كتب محمد عبدالعزيز ربيع: الثقافة والحضارة

0

اتجهت غالبية المعنيين بالدراسات الاجتماعية والتاريخية إلى استخدام كلمتي “حضارة” و”ثقافة” ضمن أطر تحليلية واحدة تقريباً، كأن الكلمتين تعنيان نفس الشيء، ما جعل من الصعب إدراك المعنى الحقيقي لكل كلمة، والفرق فيما بينهما، وما يربطهما من علاقة جدلية تكاملية.

نتيجة لذلك أصبح من الصعب تحديد خصائص الحضارات المتتابعة وميزات الثقافات المختلفة، والتعرف على الإنجازات النسبية لكل مرحلة من مراحل التطور الحضاري. كما أن الخلط بين مفهومي الثقافة والحضارة يجعل من المتعذر تحديد العوامل الرئيسية التي تُسهم في تطور المجتمعات الإنسانية وتمكين بعضها من تحقيق التقدم وامتلاك المزيد من أسباب الثروة والقوة، فيما لا تزال غالبية المجتمعات الأخرى تعاني آفات الفقر والجهل والحاجة والتخلف والتبعية.

الثقافة والحضارة

يُعرِّف القاموس الموسوعي Webster’s Encyclopedic Dictionary مفهوم الحضارة على أنه “حالة مجتمعية متقدمة تتميز برقي الثقافة والعلوم والصناعة ونظام الحكم”. كما يعرّفها في مكان آخر على أنها “وسائل الراحة والترفيه الحديثة التي أصبحت ممكنة بفعل العلم والتكنولوجيا”.

وهذا يعني أن الحضارة تشير إلى مستوى الحياة الذي يتمتع به كل شعب من خلال ما يتوفر له من أدوات إنتاج وعلوم وبضائع وثقافة، ووسائل راحة ورفاهية تكون في معظمها مادية.

أما الثقافة فيعرّفها القاموس على أنها “حصيلة طرق الحياة التي طوّرتها مجموعة إنسانية وتناقلتها من جيل لآخر”.

ويتم تشكيل الثقافة من خلال إقامة المجموعة الإنسانية المعنية فترة زمنية طويلة في مكان واحد، وتفاعل أعضائها مع بعضهم البعض في إطار مجتمع واحد(Webster’s, 353) . الامر الذي يعني أن الثقافة تشير إلى طريقة الحياة التي تميز كل مجتمع عن غيره من مجتمعات، وتقوم بالحفاظ على وحدته وهويته؛ وهذه بدورها تخضع للعادات والتقاليد والمعتقدات السائدة في المجتمع.

ولما كانت الأمور هذه تتوارثها الأجيال عن بعضها البعض، فإن الثقافات تميل بطبيعتها إلى الثبات وضعف القدرة على التطور.

الحضارة ومفهومها

يتضح من التعريف الأول للحضارة أن المفهوم يشير إلى حالة مجتمعية تتميز “برقي الثقافة والعلوم والصناعة ونظام الحكم”، ما يعني أن الثقافة، شأنها شأن الصناعة، ليست إلاّ عنصراً واحداً من مكونات الحضارة، وبالتالي ليست بديلاً أو مثيلاً لها.

ولما كانت الثقافة هي إحدى مكونات الحضارة، شأنها شأن الصناعة، فإن الثقافة لا تشمل الصناعة ولا شبيهاتها من منتجات مادية وتكنولوجية، بل تقتصر على مكونات طرق الحياة القابلة للتوريث من تقاليد وقيم وطرق تفكير ومواقف ومعتقدات دينية وخرافية وأفكار وفنون وما شابه ذلك.

ومع أن العناصر الثقافية عامة تميل إلى الثبات ومقاومة التطور، إلا أن توفر الحرية في المجتمع يجعل بإمكان كافة العناصر الثقافية أن تتطور، وبشكل خاص الأفكار والمواقف والآداب والفنون.

ولما كان مفهوم الثقافة يشير إلى طريقة الحياة المتبعة في المجتمع، فإن الثقافة تعتبر العنصر الذي ينظم الروابط الاجتماعية التي تربط أفراد المجتمع وفئاته المختلفة بعضها إلى بعض. لهذا تُعتبر الثقافة، بما تشمل عليه من تقاليد وأعراف وقيم ومعتقدات، الغراء الاجتماعي الذي يوحد أعضاء المجتمع الواحد، ويمنحهم شعوراً عاماً بوحدة التاريخ والمصير، ما يجعل الثقافة أهم إنتاج اجتماعي لكل شعب، والرابطة المعنوية التي تحافظ على تماسكه، والإطار الذي يخلق لدى أفراده شعوراً بالتجانس والتكامل.

وهذا يجعل الثقافة أهم القوى التي تشارك في تشكيل شخصيات الأفراد والشعوب وطرق تفكيرهم وهوياتهم الجماعية، وتحديد مواقفهم من الذات وغيرهم من الناس.

يقول المفكر العربي الدكتور قسطنطين زريق: “الثقافة هي مجموع المنجزات الإبداعية للروح الإنسانية في المجتمع”.

أما توماس سويل Thomas Sowell فيقول: “تشمل الثقافة المواقف والمهارات واللغة والعادات”. ويتضح من هذين التعريفين أن زريق وسويل يركزان على الجوانب غير المادية من حياة المجتمع في تحديد مكونات الثقافة. ولما كانت الحضارة تشمل الثقافة، وإن الثقافة مجرد عنصر من عناصر الحضارة، فقد أصبح من الخطأ استخدام أي من المفهومين للتدليل على مكونات الآخر.

ومن دون فهم مكونات كل مفهوم على حدة، وإدراك الفوارق بينهما وطبيعة العلاقة العضوية التي تربط كل منهما بالآخر، سيكون من الصعب فهم الأزمات المجتمعية وتحليل أسبابها، وتحديد اتجاه المسيرة الحضارية عبر العصور، ومعرفة أسباب سوء الفهم المتبادل الذي يقع بين مختلف الأمم والشعوب.

من ناحية ثانية، لما كانت الثقافة تشكل عنصرا واحدا من عناصر الحضارة، فإن كل تطور تعيشه الحضارة في نمط الإنتاج أو تكنولوجيا الإنتاج أو العلوم، يؤثر على الثقافة كثيرا أو قليلا؛ الامر الذي  يفرض على الثقافة أن تتطور بالكيفية والقدر المطلوب للتجاوب من استحقاقات التطور الحضاري كي تستفيد منه، خاصة ما يتعلق منه بنمط الإنتاج الاقتصادي وتكنولوجيا الإنتاج.

ولما كانت قدرات الثقافات على التطور تختلف من ثقافة لأخرى، ومن مكان لآخر، ومن زمن لآخر، فإن كل حضارة تفرز عبر مسيرتها التاريخية أكثر من ثقافة تنتمي إليها؛ الأمر الذي يحرم كل ثقافة من الانتماء لأكثر من حضارة.

أما الحضارات المعنية فهي حضارة البداوة الرعوية، وحضارة الزراعة الفلاحية، وحضارة الصناعة الميكانيكة، وحضارة المعرفة الديناميكة التي تتطور بصورة يومية تقريبا.

أما التفاوت في قدرات الثقافات على التطور فيخضع لقابلية العناصر الثقافية نفسها للتحول والتغير؛ لذلك نلاحظ أن الثقافات التي تشكل المعتقدات الدينية جوهرها مثل الثقافة العربية تتصف عامة بضعف القدرة على التطور والتحول، فيما تتصف الثقافات التي تشكل السلوكيات جوهرها مثل الثقافات الشرقية عامة فتتصف بقابليتها للتطور والتحول السريع.

وهذا جعل بإمكان المجتمعات الشرقية تحقيق النهضة والتقدم بسرعة، فيما جعل بإمكان المجتمعات العربية أن تقبل الاستكانة والتخلف والتبعية وتعيش نهارها راضية بقدرها، وتنام ليلها قريرة العين مطمئنة. لكن طغيان العولمة بشقيها الاقتصادي والثقافي على العالم جعل من غير الممكن ان تحافظ ثقافة على موروثها التاريخي، ما جعل كل العناصر الثقافية التقليدية من عادات وتقاليد وقيم ومعتقدات تتشوه، وتغدو بلا أصل تتغنى به، وبلا مستقبل ترنو إليه.

بروفسور محمد عبد العزيز ربيع    www.yazour.com

 

تابعوا قناتنا على يوتيوب لمشاهدة كل جديد

أضغط هنا وفعل زر الاشتراك

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More