عزمي بشارة في “لوموند”: هكذا يكون المرء كائنًا أخلاقيًا

0

بقلم: محمد صلاح (خاصوطن)

هذا أمرٌ لا بأس به، يكفي أنه ليس باستطاعتهم تعذيبنا“. بهذا الرد يسخر المفكر العربي عزمي بشارة من مزاعم الإماراتيين والسعوديين والأكاذيب التي تنشر ضده  عبر أذرعهم الإعلامية. ورد ذلك في مقابلته مع صحيفة اللوموند الفرنسية التي نشرت في 16 تشرين ثاني/نوفمبر الجاري ضمن حوار مطوّل أجراه الصحافي بنجمان بارت مع بشارة، مدير عام المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة.

رغم رفض بشارة لسنوات طويلة تحديداً منذ أن وصل إلى منفاه في أن يجري حواراتٍ مع الصحف الغربية، لكنه أوضح أن الموافقة على إجراء هذه المقابلة غير المعدة مسبقًا نتيجة قلقه من ظاهرة تهميش القضية الفلسطينية وقضية حقوق الإنسان في العالم العربي. ومن تحول الرأي العام الغربي للاهتمام باستقرار الشرق الأوسط، بما يعنيه من خضوع للاستبداد القائم.

تأتي المقابلة لتكون لافتة موجهة للجمهور الغربي بشكل أساسي من مفكر ارتبطت باسمه قضايا الشعوب العربية والتحول الديمقراطي خلال السنوات الماضية لكثرة ما خاض فيها وما قدمه من خطابٍ منظمٍ عن الثورات العربية.

أفزعت المقابلة المنشورة باللغة الفرنسية ماكينة التضليل الإعلامي الإماراتية والسعودية وعملت على تشويهها ؛ خصوصًا أنها صادرة عن صحيفة مهمّة مثل . فتناقلوها تحت عناوين مثللوموند تفضح مؤامرات عزمي بشارة، أوعزمي بشارة يعترف بأن وسائل الإعلام للتأثير على الرأي العام“.

من يقرأ المواد المفبركة التي تعمدت تكثيف النشر على الطريقة الغوبلزية: “اكذب حتى يصدقك الناس“.يدرك أن الاستهداف ليس فقط لبشارة كمفكّر مدافع عن قيم الحرية والديمقراطية والعدالة، بل لفلسطينيته وللقضية الفلسطينية أيضًا، عبر تشويه مفاهيم الوعي الجمعي بمن هو فلسطيني ومن هو إسرائيلي، والخلط بينهما وتكرار وصفه بأنهإسرائيليمن أصول عربية في ديباجات التعريف به.

بغرض تشويه صورة بشارة، تناقلت صحفالمحور الرجعي العربيوصفًا مجتزأً من السياق يقول إنهالمثقف الذي يكرهه زعماء الشرق الأوسط“. لا يبدو هذا الكلام إلا مديحًا لصاحبأن تكون عربيًا في أيامنا؛ فالطبيعي أن كراهية زعماء الاستبداد والرجعية والانقلابات للمثقف هي مديح وإطراء. ما بالك في المثقف الذي تشتبك مؤلفاته ومداخلاته بشكل ملتزم وعميق مع قضايا الواقع العربي.

أكد بشارة في حديثه على ضرورة إحياء الحركة الوطنية الفلسطيية من خلال إعادة تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، لتكون بيتًا مشتركًا للفلسطينيين في غزة والضفة الغربية والشتات، والسعي إلى تحقيق انتصارات صغيرة مثل انتصار المقدسيين في مسألة البوابات وإزالة الأجهزة الإلكترونية عنها في تموز/يوليو 2017. مع ضرورة إخضاع فتح وحماس لضغطٍ شعبي يجبرهما على التصالح .

الاختبار ليس هو من أين نكتب، ولكن ماذا نكتب. يوم ستمنعني قطر من العمل من أجل ، سأرحل. أما في الوقت الحالي، فيسعدني وجود مثل هذا الملاذ داخل العالم العربي. هل هناك مكان آخر في المنطقة لا يستطيع السعوديون ولا الإيرانيون ولا الإسرائيليون الوصول إليه؟“. هكذا، تحدث بشارة عن إقامته في قطر وعمله البحثي فيها. إلا أن ما نقلته وسائل الإعلام المضادّة جاء مشوّهًا: “يوم توقفني قطر عن العمل، سأرحل“. تحدث بشارة في مقابلته عن أن التحول إلى ديمقراطية ليس السؤال الرئيس الذي يطرح في قطر، وأنه سيدعم القطريين إذا ما اختاروا النزول إلى الشارع ودعوا إلى الديمقراطية. يبدوا هذا موقفًا متسقًا مع ما نظر له بشارة في الثورات العربية خلال السنوات الماضية.

يحيل صاحبالثورة والقابلية للثورةفشل الثورات العربية إلى عدة عوامل أولها عنف الأنظمة القائمة ومستوى القمع غير المسبوق الذي استخدمته والثمن الباهظ الذي دفعته الشعوب، بالإضافة إلى عفوية وقلة تنظيم الثورات التي أدت إلى الفوضى دون وجود نموذج في أذهان الجماهير. أيضًا انعدام ثقافة الديمقراطية لدى النخب السياسية في تلك البلدان. لكنه يعيد التأكيد على أنالثورات زرعت بذور التغيير. وسوف يأتي التغيير، من خلال الإصلاحات، أو الثورة، أو الأزمة الاقتصادية، أو الحرب. وستكون البدائل جاهزة، وستكون هناك سذاجة أقل.” هكذا يبقى متفائلاً بشارة بانبعاث العالم العربي من جديد.

عن أزمة السؤال الأخلاقي في الحياة الفكرية العربية يتحدث صاحبالطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلةعن ميل المثقفين العرب لاستبدال الأخلاق بالعقلانية، وحسابات الربح والخسارة. ويختم بأن المرء لا يكون كائنًا أخلاقيًا إلا إذا فعل ما يجب عليه فعله، دون القلق بشأن النتيجة. ويمكن أن نرى ذلك في حديث بشارة عن المؤسسات الأكاديمية والإعلامية التي قام بتأسيسها، للتأثير بالرأي العام والدفاع عن قيم الديمقراطية. فلا يمكن للمثقف المدافع عن قيم الحرية والعدالة أن يترك المشهد عندما تحترق بلداننا.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.