في تقرير لمجلة “كريستينان ساينس مونتيور” الأمريكية، تساءل مراسلها “تيلور لوك” عن الدواعي وراء ما سماه “صيف الغضب” في .

 

ويقول “لك” في تقريره إن التطورات الأخيرة في السعودية حيرت المراقبين للسياسة في المملكة، حيث ظلت الأخبار تتوالى عن اعتقال الناشطات، وإسكات رجال الدين، والأزمة الدبلوماسية مع كندا.

 

ويجد التقرير أن وجه الدهشة هو أن موقع ولي العهد آمن، ولم تؤثر عليه الحرب الفاشلة في اليمن، وهو دون منافسين من العائلة يمثلون تهديدا عليه، ويسيطر على مفاصل الدولة كلها، من الاقتصاد والأمن والجيش والدفاع وملف الخارجية، بشكل يجعل من الحكم عرضا يديره شخص واحد.

 

ويشير الكاتب بحسب ترجمة “عربي21” إلى أنه من اللحظة التي عينه فيها والده وليا للعهد العام الماضي، منهيا بذلك التقليد داخل العائلة المالكة في تداول السلطة والصراع عليها، فإن الأمير الشاب أعلن أنه سيقود المملكة إلى مرحلة جديدة.

 

وتفيد المجلة بأنه بالإضافة إلى إبعاد السلطة السعودية عن التيار الوهابي المتشدد، المرتبط بالتطرف والإرهاب، فإن ابن سلمان أعلن عن أجندة قدمها على أنها “مستقبل الجيل الشاب”، حيث سمح بدور السينما، وفتح الباب أمام المرأة للخدمة في الجيش، وأنهى منعا قديما عن قيادة المرأة للسيارة.

 

ويذكر التقرير أن ابن سلمان قام في الربيع بجولة في طول أمريكا وعرضها، وقدم نفسه على أنه إصلاحي وحداثي وليبرالي، مستدركا بأنه بالنسبة للنقاد فإن التناقضات بين سيطرته على السلطة وميوله الإصلاحية المفترضة كانت واضحة من البداية.

 

ويقول لوك إن “سلسلة من السياسات المتقلبة، التي اتسمت برد الفعل المفرط، جعلت من المحللين والدبلوماسيين يتساءلون عما إذا كانت تلك السياسات تعبيرا عن أمير لديه سلطة هشة، أم أنها تعبير عن مناورات منه للتغلب على منافسيه، وهو يواجه تحديات محلية وإقليمية والسياسة الدولية، أو أنها تعبير عن رجل حساس ورجل قوي ليس مقيدا”.

 

وتلفت المجلة إلى أن السلطات السعودية قامت في أيلول/ سبتمبر 2017 باعتقال عدد من الدعاة، بينهم المفكر الإسلامي سلمان العودة، الذي لديه ملايين المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أن السلطات واصلت هذه الشهر عملية القمع، فسجنت أكثر من 12 من العلماء والمتحدثين البارزين، من بينهم سفر الحوالي وناصر العمر، الذي يعد من رموز التيار السلفي.

 

وبحسب التقرير، فإن السبب الذي تقدمه السلطات للدبلوماسيين الغربيين لاعتقال العلماء، هو أنهم يعارضون الإصلاح الاجتماعي الذي يدفع به ولي العهد، بما في ذلك السماح للمرأة بقيادة السيارة، وفتح دور السينما، والترفيه المختلط، لافتا إلى أن مكتب الأمير يؤكد أن هؤلاء الدعاة يعارضون أجندته التقدمية، وموقفه من الإسلام المعتدل، الذي يرفض الميول المتطرفة المرتبطة بالوهابية.

 

ويستدرك الكاتب بأن المراقبين يرون أن هناك دوافع مصلحية وراء هذه الاعتقالات، خاصة أن العودة والحوالي من شيوخ الصحوة المتأثرين بأفكار الإخوان المسلمين، مشيرا إلى أن هذه الحركة تعارض التدخل الأمريكي في المنطقة، وتعارض في الوقت ذاته الإرهاب الموجه ضد المدنيين.

 

وتنوه المجلة إلى أن حركة الصحوة تعد من الناحية الاجتماعية متضادة مع المدرسة الوهابية وولائها للعائلة المالكة، وتدعو للديمقراطية، ونظمت في التسعينيات من القرن الماضي احتجاجات، مشيرة إلى أن العودة استخدم وسائل التواصل الاجتماعي في عام 2011، مع اندلاع الربيع العربي، ودعا الملايين من متابعيه للمطالبة بدستور وبرلمان منتخب وتشكيل الاتحادات والجمعيات.

 

ويجد التقرير أن ولي العهد أزاح من خلال سجنه العلماء الأصوات القليلة المتبقية التي يمكن أن تتحدى سيطرته الديكتاتورية على المجتمع السعودي.

 

وينقل لوك عن أستاذ العلوم السياسية في جامعة العلوم في باريس ستيفان لاكرو، قوله إن “علماء الدين هم الوحيدون القادرون على تحدي النظام”، ويضيف: “لو كان هناك تحد للنظام فإنه يأتي منهم، وهذه الإمكانية هي التي تخيف محمد بن سلمان”.

 

وتشير المجلة إلى أمر آخر محير هذا الصيف، وهو اعتقال الناشطات في الوقت الذي أعلن فيه النظام عن زيادة دور المرأة في سوق العمل والجيش والحياة العامة، ففي أيار/ مايو اعتقلت السلطات 11 ناشطة، ومنع بعضهن من السفر، وتم التحفظ على البقية دون محاكمة، لافتة إلى أن هذه الاعتقالات رافقتها حملة تشويه وتخوين للناشطات في الإعلام.

 

وتنقل المجلة عن دبلوماسيين عرب وغربيين، قولهم إن الخلاف مع قطر يدفع الكثير من سياسة السعودية الداخلية والخارجية، مشيرة إلى أن السعودية والإمارات تقودان الحملة على قطر، بل إنهما فكرتا في تغيير النظام.

 

ويتساءل لوك: “لكن لماذا كندا؟”، مشيرا إلى الأزمة التي اندلعت بسبب تغريدة لوزارة الخارجية الكندية، تطالب بالإفراج عن ناشطين في مجال حقوق الإنسان، ويرى أن الإجراءات العقابية لا يمكن شرحها من خلال التأمرات المحلية والقوة السياسية الإقليمية.

 

ويجد التقرير أنه مع أن السعودية ليست ديمقراطية، إلا أن النظام فيها قائم على التوازن داخل العائلة المالكة وبين الحكام والمجتمع السعودي بشكل عام، لافتا إلى أن العائلة تحكم من خلال لجنة، فيما يؤدي الأمراء وبقية فروع العائلة والشيوخ والتكنوقراط دورا في اتخاذ القرارات.

 

 

ويستدرك الكاتب بأن هذا التوازن اختفى خلال العامين الماضين، حيث يتخذ ابن سلمان القرارات وحده، تاركا البقية في الظلام، منوها إلى أنه “في ظل غياب القيود غير الرسمية للحد من نزعات الحاكم السيئة، فإن الحكم أصبح رهنا لنزواته”.

 

وتبين المجلة أنه في عصر الحاكم القوي المفرط الحساسية، فإن إعلان حروب تجارية، وشن حملات تشويه للانتقام من خطأ طفيف، أصبحا أمرا عاديا، مشيرة إلى أنه لا توجد في السعودية مؤسسات للحد منها.

 

وتختم “كريستيان ساينس مونيتور” تقريرها بالإشارة إلى قول غوس: “ربما كان ابن سلمان شخصية حساسة ويتعامل مع كل شيء على أنه إهانة شخصية.. هذه هي السعودية الجديدة”.