مبادرة السبسي: مساواة في الميراث أم تحيين لخزّان انتخابيّ؟؟

0

بقلم: كريمة شحيت – تونس

تمت المصادقة بالأمس على مشروع قانون المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة.

مشروع القانون هذا لقيَ رفضا كبيرا من العديد من فئات المجتمع سواء المتضلّعة في القانون منها أو بقيّة الفئات الأخرى التي رأت فيه تعدٍّ على شرع الله وحكمته عزّ وجل خاصّة أن تونس هي دولة عربية الإسلام دينها. 

ويحسن بنا التوضيح هنا إحقاقا للحقّ وحتى لا تتم مغالطة العامّة، أنّه إذا تمّت المصادقة على هذا القانون فإنه لا يجبرك على الإمتثال له ومخالفة أحكام الشريعة الإسلامية قسرا، إذ أنّه يفسح المجال أمام المورّث لاختيار أحكام الميراث المنطبقة بعد وفاته على أن يكون الأصل في التوريث المساواة والإلتجاء إلى أحكام الشريعة الإسلاميّة إستثناءً ويتّم بإختيار من المورث في  حياته.  

إلى ذلك فإن كل من كان يعارض هذا القانون باسم الدين فقط أقول له يمكنك تبرئة ذمّتك أمام الله عبر اختيارك لقواعد الشريعة في توريث أبنائك ومن اختار غير ذلك فليتحمل أمام الله ما حطّه بيمينه.

والحقيقة أنّ المسألة دينيّا لا تتحمّل أكثر من هذا خاصّة وأنّ الإنسان خُلق بطبعه مخيّرا في أفعاله بين الضّلالة وبين الهداية، لكننا نعتقد أن المسألة لها دوافع ومسببات أكثر عمقا وخطورة من هذا:

أوّلا: ممّا لا شكّ فيه أن القانون له أبعاد سياسية صرفة، تفسّر الخوض في غمار مسألة المساواة والمرأة بشكل عام في فترة تقترب فيها نهاية المدّة الإنتخابيّة لرئيس الجمهوريّة صاحب المبادرة والذي يعود الفضل لتربعه على عرش قرطاج إلى النساء اللواتي صوّتن له في انتخابات 2014 والإحصائيّات تشهد بذلك، مدّة لم يحقق فيها الرئيس وحزبه على مستوى السلطة التشريعية شيئا من وعودهم الإنتخابية الزائفة، وأمام هذا الضّمور والتدنّي والفشل الذريع ومع اقتراب موعد الإنتخابات المقبلة لابد لرئيسنا ومن حوله رجاله، التوجه إلى اللّعب على هذا الوتر الحساس لإثارة “الجعجعة” من جهة وللدعاية الإنتخابية لحزبه من جهة أخرى. 

ثانيا: المؤلم في هذه المسألة حقا هو التلاعب بحقوق المرأة و المتجارة بها، ذلك أنّ مشروع القانون وإن كان في ظاهره انتصارا للمساواة بين المواطنين وعدم التمييز بينهم على أساس الجنس وانتصارا للمبادئ العامّة التي جاء بها دستور ثورة الياسمين ككلّ، إلا أنه في باطنه مسرحيّة سخيفة الدعاية فيها من المغالطة ما يفوق المحتوى والفحوى، (كما نقول بدارجتنا التونسية: “عيطة وشهود على ذبيحة قنفود”).

فالمتأمل في أحكام التوريث الواردة صلب مجلة الأحوال الشخصيّة والمستمدة من التشريع الإسلامي (في جزء منها على الأقلّ) يدرك أن المرأة ترث في كثير من الحالات أكثر من الرجل، ومهما بلغنا من الحرص والفطنة فإن حكمة الله تفوقنا بكثير، فكفانا شعارات ودعايات هي في الحقيقة لا تغيّر من واقع الأشياء شيئا، ذلك أنّها لا تعدو أن تكون حملات إنتخابية رخيصة، خلافا إلى أنهم يدّعون أن القانون جاء ليحمي بالأساس المرأة في حين أن المورّث وهو ( الأب عموما) هو من بيده إختيار نظام التوريث المنطبق! فأيّ مفارقة عجيبة هذه؟! 

أخيرا، ونصرة لمنطق المساواة الذي رفعه مناصرو هذا الإتجاه -ويكأنّ معارضَ القانون معارضٌ لقيم المساواة والحداثة وخطر على “النمط المجتمعي”-، أخيرا ندعوكم إلى أن تكونوا أكثر انسجاما وتناغما مع الذّات، فإن تبنّيتم منطق المساواة فلتتبنوه في مطلقه وتمضوا فيه إلى منتهاه فلا تتوقف المسألة على المساواة في الميراث دون التطرق إلى شرط المهر الذي يجب إلغاؤه استنادا إلى مبدأ المساواة، كما تلغي الجراية العمرية وتُقَرُّ المساواة التامة في النفقة وحقوق الحضانة والولاية. 

وقبل أن نختم، نريد التنويه إلى أن المنشور أعلاه لا يتحمّل أكثر مما كُتِبَ فيه، وأنّنا حاولنا تقديم قراءة تحليلية لا تذهب إلى أن تكون موقفا ذاتيّا من المسألة، ولو خُيّرنا بين النظامين لتجاوزنا التفكير في أشخاصنا -لأن مسألة الميراث بأكملها كحق لا تعنينا كثيرا، إذ أنّه لا شيء يمكنه أن يعوّض فقدان الأبوين بالنسبة لنا ولا حتى التّركة على حجمها-، ولكُنّا مباشرة في طابور تلك الفئات المستضعفة الكادحة من النساء التي زعمتم أنكم تفكرون فيها وفي حمايتها، خبّرونا، هل توّجه أحدكم إلى إمرأة واحدة منهن وسألها عمّا تريده من الدولة؟ عمّا تنتظر تحقيقه في الحياة؟ نعتقد جازمين أنّ الإجابة لن تكون المساواة في الميراث، وأن أقصى مطامح المرأة التونسية اليوم هي ألا تموت بردا في الشتاء، أو صريعةً في حادث سير وهي تنتقل للعمل على متن عربة تقّل أكثر من عشرين شخصا في حين أنها لا تتسع لغير خمسة، ستقول لك إنها تريد أن تحيا حياة كالحياة. 

( وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ) [الشورى-الآية 15]

صدق الله العظيم.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.