في العادة تُستخدَم الرسوم أو الصور التوضيحية في حالات محددة ، كأن تكون مادة تعليمية وقصصية في رياض الأطفال ، أو إرشادية كما في الرسوم المرورية ، أو مادة إختبارية في عيادات ومستشفيات المجانين والمعوقين العقليين ، أو ما إلى ذلك ، أما أن تكون دليلاً ترويجياً أو دعائياً لصفقات إقتصادية بين الدول كما رأيناها في اللقاء الذي جمع الرئيس الأمريكي بولي العهد السعودي فتلك ربما تكون الظاهرة الأولى من نوعها في التاريخ السياسي العالمي.

 

كان المشهد الذي ظهر فيه دونالد ترامب وهو يتنقل جذلاً من صورة توضيحية إلى أخرى على اللوح الذي أسنده على ركبته مائلا نحو محمد بن سلمان أقرب إلى الكاريكاتوري منه إلى أي تشبيه آخر ، إذ يكاد يكون من المستحيل على المشاهد السّـوي أن لا يسـخر من تفاصيل وأبطال هذا المشهد ، ويكفي المشاهد لكي يعطي لنفسه الحق بالتحرر من قيود النظرة الجدية أن يتملى من منظر دونالد ترامب ومحمد بن سلمان عندما راح الأول يخاطب الثاني ليضعه في صورة أحد هذه الرسوم التوضيحية قائلاً : (هذه بالنسبة لكم كالفستق) ! ، ويقصد ترامب بذلك أن القيمة المالية للصفقة التي يمثلها الرسم التوضيحي المعني والبالغة (525) مليون دولار لا تعدو أن تكون نزراً من يسير المال السعودي الوفير!.

 

هكذا ، وبلا أدنى تحفظ ، عكَسَ الرئيس ترامب من موقعه الفكري (ما بعد الإستشراقي) وسأسميه (الهوليودي) ما يختزنه في لاوعيه من صورة نمطية للإنسان الخليجي (البترودولاري) لتظهر كما رأيناها على الشاشات في كلماته اللمازة وإسقاطاته الهمازة وتلميحاته الهزلية فيما هو يخاطب الأمير النفطي محمد بن سلمان ، وللحق والحقيقة فهو إلى حد كبير صادق ومنسجم مع ذاته في رؤيته تلك لا فحسب بسبب من إنتماءه للثقافة الهوليودية التي حبَستْ ظلماً وتعسفاً وتحقيراً الإنسان الشرقي وفي المقدمة منه العربي وفي المقدمة منه الخليجي في زنزانة الصورة النمطية شبه الكاريكاتورية ، ولكن لأن الإنسان الخليجي متمثلا هذه المرة بالأمير البترودولاري محمد بن سلمان يتحمل القسط الأوفر من تصدير هذه الصورة إلى العالم ، فعندما يعلم هذا العالم أن الأمير السعودي الشاب بن سلمان يسهل عليه إقتناء يخت يبلغ سعره نصف مليار دولار أو قصر فرنسي تاريخي يزيد سعره على الثلاثمائة مليون دولار أو لوحة فنية يزيد ثمنها على الأربعمائة مليون دولار فبالضرورة ستكون النظرة العامة إليه تحتمل الكثير من التأويل عوضاً عن التقوّل والتشهير ، وهذا بالضبط وغيره من حقائق خليجية بترودولارية ما لا يمكن إلا أن يساهم في تشكيل وتأصيل تلك الصورة النمطية التي عكسها الرئيس ترامب من خلال (المشهد الفستقي) لتبدو كما رأيناها مُضحكة ولكنها بدرجة أكبر مؤلمة ، سوى أنها على العموم لم ينكرها حتى الأمير محمد بن سلمان ذاته حين أجاب مؤخراً على سؤال حول غناه الفاحش ، قائلاً : أنا لستُ أو مانديلا ! . وهو بالفعل كذلك ، لا هو مانديلا الأنموذج التاريخي للمناضل الوطني ، ولا هو الأيقونة الإنسانية الخالدة ، إنما هو في الواقع لا يتعدى الإطار الذي وضعه فيه بطل تلفزيون الواقع ، الممثل دونالد ترامب حين خاطبه من علياءه الهوليودي باللهجة الفستقية!.