عبيد البريكي لـ”وطن”: تعامل اليسار مع الدين كان خاطئا ولا أحترم الغنوشي لأنه رجل متلون والشاهد بن علي صغير

1

-حاوره عبد الحليم لطفي الجريري- هو سياسي تونسي ونقابي، شغلَ في السابق منصب وزير للوظيفة العمومية والحوكمة في حكومة ، وحاليا يشغل منصب المنسق العام لحركة “”.

وفي حوار له مع “” حدّثنا عن تحالف حزبه مع أربعة أحزاب يسارية تحت مظلة هيكل سياسي جديد بعنوان “الإتحاد الديمقراطي الاجتماعي”، كما تكلّم بخصوص استقالة 9 نواب من كتلة “الجبهة الشعبية” في البرلمان معلّقا بأن تفكك “” سيكونُ له آثار سيئة جدًّا على المشهد السياسي التونسي عمومًا، وقد عرّج على حركة محمّلا إياها مسؤوليتها السياسية بخصوص اغتيال شكري بلعيد قائلا إن “الوجه الفعلي للنهضة هو التعامل النفعي مع الحكم والثأر للسابقين”، وفيما يلي نص الحوار كاملا:

ما هو رأيك في استقالة 9 نواب من كتلة الجبهة الشعبية في البرلمان؟

ارتئينا في “حركة تونس إلى الأمام” ألا نتدخلَ في شأن الجبهة الشعبية لأنَّ موقف التشفي الآن فيما يحدث هو خطأ تاريخي.

واقع التخلف والرَداءة في العالم اليوم فسحَ المجال لصعود اليمين، ما حصلَ في أوروبا مؤخرا وفي أماكن أخرى من العالم هو أكبر دليل على ذلك، وفي تونس اليوم كأننا نسير على نفس النهج، ذلك أننا وصلنا إلى مرحلة التنظير لعودة المنظومة السابقة وهو أمر خطير، تفكك الجبهة الشعبية سيكونُ له آثار سيئة جدًّا على المشهد السياسي التونسي عمومًا، ما يحدثُ الآن كنا استقرأناه في السابق أثناء تأسيس حزبنا “تونس إلى الأمام” ودعونا لتجاوز هذه الخلافات مسبقا قبل الوصول لهذه النتيجة، البلاد تحتاجُ اليوم لتوازنات سياسية والجبهة الشعبية هي أحد أعمدة هذه التوازنات، لذلك نتمنى عليها أن  تتجاوز خلافاتها لتبقى عنصرا موجودا ومستمرا في المشهد السياسي.

-هل لديكم خطّة لإعادة تجميع العائلة اليسارية؟

–لقد انطلقنا من إعادة قراءة اليسار في ضوء ما حدث من تطورات اقتصادية واجتماعية وسياسية في أمريكا اللاتينية والعالم ككلّ، هذه المراجعات التي نقوم بها لا يمكن أن تمسَ من  جوهر انتمائنا لليسار وقناعتنا بأيديولوجيّته، البلاد تحتاج اليوم لكل من يقف على يسار الخيارات الليبرالية، لذلك يجب إعادة قراءة اليسار بطريقة أعمق من أجل ايجاد أرضية يلتقي فيها الجميع مع اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم، نؤمن بأن صراع اليوم لا يجب أن يظلّ عقائديًا كما كان في عهد الديكتاتورية، اليسار اليوم في حاجة ملحة إلى الانتقال من الصراع العقائدي الى الصراع السياسي، هو أيضا في حاجة لمراجعة التكتيكات التي اعتمدها من قبل 2014 مع عدة أطراف سياسية سيما رؤاه الداخلية.

من المهم أن يكون المحدد في التحالفات هو نمط الانتاج الذي سنختاره، نحن أمام خيار نمط إنتاج جديد يقطعُ مع السابق ويتجاوز كلمة “اشتراكية” لأنها كلمة طوباوية لاهوتية، و نحبذ استبدالها بالتقدمية، والتي تدل على نمط انتاج يبنى على الاقتصاد الاجتماعي التضامني لان هذا هو المخرج الوحيد للأزمة الحالية في تونس.

-عندما تقول لي يجب النأي باليسار عن صراعات الدين، هل لنا أن نعرف موقفكم من الدين كمجموعة يساريّة؟

–موقف اليسار من الدين وتعامله معه كان عبر السنوات خطأ وجبَ تصويبه اليوم، المسألة الدينية كانت تطغى بشدة لتصبح هي محور النقاش في بعض الأمور الخلافية، في حين أن منطلقنا الرئيسي هو أن تونس بلد عربي إسلامي وسندافع عن هذا.

-إذن أنتم لا تختلفونَ في توجهكم عن القومية؟

 –نتقاطعُ في أشياء كثيرة مع القومية نعم، لكننا لسنا قوميين، الإلحاد كان مكونا أساسيا للتحالفات وكان في فترة ما عنوانا للنضّال، ولكن علينا اليوم تجاوز هذه النقطة تحديدا، من الأخطاء التي ارتكبها اليسار في الماضي هو انحصار تحركه داخل النقابات المنضوية تحت الإتحاد العام التونسي للشغل والحركات الطلابية وتغافله عن التغلغل داخل المناطق الداخلية، من الأخطاء الأخرى أيضا هو أن اليسار تشتت بسبب الصراع الأيديولوجي.

-ماذا لديكم اليوم لمواجهة هذا التشتت؟

–“حركة تونس إلى الأمام” تتكونُ من ثلاثة أحزاب ومستقلين، وهم “حزب الثوابت” وهو حزب بعثي “وحزب الوحدة الشعبية” وحزب “العمل الوطني الديمقراطي” ومن شخصيات مستقلة، لكننا لم نقف عند هذا الحد بل مازلنا نؤمن بالعمل الجبهوي لذلك اتفقنا على تشكيل جبهة أكبر تضم جملة من الأحزاب، تتجمع حول برنامج أدنى سياسي اقتصادي واجتماعي ويحدده نظامه الداخلي ويخوض غمار الإنتخابات ببرنامج موحد، لذلك انتظمت الحركة بمكوناتها مع كل من أحزاب اليسار “والجمهوري” و”حركة الديمقراطيين الإشتراكيين” و”قادرون” تحت لواء حزب جديد أسميناه “الإتحاد الإجتماعي الديمقراطي”، هي معلومة حصرية أخص بها صحيفتكم “وطن”، حيث عقدنا عديد الإجتماعات في الفترة الحالية وقمنا بالتحضير لبرنامجه السياسي، وهو جاهر وسنعلن عن قيام الإتحاد وفحوى برنامجه قريبا خلال ندوة صحفية.

-حزب قام على تجميع الليبراليين والمحافظين وأنقاض حزب التجمع المنحل وحتى اليساريين، لستم متخوفون من أن يصيبكم نفس مصيره وتتفكك الحركة كما تفكك النداء؟

–الأمر يختلف كليا عن المجريات التاريخية لحزب النداء وعن الأسس التي قام عليها، حيث تجمَّع حزب النداء على قاعدة بيان عامّ، ولم يصادق مؤسّسوه حتى على برنامج موحّد، في حين نحن كحركة أنجزنا مؤتمرنا التأسيسي ووقّعنا على وثائق ملزمة لنا ونتحاسب على أساسها وبموجبها، من بين الأخطاء التاريخية للنداء وأحد أسباب انهياره هو أنه لا يمتلك وثائق داخلية يتم من خلالها حلّ الخلافات القانونية كالتي نشأت مؤخرا، غياب هذه الأسانيد القانونية أثناء تأسيس الحركة كان أخطر شيء في عملية التفكك.

نحن لا نؤمن بالوسطية في الحركة، هو مفهوم لاهوتي ملغى، بالنسبة إلينا الأمور جلية، وتحتمل خيارين اثنين لا ثالث لهما، إما الوقوف يمينا أو الوقوف عند التقدمين، كلمة التقدمية يجب ان تكون واسعة لتشمل اليساريين وغيرهم، خطأ نداء تونس أنه بُني على قاعدة الأنقاض القديمة لذلك فشل، حيث أن سبب الكارثة الرئيسية هي المضي وراء خيارات بن علي والبورقيبيّة، والتي لا يمكن أن تساعد في هذه المرحلة على إنقاذ تونس، الجميع أصبح يبحث عن متكأ له في التاريخ، هناك من تشبث بالبورقيبية كالندائيين وآخرون ادعوا أنهم أبناء ابن علي وبعض آخر قال إن خاله هو حسيب بن عمار، هؤلاء جميعهم استغلوا حركة اليأس التي تعم الشعب وداعبوا فيهم حنينهم لبعض الرموز التاريخية، في حين أننا اليوم نستمد مشروعيتنا عبر برنامج واقعي يسعى للإصلاح وإنقاذ البلاد من أزمتها لا العيش على أطلال الماضي.

-لماذا وسمت التحقيق في الجهاز السري لحركة النهضة بالتباطئ؟

–نعم هو تباطئ مقصود، الأطراف التي لها مصلحة في كشف الحقيقة قبيل الإنتخابات لها مصلحة في هذا التباطئ، هذا الملف كانَ ومازال محل مقايضة بين الأطراف الحاكمة، رئيس الجمهورية تحمسَ في البداية لحله و كان قد التزم بكشف الإغتيالات خلال مدته الرئاسية ولكن لم يحصل شيء لحد اللحظة.

-تعتبرون أن القضاء مستقل؟

–نعم، نظريا القضاء التونسي مستقل لكن عمليا وزارة العدل تعود بالنظر لرئاسة الحكومة، فلو يدفع هذا الأخير في اتجاه حل هذا الملف فسيحل بسرعة، كثيرة هي الملفات الراكدة ايضا في القطب القضائي المالي لأسباب سياسية، القضاة يخضعون لضغوطات كبرى في الوقت الحالي وجميعنا نعلم ذلك، من المهم أيضا تصفية ملف الاغتيالات وكشف الحقيقة قبيل الانتخابات حتى تتوضح هوية الأطراف التي كانت سببا في التصفية الدموية لخصومها السياسيين، كل القطاعات فيها إشكالات بما في ذلك القضاء، قضية الجهاز السري لحركة النهضة قضية سياسة بامتياز ولا يمكن أن تحسم إلا سياسيا، إن كانت النهضة بريئة من التّهم الموجهة إليها، فلماذا لم تتقدم بقضية في الثلب حتى تحسم المسألة؟ هذا هو السؤال المطروح، لذلك فأن الإجابة ببساطة هي أن ملف الإغتيالات سياسي بامتياز.

-ما رأيك بطريقة تعامل رئيس الجمهورية مع ملف الإغتيالات الآن؟

–أخشى ما أخشاه هو أن يتعامل رئيس الجمهورية مع ملف الاغتيالات بمنطق المقايضة، حيث بات يتعامل مع هذه الملفات تحديدا بحسب الصراع السياسي السائد، فعندما يتفجر صراع سياسي مع النهضة يظهر الملف فجأة، بينما في الوقت الذي تستقر العلاقات معها يتم إخفاء الملف.

–البعض يقول إنّ اليسار التونسي يستعمل ملف الإغتيالات كأصل تجاري، ما رأيك؟

–نحن معنيون أساسًا بقضية الإغتيالات، نائبة الأمين العام في حركة “تونس إلى الأمام” هي أرملة الشهيد شكري بلعيد بسمة الخلفاوي، أمّا خلافاتنا مع النهضة فتتجاوز ملفّ الإغتيال، لدينا خلاف جوهري مع حركة النهضة حول نمط المجتمع بما فيه من أفكار، نحن ضد الإسلام السياسي بشكل عام، كلمّا تداخل الإسلام في السياسة كلّما حلّت الكارثة، الرسول صلى  الله عليه وسلم نشر الدّين عندما كان نذيرا مبشرا، وعندما حلّ بالمدينة بدأ العمل وأنشأ دولة، قام وقتها حزب المنافقون ضد الدولة الإسلامية، كل الخلفاء الراشدين قُتلوا بعد وفاة الرسول في اطار الصراع السياسي وليس الدّيني، فالدين إذن يجب أن يكون لله والوطن للجميع.

-نعود إلى الإغتيالات، من تتهمونَ بالاغتيال اليوم انطلاقا من المؤيدات التي لديكم؟

–الإغتيال هي جريمة سياسية والمسؤول السياسي عنها بدرجة أولى هي حركة النهضة بعد الترويكا، ونحن ندعو اليوم الرئاستين الجمهورية والحكومة للدّفع نحو حل الملف، كما ندعو القضاء إلى أن يكون مستقلا.

-ولكن ألا ترون أنّه من الصّعب على النهضة أن تتجرأ على قتل رمز من رموز اليسار التونسي بقيمة شكري بلعيد سيما في فترة اختناقها سياسيّا زمن 2013؟

–من المعروف أن بلعيد اتهم بالكفر، وقد انتشر خطاب فحواه أن كل خراب حلّ بتونس وراءه شكري بلعيد، عندما تنتشر خطابات التحريض فهي تزيد من احتمال توجيه تهمة الإغتيال للطرف المحرّض، حركة النهضة حرّضت ضدّ شكري بلعيد كما أنها كانت طرفا سياسيا حاكما وقتها، فانتشار الخطاب التكفيري ضد بلعيد من قواعدها وقياداتها كاف لتوجيه التهمة إليها.

-قلت إن إقالتك من منصب وزير الوظيفة العمومية والحوكمة كانت مهينة؟ لماذا؟

–نعم قلتُ ذلك، لأنني أنا من أعددت استقالتي وأبلغت رئيس الحكومة قبيل إرسالها بيومين بأنها ستكون على مكتبه مساء يوم الإثنين، تواصل معي رئيس الجمهورية وقتها وقال لي لن أقبل الإستقالة حتى نلتقي الإثنين صباحا، هذا ما حدث تحديدًا، فالإقالة كانت مهينة لأنها لم تعلن على أنها استقالة بل إقالة، وهي ممارسات تشبه في مضامينها سياسات بن علي، هناك أخلاقيات دنيا في التعامل من طرف رئيس الحكومة كان عليه توخيها في هذا الخصوص، المحيطون به هاتفوني “كإياد الدهماني” و”مهدي بن غربية” وطلبوا مني التراجع عن الاستقالة، رئيس الحكومة وقتها ربّما تمنى إلغاء وزارة الوظيفة العمومية لأنها كانت مصدر إزعاج بالنسبة له سيّما بعد إلغاء الاضراب في الوظيفة العمومية، حيث كنا ننكب على ملفات الفساد، وأردنا حلها وقد توجهت بها للقضاء، كملفات الفساد في الديوانة في ما يخصّ التهريب وغيره.

-عندما كنت في الحكومة لم تكن تنتقد الحكومة لماذا أصبحت تهاجمها؟ ألأنّك الآن خارجها؟

–إحترمت المكان الذي كنت فيه كوزير، العمل السياسي كرجل دولة يقتضي الدفاع على راية الداخل، والالتزام بموقف الداخل، هذا ما تربّينا عليه في المنظمة العريقة، حيث عملت في الإتحاد لسنوات كعضو مكتب تنفيذي وأحيانا نتخذ قرارا ثنائيا وكنّا حينما نصرح للإعلام نتحدث باسم المنظمة وندافع عن قيادتها أكثر من الدفاع عن أنفسنا، إلى ذلك فإنني كنت في ظرف معين أدافع عن الحكومة وقد ذكرت أسبابي لذلك.

-قلت إن الحرب على الفساد مناسبتية كما أنها وسيلة لابتزاز رجال الأعمال، إشرح لنا ذلك؟

–سياسة بن علي في التعامل وكيفية استقطاب الناس لحزب التّجمع يكرَّرُ حاليا والتاريخ يعيد نفسه في شكل مهزلة، نحن لم نخرج من المنظومة السابقة حتى في التعامل مع أصحاب رؤوس الأموال، حاليا يتم التهديد بالقضايا والملفات الضريبية، في عهد بن علي كان التهديد ” تشاركني بأموالك أم سأقضي عليك”.

-هل يمكن أن نراكم تتحالفون يومًا مع حركة النهضة؟

–المحدد لذلك هو مصالح فئات الشعب، هذه المصالح تتناقض جوهريا مع ما تدعو إليه حركة النهضة، مهما تلونت في طرحها وادعت الديمقراطية، السياسة والدين يقومان على العنف، قطع الأيدي والألسن والأرجل الخطاب شهير “للحبيب اللوز”، هذا هو وجههم الحقيقي، و”اللوز” دعا للسحل والقتل، هذه الخطابات العنيفة التي  تم التعبير عنها في مجلس النواب، هي قناعتهم الحقيقية والتي لم نسمع أحدا ينهى قياداتهم عنها، والوجه الفعلي للنهضة هو التعامل النفعي مع الحكم والثأر للسابقين، المنظومة الإقتصادية والإجتماعية ليست نفسها التي ندافع عليها.

-ما هو رايك في بالمناسبة؟ هل تعتبرونه مفكرًا كما يعتبره البعض؟

–راشد الغنوشي هو أستاذ فلسفة، لكن سمة الدهاء التي عرف بها عندما تصبح مفضوحة لا تعدُ ميزة بل أمرا سلبيّا، وقد كان من الغريب أن يُعلنَ أنّه يمثّل حركة تقف ضدَّ الإرهاب تارة، ويصرّحُ بأنَّ الارهابيين يذكِّرونه بشبابه تارة أخرى، شخصيا أعتبر أنّ التلون في المواقف لا يجلب لأصحابه الإحترام، فالغنوشي مرة يقول إن حركة النداء تشكل خطرا على تونس أكثر من بن علي ثم يأتي ويتحالف معها،  كيف أستطيع أن أحترمه؟؟ أنا أحترم رجل سياسة ثابت على مبادئه وقناعاته، في وقت سابق عندما سئل على الحبيب بورقيبة لم يترحم عليه، ثم أصبح فجأة يطلق عليه لقب الزعيم، هذه التناقضات الفاضحة لا أحترمها، التلوينات التي ترتبط بالمصالح لا أحترمها جملة.

-كيف توصّف محاولات التطبيع مع بن علي والترويج لعودته؟

–بن علي صنعَ نموًّا اقتصاديا تجاوزَ ستّة بالمئة، جمعَ الناس في بدايته على أساس إنقاذ تونس، وأتى على أنقاض بؤرة خَربة في 1987، خطأه الجوهري كان غياب الإنصاف والعدالة الإجتماعية، وكان ديكتاتورًا لأنه يقمعُ كل رأي مخالف له، لذلك قامت الثورة التونسية على أساس الجانب الإجتماعي المتمثل في  الشغل والحريّة، تونس اليوم لا تحتاجُ الى منظومة جربت فسقطت بل تحتاج إلى منظومة جديدة  تُبنى على قاعدة الشعارات التي قامت بسببها انتفاضتنا، رئيس الحكومة هو بن علي صغير بصدد التكوّن، ليسَ من المعقول أن يأتي شخص من داخل حكومة فاشلة ويؤسس حزبا حتى يعالج فشله، وهذا الذي فعله بن علي في السابق، عديدة هي الإلتقاءات التي تتكرّر اليوم بين رئيس الحكومة يوسف الشاهد وبن علي.

كيف تقيمون تعامل الحكومات التي تعاقبت مع صندوق النقد الدولي وهل ترفضون التعامل معه إن وصلتم إلى الحكم؟ وهل لديكم بديل تطرحونه؟

–تعامل الحكومات التي أتت بعد 2011 هو تعامل غنائمي مع السلطة بالأساس وقد أخطأت التصرف من خلال التوجه لثلاث حلول  سهلة متمثلة في التداين والجباية والضغط على الخدمات الاجتماعية، نحن مع التعامل مع صندوق النقد الدولي لكن بطريقة ذكية، حيث أن موقعك في التفاوض هو من يسمح لك بالحصول على قروض بفوائد أقل، بإمكانك أن تفعّل إجراءات داخلية تحدث بعض التوازنات المالية العمومية حتى تستطيع التداين بطريقة مريحة، مراقبة التهريب ومسالك الإقتصاد الموازي واستلام الأموال المنهوبة داخليا، هي السبل الكفيلة للتداين بطريقة متوازنة، خيارنا هو التعامل مع المؤسسات المالية الدولية من موقع تفاوضي أقوى وفق مسار مدروس، نتداين حتى ندعم الإستثمار ونوفّر فرص عمل، ولا نتداين حتى ندفع الأجور ونستورد المواد الغذائية ونغرق البلاد ونجعلها سوقا ضخمة للإستهلاك، من نقاط القوة مع المؤسسات الدولية هو أن تكون لدى الدّول مؤسسات داخلية قوية كالإتحاد التونسي للشغل، في حين أن هاته الحكومات تسعى لإضعاف الاتحاد من أجل الذهاب للتفاوض وهم في مواقع ضعف ولن ينجحوا في فرض خياراتهم أبدا.

-عماد الدايمي يدعو لسحب صفة الأمانة العامة من نور الدين الطبوبي والطبوبي بدوره يدعو لسحب صفة النائب منه، ويتّهم النقابيين -الدايمي- بتورّطهم في قضايا فساد عدّة، منها وساطات في قطاعات الصحة والنقل، ماذا تردّون على هذا القول؟

–عماد الدايمي أعتبره مسكينا، لأنه لا يعرف الدواليب الداخلية للاتحاد والديمقراطية التي تكرست داخله بعد 2011، فقط أقول له من أنت حتى تدعو لسحب الثقة من الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل؟ هو شخص منتخب من منظوريه ولا يتم سحب الثقة منه إلا عبر تراتيب قانونية ووفقا للنظام الداخلي للاتحاد، وحتى وإن دعا الأمين العام للاتحاد لسحب صفة النائب عنه فهذا موقفه وعبر عنه بحرية، الجانب الثاني المضحك هو أنه من السهل أن تتهم منظمة عريقة بالفساد، الكذب حباله قصيرة ومن يملك أدلة على فساد الإتحاد فليتوجه إلى القضاء، منهج تصفية الخلافات الذي يعتمد التشويه لا يوصل إلى نتيجة وطريقه مسدود.

-نختم لقاءنا بالحديث قليلا في السياسة الدّوليّة، ما هو رأيك في الإعدامات التي قام بها السيسي في مصر ضد شباب الإخوان المسلمين؟

–نحنُ في المبدأ ضد الاعدام، لأنّ المسالة مرتبطة بالحق في الحياة، فكل شخص حسب رأينا تورّط في قتل الناس يُحكم عليه بالمؤبد ولا يحق لرئيس دولة أن يصدر أي عفو في خصوصه، يجب صياغة قانون في هذا الخصوص وعدم التراجع عن هذه الأحكام المؤبّدة.

-القاتل يقتل قصاصا إلا أن يعفو وليّ الدّم، ألا تؤمنون بهذه المقولة؟

–المنظومة الحقوقية ترتئي أن الإعدام أمر خاطئ وفيها اتفاقيات دولية قاضية بذلك رغم أن الدول الأوربية تطبق عقوبة الإعدام.

-تعتبرون ما حصل في مصر انقلابا أم تصحيحا للمسار الثوري؟

–ما حصل في مصر ليس تصحيحا للمسار الثوري، لدينا تحفظات على طريقة تصفية الخصوم السياسيين والآليات التي اتبعت وقتها، إذا كانت انتخابات مصر شفافة وتم احترام آليات الديمقراطية فيها فيجب الرضاء بنتيجة الصندوق، وهو شأن مصري داخلي ويجب احترام إرادة الشعب وما أفرزته إرادة الصندوق، لأنها ببساطة اللعبة الديمقراطية ويجب قبولها كاملة، إذا انتخب الشعب التونسي في الغد حركة النداء من جديد فليس لنا إلا أن نرضى بالنتائج رغم تمرّغها في المال الفاسد.

-هل تؤيدون مواصلة بشار الأسد على راس السلطة؟

–نؤيده مائة بالمائة لأن هنالك فوارق لم يستوعبها البعض، ما حصل في ليبيا وسوريا يختلف عمّا حصل  في تونس، الأمريكان والدواعش دخلوا على الخط وصارت سوريا فوضى، لذلك نحن مع بشار الأسد خوفا على إيغال القوات الدولية والتحكم في كامل المنطقة، بشار الأسد كان في خندق المقاومة في علاقة بالقضية الفلسطينية وعندما تقارنه بالدواعش الذين لم يقوموا بأي عملية انتحارية في الأراضي العربية المحتلة تجد نفسك معه.

-التدخل الإمارتي والسعودي في تونس، ما رأيك فيه؟

–التدخل بالنسبة لبلدان الخليج في تونس لا يحتاج إلى نقاش، نفس القوى تتدخل لتسوية أمور التطبيع مع إسرائيل في المنطقة، عديد الأحزاب في تونس لديها علاقات متطورة مع قطر وأخرى مع الإمارات، لا أستطيع تسمية أشخاص بعينهم لأن ذلك يحتّم وجود حجة مادية لا أملكها، المعني بالأمر معروف وتقسيم المنطقة حسب الموالاة لها معلوم.

-في ليبيا هناك صراع بين حفتر والسراج، في أي خندق تقفون؟

–نحن نقف في خندق الشعب الليبي، كنا نتمنى وجود قوة ثالثة في ليبيا، لكن ما كل ما يتمناه المرء يدركه، الشقّان لهما مشاكلهما وأجنداتهما وتمويلاتهما، للأسف واقع التخلف والتشتت في المنطقة العربية لم يترك مجالا لبدائل أخرى، كلّما كانت الدّول ضعيفة داخليا كلما فشلت في التأثير خارجيا، تونس مثلا ضعيفة اليوم داخليا، إسم الباجي قائد السبسي عجزَ الملك سلمان عن لفظه بالشكل الصحيح لو تذكر، خلال أشغال القمة العربية الأخيرة التي عقدت الأيام الفارطة في مكّة المكرمة.

-بحساب أمننا القومي، من تتمنى أن يخسر الحرب الليبية، سيّما وأن السيسي يقف إلى جانب حفتر؟

–على حسب السياسة الخارجية التي تتوخاها تونس، نحن في منطقة حساسة جدا، الجزائر حاليا تشهد تحولات سياسية واجتماعية كبرى وليبيا لا أحد يعلم ما نتيجة الصراع فيها، وهاتان الدولتان لدينا معهما مصالح اقتصادية مشتركة، يجب عدم الحشر في السياسية الدولية بطريقة اعتباطية وغير مدروسة، حتى لا نتورط في موقف واضح يُحسب علينا فيما بعد.

قد يعجبك ايضا
  1. احمد يقول

    اتفق معك الغنوشي متلون و ينافسه في ذلك حماس الجزائر الذين يضرب بهم المثل و فاقوا حتى الحرباء و كل ذلك للاسف ياسم الدين اقدس مقدساتنا و لا اقبل ان يقال ا عن حماس الجزائر منذ نشأتها انهم من الاسلاميين و امتداد لاخوان مصر قهل يعقل ان يقارن مقري بمحمد مرسي رحمة الله عليه .؟؟؟؟؟؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.