تستثير التجربتان التركية والماليزية على وجه الخصوص اهتمام الشعب العربي في جميع أقطاره، نظرا لما يحسه من فرق بين ما تنطوي عليه المقارنة بينهما مع تجاربه في بلاده،  ففي الوقت الذي تغول فيه حكم الفرد لدينا، نظرا لما يتمتع به الحاكم من سلطة مطلقة، دون أن تقترن هذه السلطة بالمسؤولية المزجاة على كاهله، والتي تعني أن يكون الحاكم قائما على رعاية مصالح الناس، بتواضع وعدل، وأن يحفظ للناس عقائدهم وأمنهم وأموالهم وأعراضهم وكأفة حقوقهم، يتحمل تبعة المسؤولية أمام الله والناس، وفي حالة الإخلال بما يتوجب عليه من ثقل الأمانة، فعلى الأمة أن تعزله، دون تردد، ففي الإسلام تُرهن طاعة ولي الأمر بطاعة الله ورسوله.

لقد أفسد الاستبداد حياتنا في جميع مناحيها، بسبب ما ينتجه من فسادٍ طاغٍ في مختلف مستويات السلطة، فالفساد يطل برأسه أينما اتجهنا، فقد نقابله في مؤسسة أو جامعة أو مزرعة أو مدرسة، وهو يكاد يصبح بيئة ملوثة يطال ضررها الجميع.

يتطلع العرب إلى الانتخابات في تركيا أو ماليزيا بذهول وإعجاب معا، نظرا لسلاسة العملية من ترشح، وإجراءات، وإعلان نتائج، والمصادقة عليها، وتسليم الأطراف بها، والبناء عليها، علما بأن المقارنة التاريخية تفترض أن نكون كعرب متساوين مع هذين البلدين على أقل تقدير، نطاولهم قامةً وحضارة، لو كانت هناك نيات صادقة، وإرادات وطنية حرة في بلادنا.

يثير اهتمامنا دائما أن اهل الحكم عندنا لديهم المبررات دائما للتهرب من مسئولياتهم، والتوسع بسلطاتهم، فإن قلنا لهم: لمَ لا تسترشدون بتجارب السلف الصالح في تاريخنا؟ ردوا بأنكم تريدون أن تعودوا بنا إلى الماضي السحيق، وأن تعيدوا الحياة إلى الوراء، وإن قلنا لهم: حسنا فلنحاكي تجارب دول الغرب والشرق المعاصرة في التطور والتقدم والنمو، قالوا: إننا ما زلنا قاصرين للحاق بهم، وينبغي أن نبقى تحت الوصاية، حتى نبلغ سن الرشد، لكن ما بالهم وما حجتهم عندما تأتينا التجارب من دول نامية، لها مسيرة تشبه مسيرتنا وظروفٍ مشابهة لظروفنا؟!.

عندما ندعوهم إلى الاقتداء بالصالح من السلف، يقينا لا نريد أو نرغب أن نعود إلى الزمن الغابر، بقدر ما نريد أن يتمثل حكامنا روح الإحساس بالمسئولية، خذ عمر-مثالا- الذي يرى نفسه مسئولا يستحق المحاسبة، إن تعثرت بغلة في أي بقعة من أرض الإمبراطورية العظيمة، وعندما يقف على المنبر ليخطب الجمعة، ويطلب من الناس أن يسمعوا، يتصدى له أحدهم، بأن لا سمع ولا طاعة، متهما إياه باستغلال منصبه بسبب بردةٍ يلبسها صنعت من ثوبين، بينما وزع الخليفة ثوبا واحدا على الناس، لكنه بنفسه يطلب إيضاح الموقف فورا من ابنه الجالس بين الناس، الذي يقف ليقول أن بردة عمر خيطت بجمع ثوبه مع ثوب أبيه، أي أن عمر يُتهم بالفساد، لكنه يظهر اللين والرفق ويقدم الرواية المقنعة، فتهدأ الأنفس، ويُسمح له بإكمال الخطبة، وفي موقف أخر يلقى الخليفة عمر قاتل أخيه في السوق، فيخاطبه الخليفة والله إنني لا أحبك، فيرد القاتل وهل ذلك ينتقص من حقوقي؟، فيجيبه الخليفة: لا، ليرد بتحدٍ سافر ذلك لا يضيرني بشيء، والله لا يأسى على الحب الا النساء، ويتركه ويمشي، هكذا دون وجل أو خجل، فلا حقد ولا ملاحقة ولا اعتقال أو سجن أو حتى تعليق رأس.

لكن دعونا نساير حكامنا فيما يطرحوه، من أن الماضي قد ولّى، وأن تجارب الدول المتقدمة بعيدة عن أحلامنا، فماذا يقولون بتجربة تركيا وشقيقتها في ماليزيا ما سر نجاحهم وإخفاقنا؟!.

من يبحث عن تجربة أردوغان في تركيا، يدرك أن الرجل ليس أسطورة، يصنع المعجزات، بل لا يعدو الأمر أن الرجل أحس بالمسئولية العظيمة، والكبرياء الوطني، وامتلك الرغبة الصادقة، والإرادة الحقيقة، لمكافحة الاستبداد، وقرينه الفساد، فعندما تولى المسئولية لأول مرة رئيسا لبلدية استانبول “مدينة الإسلام”، شعر الناس بالفرق، لكنه فسر ذلك بأننا لم نعمل أكثر من منع السرقة، أمّا الماليزي مهاتير محمد ابن( 93 ) سنة، والقادم أصلا من أسرة متواضعة وفقيرة، فبعد اعتزاله العمل السياسي لمدة( 15 ) سنة، يستفزه استشراء الفساد في بلاده، فلا يتردد بخوض الانتخابات، ويفوز بها، وأول فعلٍ يقوم به تخفيف الضرائب عن الناس، وضبط سلفه مع أسرته متلبسا بفساد مالي، والتعهد بخفض الدين العام.

لسنا من المعتقدين بالأساطير أو المعجزات، أو من مروجي الأوهام، لكن الزمن اليوم للفاعلين من المخلصين والمنتمين، الأقوياء الأمينين، فلا نحتاج أكثر من إرادة حرة، وقمع دوافع الغطرسة والتكبر، حتى نلحق بركب الأمم الأخرى، فمتى ما تهيأت للأمة أسباب النهضة، فلا بد أن تسترجع أمجادها الغابرة، عندما بنت ذات يوم أكبر إمبراطورية في التاريخ، امتدت لأكثر من قرنين من الزمن.

الدوحة – قطر