوف لم تكن مرتبطة بوجود السد في حد ذاته، بل بطريقة تشغيله، خاصة خلال السنوات التي تشهد انخفاضاً في الإيرادات المائية، حيث تصبح قرارات التخزين والإطلاق عاملاً مؤثراً في الأمن المائي لدول المصب.
ويحذر مختصون من أن استمرار الإدارة الأحادية للسد في ظل ظروف الجفاف قد يزيد الضغوط على الموارد المائية، ويجعل التعامل مع انخفاض تدفقات النيل الأزرق أكثر صعوبة، خصوصاً مع السعة التخزينية الكبيرة لسد النهضة التي تتجاوز 60 مليار متر مكعب.
وكانت المفاوضات بين إثيوبيا والسودان ومصر قد استمرت لسنوات من أجل التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد ملء وتشغيل السد، إلا أنها لم تفض حتى الآن إلى اتفاق نهائي يحظى بقبول جميع الأطراف.
ويرى مراقبون أن دخول المنطقة في سنوات جفاف متتالية قد يجعل الحاجة إلى التنسيق أكثر إلحاحاً، لتقليل تأثيرات التغيرات المناخية وضمان إدارة أكثر استقراراً لمياه النيل، باعتبارها المورد المائي الرئيسي لملايين السكان في دول الحوض.
ومع استمرار انخفاض التدفقات، يبقى السؤال المطروح هو مدى قدرة الدول الثلاث على تجاوز الخلافات والتوصل إلى آلية مشتركة لإدارة السد خلال الفترات الحرجة، بما يحد من المخاطر المحتملة ويحافظ على الأمن المائي الإقليمي.
اقرأ أيضاً
تصعيد عسكري وشيك على الحدود الإثيوبية السودانية يهدد النيل الأزرق وسد الروصيرص
محور القوة الجديد: كيف يطوق الحلف “المصري-الصومالي-الإريتري” أطماع إثيوبيا البحرية؟

