عندما يتحوّل الإعلام التونسي إلى حطب محرقة في الصراع السياسي

منذ خطاب رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد على شاشة التلفزيون الرسمي في 29 مايو المنقضي، أصبحت الحرب بين جناحي حزب حركة نداء تونس معلنة وصريحة  بعد أن دق طبولها رئيس السلطة التنفيذية متحديا حافظ قائد السبسي “رفيقه” في الحزب ومديره التنفيذي وابن رئيس الجمهورية بدرجة أهمّ.

يبدو أن الشاب الذي جيء به ذات صيف لتمثيل الحزب الفائز في الانتخابات التشريعية بعد طرد سلفه لم يتمكن من كبح طموحه السياسي خاصة بعد الشعبية النسبية التي اكتسبها إثر شنه حملات إيقاف لبعض الفاسدين والتي أكسبته ثقة ودعما داخليا وخارجيا.

هذا الطموح، لم يزعج فقط حركة النهضة، الخصم الصديق لنداء تونس، والتي دعته على لسان رئيسها راشد الغنوشي إلى عدم الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة (2019)، بدعوى “التركيز على الملفات الآنية الحارقة”، فحتّى حزبه أبدى مواقف معارضة لسياسة يوسف الشاهد، سرعان ما تحوّلت في الشهر المنقضي إلى دعوة معلنة للإطاحة به.

ورغم الفشل الكبير للحكومة في حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية خاصة، إلّا أن مطلب تغييرها ليس من أولويات التونسيين الذين أدركوا أن تغيير الحكومات المتتالية في السنوات السبع الأخيرة ليس إلا خلطا جديدا لأوراق القائمين على السلطة والمتمحكين على عتباتها، فطلب إقالة الشاهد جاء عقابا “أبويا” من قبل من ولّاه وزكّاه المدير التنفيذي لحزب نداء تونس، الذي كان يترأس فيه لجنة لحل النزاعات بعد تحول مؤتمره في سوسة سنة 2015 إلى حلبة مصارعة بين شقين متناحرين على نصيب من السلطة.

بعد الخطاب الذي شن فيه يوسف على “إخوانه” هجوما غير مسبوق وبدا فيه غير عابئ بتهديدات إقالته، تحول المشهد السياسي والإعلامي إلى معسكرين “شق حافظ” وشق “الشاهد”، وصارت المنابر رحابا لتبادل التهم واقتسم كلّ من المعسكرين مجموعة من وسائل الإعلام واتخذه بوقا لنفسه، حتى أن الهيئة العليا المستقلة المكلفة بتنظيم القطاع هي الأخرى اختارت الاصطفاف لطرف دون آخر.

فقناة نسمة لصاحبها رجل الأعمال نبيل القروي الذي تتعلق به تهم تهرّب ضريبي، قرّر التقرب من السلطة عائليا فاختار حلف “ابن الرئيس” مغتنما فاجعة غرق مركب مهاجرين غير نظاميين وهلاك أكثر من 80 شابّا لنصب محاكمة للحكومة ورئيسها على شاشة مزرعته الخاصة “نسمة”، انتقاما منه بعد أن تجرّا القضاء التونسي على التحقيق معه في ملفات فساد كبرى.

بعد يومين من التهييج الإعلامي الذي تبثّه “قناة العائلة” مثلما يحلو للتونسيين تسميتها بذلك، أصدرت الهيئة العليا للاتصال السمعي والبصري في تونس “الهايكا”، بيانا شديد اللهجة موشحا بعبارات الأخلاق والمهنية والحياد لانتقاد تعاطي القناة مع كارثة “قرقنة” متناسية الحملات التي يقودها المستشار الإعلامي لرئيس الحكومة مفدي المسدّي ضدّ خصومه حتى بعد استقالته الصورية.

في الجهة المقابلة، استعان معسكر الشاهد بدوره، على غضب العائلة الحاكمة بوسائل إعلام مستحوذة على الإشهار العمومي، على غرار دار “آخر خبر” أو المهدّدة بالتفويت فيها مثل إذاعة “شمس أف أم” المصادرة، وذلك بإشراف شخصي من المستشار المستقيل ظاهريا مفدي المسدي الذي أصبح ينسّق الحوارات الصحفية ويختار مواقيت نشر الأخبار ومحتواها أكثر من ذي قبل خوفا من تنحّي الابن المغضوب عليه.

لقد زادت الأزمة الأخيرة من تعفّن المشهد الإعلامي في تونس، خاصة بعد تناحر الصحفيين فيما بينهم وتبادل التهم لاصطفافهم وراء هذا أو ذاك دون التفطن إلى أن هذا الصراع لن يخدمهم بقدر ماسيكرّس المكانة التي اختاروها لأنفسهم منذ 2011، فإمّا بيادق للسلطة عند الحاجة وإما حطب محرقة للذين يرفضون فطامها.

لينا الوسلاتي

قد يعجبك ايضا

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.