سلطت المنظمة الأوروبية ـ لحقوق الإنسان، في تقرير لها الضوء على عمليات القمع الممنهجة التي يمارسها النظام السعودي ضد معارضيه، وحالات الانتهاك المروعة التي يتعرض لها المعتقلين داخل المملكة سيئة السمعة.

 

وقالت المنظمة في تقريرها المطول، إنه على الرغم من مضي أكثر من 20 سنة على انضمام السعودية اإتفاقية مناهضة التعذيب في 1997، إلا إنه لايكاد يلحظ قيام السعودية بأدوار كافية في التوعية والتثقيف والتعليم فيما يتعلق بانضمامها لمناهضة التعذيب، ومن ذلك عدم ملاحظة دور ملموس للحكومة السعودية في اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب، الذي يصادف 26 يونيو من كل عام ويعتبر المناسبة السنوية الأهم فيما يتعلق بمناهضة التعذيب حول العالم.

 

نفسي وجسدي

وعلى النقيض من ذلك، لا تزال السعودية تمارس التعذيب الجسدي والنفسي على نطاق واسع ضد المعتقلين، مصحوباً بالمعاملة المهينة والمذلة والحاطة بالكرامة، ولاتستثني في ذلك التعذيب حتى الأطفال.

 

وبسبب عدم وجود قضاء مستقل، فإنه من المتعذر الإنتصاف لضحايا التعذيب حينما يكون الخصم هو الملك أو جهاز رئاسة أمن الدولة التابع للملك مباشرة.

 

وأدى التعذيب في عدد من الحالات إلى الوفاة، ففي مارس 2018 توفي المعتقل علي جاسم النزغة (٦١ عاما) في سجن المباحث، حيث أشارت معلومات أهلية إلى منع عائلته من تصوير جثمانه، فيما يعتقد إنه لإخفاء آثار التعذيب التي شوهدت على جسده أثناء تغسيله.

 

سياسة القتل بالبطيء.. أمراض فتاكة وإهمال طبي متعمد

وفي يناير ٢٠١٨ توفي الشاب حبيب الشويخات بعد معاناة مع مرض السرطان وإضطرابات في القلب والغدة الدرقية، والتي تضاعفت نتيجة الإهمال الطبي المتعمد، وتتسبب له بضيق التنفس وعدم القدرة على المشي وصعوبة كبيرة في الحركة، وعلى الرغم من قيام والد الشاب بمراسلة الديوان الملكي يناشد الملك بتوفير العلاج العاجل له، وشارحا فيها وضعه الصحي وحالته الحرجة، إلا أن مناشدة الأب أهملت وتوفي ولده.

 

وفي يناير 2017 توفي المعتقل في سجن المباحث بالدمام الشاب محمد رضي الحساوي، وكان ذلك بعد عامين على إعتقاله، وفيما لم تكشف إدارة السجن عن أسباب الوفاة، أشارت مصادر أهلية إلى أن السبب تعرضه للتعذيب، ولايمكن في السعودية أن تقوم جهات مستقلة بالتحقيق في هكذا حالات، في ظل السحق الكامل والممنهج الذي يتعرض له المجتمع المدني، خصوصاً في عهد الملك الحالي سلمان بن عبدالعزيز وابنه ولي العهد.

 

في 4 مارس 2016 قُتل تحت التعذيب لاعب كرة اليد الشاب مكي العريض، وذلك بعد يومين من إعتقاله من نقطة تفتيش، وتعذيبه في مركز شرطة العوامية، وكان كل ذلك فقط جراء الاشتباه به.

 

ويعرف العريض بين أفراد مجتمعه كلاعب رياضي، وعامل متطوع في نادي السلام الرياضي بالعوامية.

 

طالبت أسرته بتسلم جثمانه، ولاحظت العائلة بعد تسلمه آثار التعذيب على جسده، ومن بينها الضرب والصعق الكهربائي وإطفاء السجائر والقطع بآلات حادة.

 

إلى جانب الوفاة، أدى التعذيب في بعض الحالات إلى إعاقات وإصابات دائمة أو إصابات مؤقتة. من بين ذلك حالة المعتقل المحكوم بالإعدام منير آل آدم، الذي فقد السمع بشكل كامل في إحدى أذنيه وضعف نظره بسبب ما تعرض له من تعذيب.

 

وتشرح المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان في هذا التقرير بعض كيفيات الحكومة السعودية في تعذيب المعتقلين، وفقا للتقارير التي وثقتها، والمقابلات الشفهية التي أجرتها مع عدد من المطلعين على واقع التعذيب في البلاد.

 

كيفيات التعذيب في السعودية

الحكومة السعودية تستخدم آليات متعددة في تعذيب المعتقلين بهدف إنتزاع اعترافات أو لأهداف إنتقامية.

 

الفلقة: طريقة قديمة تُنفذ بربط القدمين بعصا أو لوح خشبي وضرب أسفل القدمين بعصا أو خيزران أو سلك معدني.

 

الصعق بالكهرباء: عبر لمس جسد الضحية بقضيب كهربائي يصدر طرفه شحنات كهربائية عالية تصعق الجسد. في بعض الأحيان يترك الصعق آثاراً على الجسد. يتم إستخدام الصعق الكهربائي على مختلف أماكن الجسد، بما في ذلك الأعضاء التناسلية.

 

التعليق: تستخدم هذه الطريقة في التعذيب بطرق مختلفة، بينها التعليق من الأيدي أو من الأقدام. أثناء التعليق قد يتعرض الضحية للضرب أو الصعق الكهربائي وهو في هذا الموقف الضعيف، ما ينتج عنه آلام مضاعفة. ينتج عن التعليق في بعض الحالات تلف طويل الأجل في الأعصاب أو الأوتار.

 

الحرق بالسجائر: يتم إطفاء السيجارة المشتعلة على الجلد، ما يؤدي إلى الحروق والتقرحات والندب.

 

الركل والصفع واللكم العنيف: يتعرض معظم المعتقلين لهذا النوع من التعذيب. يتسبب ذلك بآلام وخوف ويمكن أن يترك آثاراً مرئية مثل الكدمات والكسور، وكذلك يتسبب بأضرارا داخلية مثل النزيف.

 

وفي كثير من الحالات يكون ذلك عبر أدخال الضحية لغرفة خاصة، ومن ثم يدخل فيها عدد من عناصر المباحث “المقنعين” الذين تكون مهمتهم انزال الضرب المبرح على الضحية بشكل جماعي.

 

ويعمد جهاز المباحث أحيانا لتأخير زيارة الأسرة، حتى يتشافى جسد الضحية من كدمات وآثار الضرب.

 

الضرب بمختلف الأدوات: يتم استخدام أدوات مختلفة لإلحاق الألم الشديد. يمكن أن تكون أداة حادة، وقد تكون أداة من مواد مختلفة مثل الخشب أو المعدن.

 

التقييد: يتم استخدامه لساعات أو أيام ويؤدي إلى صعوبة في أداء إحتياجات الضحية، كالأكل أو الحمام أو الصلاة، ينتج عنه ألم في الأطراف وآثار مؤقتة، وقد يتم في بعض الأحيان الضغط بالكلبشات على معصم أو ساق الضحية لإحداث ألم أثناء فترة التقييد.

 

المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة

إلى جانب التعذيب الجسدي، تمارس السعودية أنواع مختلفة من أنواع المعاملة السيئة أو المهينة، وثقت المنظمة عددا منها:

 

الحبس الانفرادي: يخلق هذا النوع أزمات نفسية للمعتقل، وقد يطول في بعض الأحيان لأكثر من سنة، ويتم إستخدامه حتى مع الأطفال لمدد طويلة، وغالبا يوضع المعتقلين فيه بداية إعتقالهم في سجون المباحث، ويحرمون أثناءه من التواصل. أيضا قد يتم إستخدامه في أي أوقات أخرى، مثل إعادة التحقيقات أو كعقوبات. من الأشكال الجديدة في ممارسة الحبس الإنفرادي هو تخصيص زنزانتين للمعتقل، يكون وقت النوم في واحدة، ويكون في الأخرى طيلة النهار واقفا أو في أوضاع أخرى مجهدة ومؤلمة.

 

الحرمان من التواصل مع العالم الخارجي: يتم منع المعتقل من التواصل مع العالم الخارجي لمدد متفاوتة، ولايعطى فرصة الإتصال أو الزيارة لأسرته، كذلك لا يسمح له بالتواصل مع محامي.

 

الحرمان من الطعام والماء: يتم إستخدامه بهدف الضغط على الضحايا أو معاقبتهم أو التشفي منهم.

 

الحرمان من إستخدام الحمام: يبقي الضحية في حالة نفسية سيئة، وتضطره لتلبية رغبات المحققين للتخلص من هذا الحرمان.

 

الحرمان من النوم: يحدث هذا عادة على مدى أيام، ويتم استخدام عدة طرق لضمان الحرمان من النوم، مثل استخدام الأضواء الساطعة، أو الأصوات العالية، أو التهديد أو الضرب إذا غفي.

 

الحرمان من الرعاية الطبية: يستخدم ذلك بشكل واسع وبدرجات مختلفة، أحيانا للمعاقبة أو من أجل إنتزاع إعترافات الضحايا، وإبقائهم في حالة ألم وزيادة حالتهم الطبية سوءًا. كما إنه في كثير من الأحيان لاتقدم الرعاية الطبية بشكل مريح للمرضى السجناء، وذلك بسبب تباطؤ الخدمات وعدم الإهتمام الكافي بهم.

 

وتتناقض مزاعم الحكومة السعودية التي تطلقها في المحافل الدولية، مع مايؤكده الضحايا من التعذيب الواسع الذي يمارس في مراكز التوقيف والسجون وخصوصا سجون المباحث. كما تتناقض مزاعم الحكومة مع العديد من المرافعات القضائية التي أشار فيها المحامون والضحايا لممارسة التعذيب والإكراه في التحقيقات، والإجبار على أقوال محددة، وهذا ما أشارت له أيضا رسائل بعثها مقررين خاصين إلى الحكومة السعودية.

 

في اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب، تؤكد المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان حاجة الضحايا في السعودية إلى المساندة بما يضمن معاقبة المسؤولين عنه، وضمان عدم محاكمتهم  بناء على إعترافات أنتزعت تحت التعذيب.

 

كما تؤكد المنظمة المسؤولية المباشرة للملك سلمان عن التعذيب الممنهج في البلاد، بصفته مسؤولاً مباشراً عن جهاز رئاسة أمن الدولة الذي يمارس التعذيب عبر جهاز المباحث.