“وطن-وعد الأحمد”-  خسر الكثير من في بلاد الشتات الكثير من ممتلكاتهم جراء ولكن ثمة خسارات لا تعوض لأنها ارتبطت بوجدانهم وذكرياتهم التي لازالت تتقد كالجمر تحت الرماد، كالمكتبات الشخصية التي تبدو للوهلة الأولى خارج حسابات المعفّشين–حسب التعبير السوري الذي شاع في سنوات .

 

وروى الباحث الآثاري المهندس ماهر حميد لـ”وطن” أن صورة وصلت لأبنائه لركام منزله في مدينة الرقة فأخفوها عنه لاعتقادهم أنه سيحزن لرؤية أطلال مكتبته وهذا ما حصل بالفعل–كما يقول – إذ شعر بحزن شديد عندما رأى جهد عمره وقد تحول إلى تراب ومن بين كل محتويات البيت ومئات الكتب أول ما خطر بباله فقط  ثلاثة كتب دفنت او احترقت بهذا الركام، وأولها –كما يروي- من أول الكتب التي تمت طباعتها في أول مطبعة دخلت الوطن العربي، ولم يكن قد قرأه  لكنه كان يعتبر نفسه محظوظاً بإمتلاك نسخه منه.

ومضى الباحث الرقاوي الذي يعيش في المملكة العربية اليوم سارداً قصص بعض الكتب النادرة التي كانت بحوزته، ومنها مخطوطة منمقه ومكتوبة بعناية و حواشِ ولم يكن يعرف محتوياتها كونها مكتوبة باللغة التركية ومؤرخة بتاريخ كتابتها عام ١٦٣١م، تاركاً مهمة البحث بها   وبمحتوياتها ليوم ما، أما الكتاب الثالث الذي أسف حميد لفقدانه في معمعة الحرب فكان–كما يقول- كتاب للفنان الامريكي الشهير نورمان روكوويل ، مشيراً إلى أن هذا الكتاب لم يكن يحمل ميزة عن غيره من الكتب لكن الطريقة التي اشترى بها هذا الكتاب عام ١٩٨٣ هي ما جعلته مميزاً لديه.

وتحدث حميد عن قصة اقتنائه للكتاب المذكور ففي معرض للكتب بالمكتبة المركزية بجامعة حلب شاركت دار نشر أمريكية في المعرض وكان كتاب روكوويل من ضمن ما عرضت  ولفت الكتاب نظر محدثنا بداية بقياساته غير المألوفة، إذ كان مطبوعاً على أوراق ضخمة تعادل ضعف حجم أي كتاب شاهده من قبل.

 

وأردف حميد: “عندما قلبت صفحات الكتاب أدهشتني اللوحات، ولكن صدمني سعره الذي بلغ ثلاثمائة  وخمسين ليرة و كان هذا الرقم-كما يقول- كبيراً جداً ليس على طالب فحسب بل على موظف في ذلك الزمن، وبدأ زائر المعرض القادم من الرقة يفتش في كل جيوبه ولكن ما كان معه لم يكن ليتجاوز ثلث المبلغ المطلوب وطلب حينها من البائع أن يحتفظ بالكتاب إلى الغد كونه، هو النسخة الوحيدة المتوفرة فاعتذر عن تلبية طلبه.

ويروي حميد أنه جال ببصره آنذاك في أرجاء صالة المعرض باحثاً عمن يمكن الإستدانة منه ولكن لم يوفق وحينها –كما يقول- مرت بجانبه فتاة متكلفة بملابسها وتبدو ثريه ،  وكان واضحاً أنها لم تأتي للتفرج على الكتب بل لكي يتفرج عليها الناس، فتبعها  وخلع من يده خاتماً كانت قد أهدته إياه والدته يوم نجاحه في البكالوريا، ويستطرد محدثنا أنه اقترب من الفتاة عارضاً عليها بيع الخاتم ليشتري كتاباً:”وزنه عشر غرامات كل غرام بسبعين يعني سبعميه، عطيني ثلاثمية وخمسين وخذيه” ولكن الفتاة ترددت في قبول الطلب ودفع المبلغ خشية أن يكون الخاتم مغشوشاً، وبذات الوقت أرادت أن تتأكد من أنه ليس لصاً وأنه يريد أن يشتري كتاباً فعلاً، وقبلت بالفكرة  على أن تذهب وتدفع بنفسها سعر الكتاب للبائع.

 

وهكذا “فاز باللذات الجسور” وحمل الكتاب كالأطفال وطار فرحاً به وكان يقلب صفحاته في الطريق رغم ثقله ولم يذهب –كما يقول- إلى غرفته في السكن الجامعي بل إلى غرف أصدقائه عارضاً عليهم كنزه الفريد وعندما أخبرهم بسعره وصفوه بالمجنون والمهووس، وقال له أحد أصدقائه مستنكراً “ثلاثمية وخمسين ليرة أعيش بيها ثلاث شهور، شو مفكر حالك ابن اوناسيس حتى تشترى كتاب بهذا السعر يا مهبول! فأجابه بكل ثقة “أنا لست ابن أوناسيس ، بل اليوم أنا أوناسيس” .