أذكر  ـ فيما أذكر من سني  الصبا الأول ـ أني كنتُ أزور جدي لأمي في أيام الإجازات الدراسية فأمكث إلى جواره كثيرًا، وكان الرجل ـ رحمه الله ـ كُفّ بصره لتقدمه في العمر، وهو من الحاصلين على الابتدائية المصرية القديمة، وكنتُ أراه ينصت إلى آي الذكر الحكيم بانتباه ويقظة كاملين من إذاعة “القرآن الكريم” من القاهرة .

  ولإنني اعتدتُ من أبي الاستماع لمختلف الإذاعات ما بين “البرنامج العام”، “صوت العرب”، .. وصولًا إلى إذاعة الـ”بي بي سي” من لندن .. لذلك غافلت جدي “حسين”، وحركتُ المؤشر نحو إذاعة “البرنامج العام” التي كانت تذيع لسوء حظي أغنية لمغنية لم أتبينها إذ إن صرخات جدي لاحقتني .. والشاهد أن المؤشر الخاص بتقليب الإذاعات وتغييرها لما أردتُ تغيير محطة “القرآن الكريم” استغرق معي ثوان كثيرة ليتحرك إذ إن التراب قد قد تجمع عليه من الداخل .. لأن جدي الراحل لم يغير المحطة منذ سنوات طويلة.

  أما أبي الأزهري خريج كلية “أصول الدين” فإنه أيضًا لما ضعف بصره في نهاية حياته كانت المحطة نفسها رفيقته ـ دون غيرها ـ حتى لقي الله؛ وكان يحلو للأخير ـ رحمه الله ـ القول إن إذاعة “القرآن الكريم” وتطوير “الأزهر الشريف” من أعظم أعمال الرئيس الراحل “جمال عبد الناصر” التي سيلقى الله بها.

  ومثل جدي وأبي شببتُ عن الطوق وإذاعة “القرآن الكريم” في مكانة عليا ببرامجها وآي الذكر الحكيم من قبلها، وكذلك كانت لدى ملايين المصريين .. حتى إني والدة أحد أقرب الأصدقاء كانت أمية تكاد تحفظ “القرآن الكريم” كاملًا من كثرة استماعها للإذاعة المساة باسمه؛ حتى أنها لتنطق بالآية المقبلة قبل أن ينطقها قارئ “القرآن الكريم”، وبالتالي تعرف مواعيد البرامج وتحفظها عن ظهر قلب وصارت لديها ثقافة دينية قوية بفضل الاستماع للإذاعة طوال صحوها وعملها في البيت.

  رافقتني الإذاعة ورافقتْ كثيرًا من أصدقائي في حلهم وترحالهم؛ في سفرنا من الصعيد حيث نشأتُ إلى القاهرة حيث عملتُ فيما بعد، وصرنا نعرف دور القارئ للقرآن الكريم التالي قبل أن ينتهي القارئ الحالي، إذ إن مجموعة من كبار القراء يتناوبون قراءة القرآن وتلاوته على مدار ثلاثة أيام لكل منهم.

   أحد الأصدقاء المقربين وقع في محنة شديدة إذ قام جهاز من أجهزة الدولة المصرية السيادية بطرده من عمله إبان فترة حكم المخلوع “حسني مبارك” ؛ وبعد جهد مضن شديد قبل أحد أفراد الجهاز ووافق على عودة صديقي بشرط أن يكون عينًا له على زملائه في العمل، ويقول صديقي أنه مضى في الشارع في طريقه إلى شقته الصغيرة النائية وهو مشغول الخاطر لا يصدق أنه سيخسر دينه من أجل دنياه، حتى إذا همّ بدخول باب البناية العتيقة التي يقيم فيها .. استمع من مذياع حانوت فقير أغلقه صاحبه ولكن جعل صوت إذاعة “القرآن الكريم” مفتوحًا ينساب بأعلى صوت .. وعند دخول صاحبي كانت الإذاعة تذيع قوله تعالى لقارئ معاصر بصوت حلو مجود:

“وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ (113)” سورة هود.

   فتراجع صاحبي على الفور عن قبول عرض الجهة السيادية ورأى في الآية رسالة إلهية، وإلا لماذا ترك صاحب الحانوت اليوم إذاعة “القرآن الكريم” بأعلى صوت في ذلك اليوم بالتحديد؟! ثم اختار لها الله ان تذيع الآية والتذكير بمس النار لمجرد “الركون” وفداء الوظيفة التي يحبها بقليل من ودهم.

   وعاش صديقي المقرب ـ فيما بعد ـ يستمع إلى الآية الكريمة:

“قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)” آل عمران مرتين على الأقل أسبوعيًا من إذاعة “القرآن الكريم” طوال فترة حكم نظام “حسني مبارك” الذي حال دون صاحبي ووظيفته التي أحبها .. حتى إذا سقط النظام لم يعد يسمعها في وقت محدد مقدر تكراره .. كما قدر الله له الاستماع إلى الآية الأولى من قبل؛ فلما استقر نظام “عبد الفتاح السيسي” إلى حين عاودت الآية الظهور بقوة في أفق حياة صديقي!

   في نهاية أذار/مارس من عام 1964م افتتح الرئيس المصري الراحل “جمال عبد الناصر” إذاعة “القرآن الكريم” على موجتين قصيرة ومتوسطة، لتكون أول إذاعة في العالم باسم كتاب الله تعالى، وقيل إن سبب افتتاحها محاربة ما أسماه نظام “عبد الناصر” الإرهاب”، وقيل إنه لمحاربة محاولات تحريف كتاب الله.

   وعاشت الملايين منذ 1964م يرون في المحطة الإذاعية صوتًا للإسلام الوسطي مُعبرًا عن “الأزهر الشريف”، وتعبيرًا عن الدين الذي لا تحاربه الدولة المصرية بل تُصدره، وكانت ومازالت أصوات المذيعين فيها لها رنة مميزة تربطها بكتاب الله على نحو ما، وكان نظام المخلوع “مبارك” يذيع نشرات أخبارية بما يود على رأس بعض الساعات فكان الناس يعتبرون النشرة كأن لم تكن، وفي فترة نجاح محاولة الثورة المصرية (من 25 من كانون الثاني/يناير 2011م حتى 3 من تموز/يوليو2013م) كانت الإذاعة تذيع فترات مفتوحة تناقش الثورة ومجرياتها والسياسة بحضورعالم دين وعالم نفس أو اجتماع على نحو بالغ الروعة وبعفة لسان ورغبة في عمارة مصر.

   ولكن  النظام المصري الحالي دمر محاولات بناء مصر؛ وكان لابد أن تصل يد الهدم لإذاعة “القرآن الكريم” فصارت بوقًا له ببعض برامجها؛ على النقيض تمامًا كانت عليه إبان نجاح محاولة الثورة؛ وبتعمد أو بدون تعمد، وبقصد أو بدون طال النقل أبرز ستة مذيعين في المحطة لتفقد إذاعة “القرآن الكريم” بعضًا من ألق برامجها، بما لم  من قبل على مدار أكثر من 64 عامًا، فهل تكون الخطوة بادرة لأفعال أخرى من النظام مقبلة تخص إذاعة رسمية باسم كتاب الله وهي الأولى في العالم من حيث تاريخ افتتاحها ومحبة الملايين من المسلمين لها؟!