عادل عبدالمهدي ومآلات الأزمة العراقية

0

ليس من السهل أبداً أن يستشرف المرء الشكل الذي ستكون عليه حكومة رئيس مجلس الوزراء العراقي المكلف عادل عبد المهدي وسط صراعات الكتل السياسية التي لم تظهر على السطح خشية ردود فعل الشارع الغاضب من الفشل السياسي والفساد المالي الذي وسم الحكومات التي تشكلت بعد عام 2003.
قوى سياسية فوضت عبدالمهدي تشكيل كابينته الوزارية وفق رؤيته للكفاءات التي يمكنها ادارة الوزارات العراقية بما ينسجم مع تطلعات الشارع العراقي المطالب بالأمن والخدمات، معولة على عدّته النظرية المتينة والمتماسكة التي اكتسبها عبر تاريخه الفكري والحزبي الطويل الذي حلق خلاله في فضاءات قومية ويسارية ليحط الرحال فيما بعد في الفضاء السياسي الاسلامي متمثلا في المجلس الاعلى للثورة الاسلامية، ومتمترسا فيما بعد بخبرته المتراكمة من خلال شغله لعدد من المراكز الوظيفية في حكومات ما بعد 2003 وزيرا ونائبا لرئيس الجمهورية، فيما تتمسك قوى سياسية أخرى بآليات  تأسيسية ومفصلية في بنية النظام السياسي الذي جاء به الحاكم المدني الامريكي للعراق بول بريمر، المعتمد على المحاصصة السياسية المتعكزة على أبعاد طائفية وإثنية ومناطقية.
النسخة الرابعة من الانتخابات البرلمانية العراقية ليست كالنسخ الثلاث السابقة. إذ أن مآلات النصر العسكري على تنظيم داعش أفرزت صحوة الهوية العراقية الجامعة على حساب الهويات الفرعية التي شكلت الرافعة الأساس للأحزاب السياسية التي تسيدت المشهد السياسي العراقي وما رافقه من تكريس للفساد المالي والاداري الذي أصبح “المؤسسة” الوحيدة الفاعلة في مفاصل السلطة العراقية طيلة الخمسة عشر عاما التي تلت إحتلال العراق في نيسان 2003.
كما ان هذه النسخة ولدت شوهاء بفعل المقاطعة الشعبية الواسعة للانتخابات البرلمانية والتي وصلت في بعض التقديرات الى ما يفوق الثمانين بالمائة، وتعززت تلك المقاطعة فيما بعد باحتجاجات غاضبة انطلقت من محافظة البصرة وإمتدت شرارتها، وإن على وجل، الى محافظات أخرى في وسط وجنوب العراق.
وسط هذا المشهد المعقد، سيخوض رئيس مجلس الوزراء عادل عبدالمهدي صراعات صامتة مع القوى والاحزاب العراقية. فهو من جهة محمل بطوق المنقذ الذي حملتّه تلك القوى والاحزاب دور البطل التراجيدي الذي سيحارب بأكثر من سيف وعلى أكثر من جبهة. جبهة الأمن وجبهة الخدمات وجبهة الفساد. وهو من جهة أخرى يحلم بتغيير قواعد اللعبة السياسية تمهيدا للانطلاق نحو خط الشروع في بناء دولة تمتلك ولو الحد الادنى من مقومات الدولة العصرية.
عبدالمهدي يعي بخبرته أنّ التكيّف مع هذا الصراع هو أسوأ من الصراع ذاته، لذلك فان الرجل يلوح باستقالته منذ لحظة التكليف، وهو يعي أيضا حجم المأزق الذي ستوضع الأحزاب في دوامته إذا ما أقدم على هذه الخطوة.
منصة الصراع الأخرى تتمحور حول الحلقات الوسطى في الوزارات والتي تشكل حجر الزاوية في منظومة الفساد وهي عصية على التغيير القريب وقد يعمد رئيس مجلس الوزراء الى أسلوب التغيير الناعم، أو يستل من خبرته الاقتصادية ما يعينه على إصدار تعليمات وأوامر ديوانية لسحب الصلاحيات المالية من هذه الحلقات الوسطى وحصرها في لجنة وزارية مصغرة للحؤول دون إستحواذ الاحزاب والشخصيات السياسية على أموال المشاريع، ومعظمها وهمية، كما هو الحال السائد في عهد الحكومات السابقة، وتلك مرحلة يتعين على عبدالمهدي وكابينته الوزارية دفنها مع رموزها وانجازاتها الوهمية.
على الأغلب ستمرر الكتل والاحزاب السياسية كابينة عبدالمهدي الوزارية، وعلى الاغلب، ستعمد بعض تلك الكتل الى تجويف الكابينة ووضع العصي في دواليب الوزارات من أجل إفشالها كخطوة أولى، بغية الاجهاز عليها فيما بعد.
هل يمتلك رئيس مجلس الوزراء الجديد أجوبة شافية عن سؤال الازمة العراقية..؟ هذا ما سنحقق منه في قادم الايام.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.