كتب: (خاص – وطن) – مشت ماري أنطوانيت في 2 نوفمبر عام 1793 بشعر أبيض وملابس مهترئة حافية إلى المقصلة، كانت ملكة فرنسا الصغيرة المتهورة التي غرقت لسنوات في البذخ والحفلات منفصلة عن شعبها لدرجة أن إحدى الجمل الشهيرة المنقولة عنها أنها ببلاهة كانت تسأل لماذا يتظاهر هؤلاء الناس؟ فأجابوها لأنهم لا يجدون الخبز. فردت: “إذا لم يكن هناك خبزٌ للفقراء.. دعهم يأكلون كعكاً”.

 

لا يقع بن سلمان ضمن قائمة الحالمين في التغيير، فالحالم صاحب رؤية واضحة وإن كانت وردية غالبًا لكنه يسخر الإمكانيات كاملة لتحقيقها، والأمير الشاب ”المتهور“ يعتبر واهمًا منفصلاً عن الواقع، فالشاب الذي تحدث في مقابلةٍ له عن أن “ تستطيع العيش بدون نفط” في عام 2020، حسب الرؤية التي أطلقها ما أن تولى منصب ولي ولي العهد (الوهم الأول) ثم مع اقترابه من عزل محمد بن نايف واحد من أقوى رجالات المملكة، أسس للاستيلاء على ولاية العهد عبر (الوهم الثاني) أو ما يسمى . ورغم أن هذه الأوهام ساعدته لأجل تمدد قوته في المملكة أكثر فأكثر، إلا أنها تبقى أوهام منفصلة عن واقع المواطن السعودي، حتى أنه لم يستطع في نفس المقابلة الإجابة على سؤال: ماذا تريد من المواطن السعودي ليساهم في هذه الرؤية؟

لا يريد بن سلمان من المواطن السعودي غير السمع والطاعة، أو “أن يأكل الكعك” بدل الخبز الذي لا يجده.

 

وربما من مؤشرات الانفصال عن الوقع التي تحدثنا عنها، هي أن الشاب الواهم يظن أن المواطن السعودي يسطيع أن يشتري مثله يخت بأكثر من 550 مليون دولار في يوم وليلة، أو ربما إذا نزلنا إلى الأحياء الشعبية التي يعمل فيها المواطنون السعوديون سائقي أجرة، وعمال أو يقفون في طوابير البطالة بانتظار مساعدة أو قوت يومهم، يستطيعون وضع لوحة “مخلص العالم” لليناردو دافنشي التي اشتراها الأمير الواهم بـ 430 مليون دولار في بيوتهم التي لا تتجاوز عشرات الأمتار، على عكس قصره الفرنسي الذي بلغ ثمنه 300 مليون دولار. هذا هو الانفصال الذي نتحدث عنه: مخلص العالم يبحر إلى قصره الكبير.

 

كان يمكن للمواطن السعودي أن يصدق بن سلمان إذا صرح رجالة دولته عن معدلات الفقر الحقيقية في المملكة التي يتشدق بتعدد مواردها الاقتصادية والاستثمارية، ففي عصر النفط الذي تحدث الأمير على أن السعوديين أدمنوه رغم أن فئة قليلة التي نمت ثرواتها من ذلك الإدمان وهو واحد منهم أو على رأسهم، تتحدث التقارير عن ما يقارب الـ 20% إلى 30% يعيشون في مستوى الفقر داخل مملكة إدمان النفط السعودي ومعظمهم من فئة الشباب.

 

لم يكن الوهم الاقتصادي وحده ما ارتكز عليه بن سلمان في تثبيت حكمه وتغلغل قوته، فوهم كان حاضراً بقوة، ففي يوم وليلة نسف بن سلمان تاريخ عائلته كلها، واعتقل كبارها وكبار المملكة بتهم الفساد، رغم أن كل ما فعله هو مفاوضتهم على شكل ونوعية ذلك الفساد، من ثم بدلاً من توزيع الفساد على عدة أفراد، قام بتركيزه في يده وحده. بالإضافة إلى أن كل ما فعله لم يكن له معنى إلا أن المملكة غارقة في الفساد منذ عشرات الأعوام، فما الجديد إذن  إذا اعتبر أن تاريخ الحكم الذي هو امتداد له، ويفخر به، هو حكم فاسد على مدى العقود الماضية؟ ورغم بروباجاندا التي قدمها وطبل لها الإعلام السعودي والذباب الإلكتروني، إلا أن المملكة تبقى في تراجع ضمن مؤشرات الفساد العلمية.

 

وهم الحريات والاعتدال كان له نصيب عند بن سلمان، فالسعودية التي احتفلت مؤخراً بأن المرأة تستطيع قيادة السيارة، يبدو في احتفالها وسعادة ولي عهدها، انفصالاً عن الواقع الذي يقول أن السعودية آخر بقعة في العالم استطاعت المرأة فيه القيادة. وهيئة الترفيه المحكومة بترندات التويتر لا تبدو غير أداة إلهاء اجتماعي للسعوديين. والتطرف الذي قال أن المملكة غارقة فيه لعقود يظن الشاب أن محاربته تكمن في إحضار موسيقار عالمي إلى بقعة تقول كل مؤشرات الحريات العالمية أنها إن لم تأخذ درجة سالبة في الحريات ففي أحسن الأحوال درجتها صفر.

 

الوهم السياسي وصنع العدو كان أكبر الحاضرين وأكثرهم شراسة في اقتحام بن سلمان للمشهد السعودي والإقليمي والعالمي، ففي النهاية يحتاج الشاب إلى مبرر لعدم تحقيق تلك الأوهام، شن الحرب على كان واحداً من أوهام صنع العدو، ومعاداة قطر وتدمير مجلس التعاون الخليجي، وتصعيد التوتر السياسي والخطاب الإعلامي إلى أشرس مستوياته ضد إيران، بالتحالف مع الرجل الأبيض كان بارزاً أيضًا. فحين تأتي 2020 و2030، لن يجرؤ سعودي واحد على السؤال عن جودة الحياة التي وعدهم بها مخلص العالم وهو جالس في قصره، فالمملكة في حالة حرب مستمرة، وربما هذه الإجابة التي لم يقلها بن سلمان في مقابلته، عن ما ما هو مطلوب من المواطن السعودي، السمع والطاعة أو الانجرار وراء مجازفاته السياسية والاقتصادية والصمت حين لا تتحقق، لأن المملكة يتربصها عدو، وهذا ليست وقت المراجعات.

 

الوهم والانفصال عن الواقع هي مرتكزات حكم الشاب الذي بدأ سلطته بالبذخ والانضمام إلى نادي كبار الملاك والثراء الفاحش، كما بدأته ماري أنطوانيت بعد أن همشت العجوز لويس السادس عشر، فهل سنسمع لاحقًا عن كعكٍ جديد يسمى السعودية 2050، أو السعودية 2070؟ أم ان المملكة تنتظر ثورة شبيهة بثورة الجياع الفرنسيين فلا يكون مصير ابن سلمان افضل من مصير أنطوانيت التي انفصلت عن الواقع في طغيانها وترفها الذي عاشته حتى اقتيدت إلى المقصلة؟