في إطار سلسلتها المكونة من ثلاثة أجزاء، كشفت هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» عن الجزء الثاني من سلسلتها الوثائقية عن والذي فضح تورط العديد من الشخصيات وعلى رأسهم الأمراء في قضايا في عدد من دول العالم.

 

وفجرت الحلقة الثانية من الوثائقي الذي لم تتمكن “وطن” من نشره بسبب حقوق النشر الحصرية للهيئة البريطانية، العديد من المفاجآت في عدد الأسماء ومستوياتها، وأماكن البلدان التي مستها صفقات الفساد وأرقام مبالغ العمولات، فقد شملت الملك السابق «» وابنه الأمير «»، والأمير «» و«» و«».

 

ومست صفقات الفساد بلدانا مثل ماليزيا وبريطانيا وهولندا وأمريكا إلى جانب السعودية، وفقا للتقرير الذي نقلته صحيفة «الشرق» القطرية.

 

وتضمنت الحلقة دور الأمير «تركي بن عبدالله» نجل العاهل السعودى الراحل في فضيحة خاصة بشركة «1MDB» التي كان قد أسسها رئيس الوزراء الماليزي «نجيب عبدالرازق».

 

وفي الحلقة الوثائقية، كشف «توني بوي»، أحد قادة المعارضة، عن تحقيقات قام بها خلال 8 سنوات حول فقد أموال هذه الشركة التي كانت تعتبر استثمارا للفقراء لمساعدتهم.

 

التحقيقات المطولة كشفت أن شركة تدعى «بترو سعودي» أسست بالتعاون مع الأمير «تركي»، هي من أولى الشركات التي حولت إليها أموال شركة «1MDB» من خلال صفقة سرية عقدتها مع «بترو سعودي» في البحر المتوسط.

 

وكما يقول البرنامج الوثائقي، فقد كانت الصفقة عبارة عن استثمار مليار دولار في شركة الأمير «تركي»، لكن في غضون أيام كانت 700 مليون دولار من هذه الأموال قد اختفت.

 

ونفت «بترو سعودي» أن تكون قد قامت بأي شيء خطأ؛ غير أن الشركة لم تتوقف بعد ذلك واستمرت في إهدار الأموال في مغامرات تجارية بالشراكة مع الأمير «تركي».

 

تركي بن عبدالله

 

وتقول المحققة البريطانية «كيلر براون»: من الواضح أن «عبد الرزاق» كان حلقة الوصل مع الأمير «تركي بن عبدالله» لإضاعة هذه الأموال، وحصل هو على عمولته، وبعدها وصلت القضية إلى أمريكا وبدأت الـ«إف.بي.آي» في تحقيقاتها، حيث رفع الأمريكيون دعاوى قضائية لاستعادة مليار دولار للشركة الماليزية التى اتهمت بغسل أموال وصادروا بعض أموال الشركة الماليزية، ولكن لم توجه للجانب السعودي أي تهم».

 

وكما تقول المحققة فإن «الأموال التي اختفت كانت قد ذهبت إلى حساب الأمير تركي في صورة عمولة».

 

ويقول البرنامج إن النظام السعودى يستحوذ على خمس احتياطي النفط على مستوى العالم، وربما كان ذلك كافيا ليوفر لهم مزيدا من الأموال، ولكن بالنسبة للعديد من الأمراء فإن ذلك غير كاف.

 

وذكر السفير الأمريكي السابق لدى السعودية السير «ويليام باتي» أن النظام استولى على الملايين من الأموال، وأن معظم الأموال تأتيهم من العمولات من خلال عقود الصفقات والتربح من الأموال العامة للدولة.

 

ويشير البرنامج إلى أن البلد الوحيد الذي كان يمثل أكبر مصدر للرشاوى للنظام السعودي هو بريطانيا، ففي ستينيات القرن الماضي كانت ثروات السعوديين تزداد بشكل كبير، ووجد قطاع الخدمة المدنية البريطاني أنه يمكنه أن يحصل على المليارات بتوقيع عقود مع ، مشيرا إلى كتاب صدر مؤخرا اسمه «الخداع في الأماكن العليا» ذكر مؤلفه أن الإجراء المعتاد لإتمام الصفقات قبل 50 عاما كان عبر دفع العمولات لأمراء وشخصيات في السعودية لتأمين صفقات السلاح.

 

الملك عبدالله

 

وذكر البرنامج نقلا عن الوثائق البريطانية أن شخصيات سعودية ومنها الملك السابق «عبدالله» كان يحصل على هذا العمولات، وأنه عندما كان قائدا للحرس الوطني السعودي وكان راغبا في تحديث الجيش بالتعاون مع بريطانيا؛ ولكنه لم يحب أن يناقش العمولات وجها لوجه.

 

ووفق البرنامج كانت بيروت أول مكان لإتمام أول صفقة، حيث تواصل شخص مع السفارة البريطانية في بيروت هو «محمود فستق» وكان زوج أخت الأمير «عبدالله» في ذلك الوقت وجعل منه الوسيط المثالي للرشاوي ووافقت بريطانيا على دفع ما قيمته 7.5% من العقد أي ما يساوي 170 مليون إسترليني لكن الصفقة فشلت.

 

وبعد ذلك بسنوات وقعت صفقة أكبر منها لتوفير أجهزة الاتصال إلى الحرس الوطني السعودي ووفر ذلك لـ«عبدالله» عمولات قدرت بنصف مليار إسترليني، والحكومات البريطانية المتعاقبة أبقت الأمر سرا وغير مسموح الإعلان عنه ولمدة 40 عاما وحتى 2005.

 

وذكر البرنامج أن السعودية في السابق لم تكن بهذا الفساد حيث كان يتبرع الملك «عبدالعزيز» بالمال إلى الفقراء، وتحدث عن الملك «فيصل» بأنه كان زاهدا وحالت أمانته بينه وبين الفساد وتكدست أموال النفط فى الخزانة السعودية لتصل إلى ما يوازي الموجود في كل من أمريكا واليابان وألمانيا مجتمعة في عهده.

 

ومع تولي العديد من الأمراء بدأت العمولات ترتفع لتسجل ما بين 8% إلى 10%، وكما تقول إحدى الوثائق البريطانية فإن الأمير سلطان بن عبدالعزيز كان طامحا للحصول على الرشاوى.

 

تركي بن ناصر

 

وكشف البرنامج عن صفقة «اليمامة» التي وقعتها بريطانيا مع السعودية عام 1985، حيث تورطت فيها شخصيات سعودية بارزة بحصولهم على عمولات ضخمة، ومن بينهم «تركي بن ناصر» الذي كان يعمل ضابطا في سلاح الجو السعودي وكان يعيش حياة البذخ في لندن فى ثمانينيات القرن الماضي متنقلا عبر العديد من مدن العالم، وكانت فواتير تلك الأمور تصل إلى 2 مليون إسترليني شهريا، وفي إحدى المرات استأجر طائرة 747 الكبيرة لنقل المشتريات التي يحملها.

 

وتوصل البرنامج إلى أنه كان يحصل على تلك الأموال من عمولات توسطه في ، وكانت هذه العمولات تدفعها شركة «BAE» البريطانية لصناعة السلاح نيابة عن الحكومة البريطانية.

 

وفي عام 2002، عندما صدر قانون جديد للرشاوى في بريطانيا كشف «بيترجارنر» الذي كان ينظم رحلات الأمير تركي عما كان يعلمه عن طبيعة الرشاوى والعمولات التي كان يحصل عليها «تركي بن ناصر» خلال صفقة «اليمامة»، متحدثا بذلك كله إلى صحيفة «الغارديان» وبدأ التحقيق للتوصل إلى طبيعة هذه الممارسات السيئة التي كانت تحدث.

 

ودلل البرنامج على حجم الفساد الهائل في هذه الصفقة، وذكر البرنامج نقلا عن المحقق البريطاني «أندرو فينستن» أن بريطانيا من أجل أن تحصل على الصفقة دفعت عمولات تصل إلى 6 مليارات جنيه إسترليني للسعوديين وأن معظم هذه الأموال ذهبت إلى أعضاء بارزين في الأسرة الحاكمة.

 

بندر بن سلطان

 

وذكر البرنامج أن فساد صفقة اليمامة طال أيضا الأمير «بندر بن سلطان»، حيث كانت السعودية تدفع إلى بريطانيا براميل بترول بدلا من الأموال السائلة قيمة الصفقة ونظرا لارتفاع سعر البترول آنذاك كانت الأموال التي تزيد على قيمة الصفقة توضع في حساب في بنك «إنجلترا» والباقي يعود إلى وزارة المالة السعودية.

 

ولكنها -والقول للسفير البريطاني الأسبق في السعودية «ويليام باتي»- كانت تذهب في حسابات الأمراء أيضا في حسابات داخل الولايات المتحدة يسيطر عليها الأمير «بندر» على مدى 20 عاما، وذكر البرنامج أن الأمير «بندر» حصل على طائرة خاصة من طراز إيرباص كرشوة من البريطانيين.

 

وحتى عام 2007 كان دافع الضرائب في بريطانيا يدفع قيمة صيانة هذه الطائرة التي غطت بألوان علم دالاس الأمريكي وهو الفريق المفضل للأمير «بندر بن سلطان»، وقد تعرض مكتب الاحتيال في بريطانيا لضغوط كبيرة لوقف التحقيق في الصفقة من جهات عليا في الحكومة البريطانية، وفي نهاية الأمر تدخل رئيس الوزراء البريطاني «» لإغلاق ملف الصفقة.

 

الوليد بن طلال

 

وذكر البرنامج أنه حتى «الوليد بن طلال» لم يبرأ من الفساد وتحدث عن شركته للإنشاءات في هولندا «Ballast Nedam» التي نفذت العديد من المشاريع في السعودية ومنها مشروع إعادة تجديد المطارات العسكرية السعودية وأن 57% من قيمة الصفقة قد سجلت على شكل عمولات وصلت الى «الوليد».

 

وتساءل البرنامج عن التحول المفاجئ لاستراتيجية مكافحة الفساد التي يقودها ولي العهد الآن.

 

وأورد البرنامج مشاهد القبض على العديد من الأمراء والمسؤولين والذين وردت أسماؤهم ليقوم باحتجازهم بدعوى محاولة دحر الفساد.