رأى وزير الخارجية الألماني الأسبق يوشكا فيشر، أن هناك تحالفا سعوديا إسرائيليا لمواجهة النفوذ الإيراني في منطقة .

 

ويكشف فيشر في مقال نشره موقع “يورو نيوز”، أن العالم يعيش في زمن انتقال جيوسياسي يستحق المزيد من الاهتمام والمتابعة، حيث إن الصين تبذل جهوداً لتحل مكان الولايات المتحدة كقوة رائدة في العالم، أو على الأقل حتى تصبح شريكة في قيادته، وأن هذه الدينامية في المتغيّرات تختبرها منطقة الشرق الأوسط، ومن المرجح أن تفرز ضعفاً في نفوذ الولايات المتحدة.

 

يعود فيشر إلى حقبة اتفاق سايكس ـ بيكو الذي قسّم المنطقة بين فرنسا وبريطانيا، ورسم حدود دولها، ويعرج على حقبة تأسيس الكيان الإسرائيلي وما استتبعه من صراع مع الدول العربية.

 

صراع هيمن إلى حد كبير جداً على الجغرافيا السياسية في المنطقة، فازت خلاله بأول حرب ضد العرب في العام 1948 وكذلك في جميع الحروب التي تلتها، ولكن برغم ذلك يقول فيشر إن الإسرائيليين والفلسطينيين لم يتمكنوا يوماً من التوصل إلى تسوية مقبولة تؤدي إلى إرساء السلام بينهما وبالتالي في الشرق الأوسط، وهو أمر ما زال الشغل الشاغل لكل المنظومة الدولية.

 

يرى فيشر أنه في أكثر مرحلة تقارب خلالها الفلسطينيون والإسرائيليون من تحقيق السلام، كانت خلال الفترة الممتدة بين توقيع اتفاق أوسلو الأول في 13 سبتمبر/أيلول 1993 واغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحق رابين في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني 1995. وأنه مذّاك كان وضع القدس في الاتفاقيتين بلا حل، متروك لخواتيم عملية السلام نظراً لحساسيته وتعقيده.

 

ثم يتطرّق وزير الخارجية الألماني الأسبق، إلى غزو الولايات المتحدة الأميركية لدولة عام 2003، فيشير إلى أن الصراع العربي ـ الإسرائيلي في تلك الحقبة فقد أهميته، وأمسى في آخر سلّم أولويات المنطقة. بعدها يتحدث عن انطلاق شرارة الربيع العربي أواخر عام 2010، ثمّ الثورة السورية، وظهور تنظيم “داعش” الإرهابي الذي هيمن بشكل كبير على مسار الأحداث الإقليمية في المنطقة برمتها.

 

أما الآن، وبعد أن حرم التحالف الدولي التنظيم المتطرف من إقامة دولته الإسلامية المفترضة في سورية والعراق، يقول فيشر إن الصراع بين والمملكة العربية من أجل الهيمنة الإقليمية، عاد ليطفو على سطح الاهتمامات بين دول المنطقة. فالمواجهة بين الطريفين، إلى الآن، ما زالت تأخذ شكل الحروب بالوكالة، أكان في سورية أو اليمن، بل حتى من خلال دعم الفصائل المتنافسة في لبنان، أو ضمن النزاع الدبلوماسي مع .

 

ويكمل فيشر أنه وسط هذه المتغيّرات كلها، بقي الصراع العربي ـ الإسرائيلي يحتل درجة اهتمام ثانوية، إلى الشهر الماضي، حينما قرر الرئيس الأميركي الاعتراف بالقدس كاملة عاصمة لإسرائيل.

 

فيؤكد أنه تاريخياً كان مقر الحكومة الإسرائيلية والكنيست (البرلمان) في القدس الغربية، وكانت البعثات الدولية والشخصيات الدبلوماسية تقوم بزيارات رسمية إلى هناك باعتبارها منطقة خاطعة للنفوذ الإسرائيلي. بعد حرب الأيام الستة في العام 1967 ضمت إسرائيل القدس الشرقية، ومنذ ذلك الوقت لم يُعترف بها دوليا على الإطلاق، ولهذا احتفظت دول كثيرة، ضمنها الولايات المتحدة، بسفاراتها في تل أبيب، لعلمها المسبق بأن وضع القدس وتركيبتها السياسية والدينية معقدة ومحفوفة بالمخاطر.

 

علاوة على ذلك، يقول فيشر إن هذه الدول تعرف أيضاً ثمن الانحياز إلى إسرائيل، وتأثيراته على احتمالات التوصل لحل نهائي للدولتين، وبالتالي على عملية السلام، طالما أن حلّ الدولتين كان على الدوام الحل الوحيد المطروح على مائدة المفاوضات، خصوصاً بعد اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل أخيراً في العام 1993، برغم كل التجاوزات الإسرائيلية في مجال التوسع بالاستيطان في الضفة الغربية.

 

ويستنتج فيشر أنه الآن بعد القرار الأميركي، يمكن اعتبار حل الدولتين قد انتهى إلى الأبد، لكنه يسأل في الوقت نفسه عن بديل، ويسأل: هل هو تحوّل إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية؟ وهذا أمر سيفتح الباب أمام أزمة هوية الكيان بين الديمقراطية أو اليهودية؟ أم أن الحل يتطلب مزيداً من الوقت إلى حين تخلّي الفلسطينيين عن النضال من أجل إقامة دولتهم الخاصة في إطار حل الدولتين وأن يطالبوا بحقوق مدنية متساوية؟

 

يردف فيشر، فيقول: هناك خيار ثالث، على الأقل نظرياً، يكمن في إقامة دولة فلسطينية في قطاع غزة تمتد إلى شمال سيناء، وتكون تحت سيطرة مصر الفعلية، في حين تقسّم الضفة الغربية بين إسرائيل والأردن. لكن حتماً الفلسطينيون لن يقبلوا أبداً بهذه النتيجة.

 

وسط هذا الصخب كله، يسأل فيشر: لماذا أقدم ترامب على قراره حيال القدس في هذا التوقيت؟ هل كان ذلك تصرفاً من بنات أفكاره؟ أم أن الأمر يتعلق بالسياسة الداخلية الأميركية؟

 

هل وضع في الاعتبار حلاً إقليمياً جديداً يتجاوز كل هذه المعايير التقليدية للصراع العربي ـ الإسرائيلي؟

 

أخيراً، يستنتج فيشر أن ترامب ما كان ليتخذ قرارا كهذا لولا استجابة دول كبرى في ما يسمى دول “الاعتدال العربي”، مثل السعودية ومصر والأردن.

 

فبالنسبة للسعوديين بنظره، التصدي للجمهورية الإسلامية في منزلة الأولوية الكبرى، خصوصاً أنها ضعيفة وعاجزة عن كسب الصراع لصالحها بشكل منفرد، ولا سيما في لبنان أو في سورية. وبالتالي مضطرة، بحسب ادعائه، لتعزيز علاقاتها مع منافسي إيران الأقوياء في المنطقة: إسرائيل.

 

ويرجح أخيراً أن يصبح التحالف الناشئ بين السعودية  وإسرائيل إحدى القوى الدافعة للشرق الأوسط الجديد… ويترك للوقت فرصة كشف الأثمان!