حاوره- عبدالحليم جريري (وطن – خاص)- السيّد الصحبي العمري هو مناضل شرس زمن الدكتاتورية الذي مرّ به تاريخ ، وهو الطبيب الذي تعرّض إلى شتى أنواع التعذيب والترويع والتجويع لمواقفه المحتدمة التي تضاربت مع النهج الذي سار عليه النظامين البورقيبي والنوفمبري في ما يتعلق بالحقوق والحرّيات، ما دفع به إلى خسران ساقيه وبترهما جرّاء التعذيب.

 

ولم تكن الثورة خير موئل للسيد العمري بعد ما كان له من الظلم قبلها، إذ أنه يواصل اليوم طريقه في معارضة القائمين على الحكم بنفس الشراسة التي توسّلها قبل 14 جانفي، ما كلّفه أحيانا إيقافات وقتية وأحكام سجنية وغرامات وخطيات جرّاء رأي أو تدوينة فيها تجريح أو ثلب لهذه الشخصية السياسية أو تلك.. تجريح يجد فيه متنفسا عن غيض تحمله قريحته على الوضع الذي آلت له الأوضاع في البلاد رغم أن تاريخها توّج بثورة العدالة والحرية كما يراها..

 

في ما يلي حوار مطوّل ننشره على أربعة أجزاء، توجد فيه شهادة للتاريخ خصّ بها الدكتور اللصحبي العمري صحيفة “وطن يغرّد خارج السرب”، حول عديد المراحل والدقائق التاريخية التي مرّ بها أثناء مسيرته الزاخرة والمستفيضة مغامرات ونكسات وانتصارات وخيبات، منذ طفولته إلى يوم الناس هذا، كما توجد فيه إجابة عن أسئلة محرجة ومزعجة، عميقة وجريئة قبل الإجابة عنها بكل رحابة صدر:

 

-لو تقدّم لنا نفسك بصفة شاملة وأنت الرجل الغامض الذي لا يريد الإعلام التونسي إظهاره كثيرا لمواقفه الشرسة -ربّما- ضدّ الحاكمين اليوم في تونس.

–نشأت في محيط محافظ يفرض الإحترام والإنضباط والسّلوك المميّز بين صرامة المرحوم والدي “عبد الوهاب العمري” وصلابة مدير المدرسة الإبتدائيّة بباب منارة المرحوم “أحمد باباي” الذي كانت تربطه علاقة قرابة دمويّة بوالدتي المرحومة “سعاد بنت محي الدّين الشّابي”.

 

بعد إجتياز مناظرة ختم الدروس الإبتدائية في المعهد العلوي في “مونفلوري” سنة 1969 إنتقلت للدّراسة الثّانويّة بمعهد “إبن شرف” بالعاصمة مدّة ثلاث سنوات ثمّ إلتحقت بمعهد “خزندار” بباردو سنة 1972 إثر توجيهي إلى شعبة العلوم رياضيات تحت أنظار مدير المعهد المرحوم “حسن محجوب” أصيل مدينة “مساكن” زوج خالتي من الرّضاعة “فاطمة بنت عمر باباي” أستاذة فرنسيّة بنفس المعهد والتي هي في الأصل إبنة عمّة المرحومة والدتي “سعاد بنت محي الدين الشّابي”.

 

ولتفادي زحام النقل في الحافلات والتأخّر عن الوصول في الموعد يوميّا إلى مقاعد الدّراسة من “باب منارة” إلى “باردو” رسّمني والدي مقيما في مبيت معهد “خزندار” رغم أنّ العائلة تقيم في العاصمة وهو ما كان لا يجوز قانونيّا.

 

إنتكست صحّتي النّفسيّة من هذا الخيار الإقصائيّ العائليّ الحادّ ولكن مردودي الدّراسيّ كان متميّزا، إذ إن لم أكن الأوّل في التّرتيب الدّراسي فإني كنت من ضمن الثّلاث تلاميذ الأوائل بالقسم الدّراسيّ وهو موقف شجّعني عليه المرحوم والدي بتمكيني من السّفر  للسّياحة إلى أوروبا في جميع العطل السّنوية بإنتظام.

 

كان مدير المعهد زوج خالتي المرحوم “حسن محجوب” يرسّمني في بداية كلّ سنة دراسيّة في أقسام تضّم أبناء عديد المسؤولين السّامين والنافذين في نظام الرّئيس السّابق حيث كانت لي صداقات كبيرة ومميّزة مع عديد أبناء وبنات الوزراء والسّفراء والولاّة والبرلمانيّين ورؤساء المنظّمات والمؤسّسات المدنيّة والعسكريّة والأمنيّة والنقابية والإعلامية الهامّة في البلاد.

 

كنّا نتزاور في مقرّات أهالينا وتعرّفنا على أغلب عائلات بعضنا حيث كانت أمّهاتنا تقيم لنا بالتّداول في عطل آخر الأسبوع أمسيات ضيافة نتناول أثناءها المرطّبات والمشروبات ونسمع فيها الموسيقى الغربيّة ونرقص تشجيعا لنا على مزيد البذل والعطاء في أوقات الدّراسة.

 

وكان “علي منصور” قيّما عاما مساعدا في المبيت بمعهد باردو وكان يزاول دراسته الجامعيّة في كلّية الحقوق بتونس بعيدا عن أهله بالصّخيرة من ولاية صفاقس.

 

كان تلاميذ المعهد يلقبونه خلسة ” التّاكسي” لأنّه كان كثير التّنقّل بين جميع أنحاء زوايا المعهد لمراقبة التّلاميذ في سلوكيّاتهم فلا يغيب عنه شيء ممّا يستنبطه شباب المعهد من أساليب المشاكسات والمراوغات داخل المؤسّسة التّربويّة.

 

وحين كان يستوفي عطله أو أيّام راحته الإداريّة بالمعهد كان “علي منصور” يستنجد بي كتلميذ حتّى ألجأ إلى خالتي المقيمة مع زوجها وأبنائها بالمنزل الإداري بالمؤسّسة التّربويّة  ” خزندار” وأطلب منها التّدخّل لفائدة القيّم العام المساعد للمبيت “علي منصور” لدى زوجها مدير المعهد المرحوم “حسن محجوب” حتّى يمكنّه من رخصة تغيّب إستثنائيّة إضافيّة تسمح له بزيارة والدته التي إشتاق لرؤيتها.

 

وكان له ذلك دائما تلبيّة لتدخّل خالتي من الرّضاعة “فاطمة باباي” إبنة عمّة المرحومة والدتي.

 

وشاءت الأقدار والظّروف لاحقا أن يتدرّج “علي منصور” في السلّم الوظيفيّ ويصبح لاحقا مديرا عامّا للأمن العموميّ ويتحوّل الدّكتور الصحبي العمري إلى رقم نكرة نزيل مخافر الأمن وزنزانات السّجن المدني بتونس ومشاغب سياسيّ وحقوقيّ مندفع أمام قساوة كلّ ما تعرّض له لاحقا من حيف في مختلف مصالح أجهزة الأمن والقضاء والجباية.

 

ذكرت هذا المثال العرضي البسيط حتّى لا أحرج العديد من الإطارات الإداريّة السّامية المتخرّجة من معهد “خزندار” بباردو في الفترة الفاصلة بين 1972 و 1976 من الذين أصبحوا متنفّذين في البلاد إثر السّابع من نوفمبر 1987 بعد أن حملت شخصيّا مطالب إنتداباتهم في مواقع إداريّة إلى أولياء أصدقائي في الدّراسة من الذين كانت لهم كلمة مسموعة في أجهزة السّلطة أيّام الرّئيس الرّاحل الحبيب بورقيبة.

 

كانت تقطن بالطّابق الأوّل في 27 شارع باب منارة بتونس جارتنا إبنة عمّ الماجدة المرحومة “وسيلة بورقيبة” المرحومة “آسيا بن عمّار” وقبالة شقّتها في زاوية نهج الغني إبنة عمّها الأخرى المرحومة “فاطمة بن عمار” اللّتين كان إبنيهما محمود بن ضيف الله وشفيق بن عمّار من أطيب أصدقاء الطّفولة لديّ إلى الآن.

 

كانت علاقات الأجوار في الحومة ممتازة تترفّع عن الخلفيّات حيث كانت الأفراح والأحزان العائليّة واحدة تترجم فيها مظاهر التّضامن والتّآزر والتّعاون في أبهى حللها بين الصّغار والكبار.

 

كانت المرحومة الماجدة “وسيلة بورقيبة” تزور من حين إلى آخر بنات عمّها آسيا وفاطمة بن عمار وكنّا صغارا نتجنّد لإستقبالها أمام باب العمارة حيث كانت تأتينا بالهدايا التي كان يسلّمها إلينا سائقها ومرافقها عند وصولها في زيارة عائليّة أين تجد عديد النّسوة من الأجوار في إنتظارها بشقّة إبنة عمّها “آسيا بن عمّار” بالطّابق  الأوّل في 27 شارع باب منارة حيث تكون والدتي رفقة الجموع لقضاء أمسيّة نسويّة يتبادلن خلالها الحكايات العائليّة والضّحك وتناول بعض المشروبات والمرطّبات رغم أنّ المرحومة الماجدة “وسيلة بورقيبة” كانت تعاني من مرض السّكري لكنّها لم تكن منضبطة لتعليمات طبيبها أو أطبّائها.

 

كنت أصطحبها رفقة محمود وشفيق في بعض الأحيإن عند زيارتها لوالدتها المرحومة “فاطمة الدلاّجي” في منزلها بسوق السّلاح مشيا على الأقدام من باب العمارة بباب منارة إلى نهج  المرّ  قبالة المدخل الرّئيسي الخلفيّ لتلاميذ مدرسة باب منارة متنقّلة في تلك المسافى بدون حراسة أمنيّة ولا شوشرة تجلب الأنظار.

 

لم أكن أهتمّ بشؤون السّياسة منذ الصّغر بقدر ما كنت أقيم علاقات طيّبة مع أبناء عائلات أهل السّياسة في البلاد، كما لم يخطر ببالي أبدا التّودّد المصلحي لدى أصدقائي وأوليائهم وأقاربهم لأتحصّل على منحة دراسيّة في الخارج أو الحصول على إمتياز غير مستحقّ بعلاقات عائليّة في أعلى مستوى.

 

ربّما كانت هذه الميزة تجعلني محلّ ترحاب وحفاوة وإحترام لدى أولياء أصدقائي في مقرّات إقامتهم الإداريّة السّامية أو الخاصّة بالضّواحي الرّاقية للعاصمة وأحوازها.

 

رسبت في الباكالوريا سنة 1975 بعد أن رفضت الإقامة في مبيت معهد “خزندار” وإلتحقت بمعهد “الصّادقيّة” في القصبة لكنّني أخفقت ومرضت من جرّاء ذلك رغم تسرّب مواضيع الإمتحانات الوطنيّة وإعادة الإختبارات في أواخر تلك السّنة الدّراسيّة.

 

رجعت للإقامة في مبيت معهد خزندار بباردو سنة 1976 بمحض إرادتي وتحصّلت على شهادة الباكالوريا حيث وقع توجيهي إلى “شعبة الرّياضيات والفيزياء” بالحرم الجامعي بتونس.

 

لم أكن أرغب في مواصلة التّعليم في “شعبة الرّياضيّات والفيزياء” بتاتا حيث قمت في الأثناء بطلب التّرسيم في معهد الدّراسات العليا للسّينما في باريس وكنت أنتظر في صائفة 1976 إستكمال جمع المحاصيل الفلاحيّة حتّى يمكّنني المرحوم والدي من مبلغ أربعة آلاف دينار أضعها بالبنك المركزي التّونسي لإستكمال ملفّ إجراءات تأشيرة الطّالب في فرنسا.

 

بذلت مجهودا كبيرا مع المرحوم والدي في نشاطه الفلاحي بالسّرس وزغوان في تلك الصّائفة ولم أطلب منه تمكيني من السّفر والنّزهة إلى بلد أوروبي كالعادة لأنّني كنت أنتظر السّفر لمزاولة الدّراسة الجامعيّة في باريس بعد إتمام جمع المحاصيل الفلاحيّة لموسم 1975-1976.

 

كنت متأثّرا بالمنتج السّينمائي “طارق بن عمّار” نجل المنذر شقيق المرحومة الماجدة “وسيلة بن عمّار” وبخالي من الرضّاعة المخرج السّينمائي المرحوم “إبراهيم باباي” نجل عمة المرحومة والدتي لكنّ المرحوم والدي كان له رأيا مخالفا ومفاجئا، فقد رفض تمكيني من مبلغ أربعة آلاف دينارا لأضعها في البنك المركزي قصد إستكمال إجراءات ملفّ التّرسيم في المعهد العالي للدّراسات السّينمائيّة في باريس IDHEC وأجبرني على التّرسيم في كلّية الطّب بالجزائر العاصمة حيث إستحال الحصول على ترخيص وزاري للغرض من تونس ورفضت اللّجوء إلى أولياء أصدقاء الدّراسة من المتنّفذين في السّلطة وتضامنت معي المرحومة والدتي ورفضت الإتّصال بالمرحومة الماجدة “وسيلة بورقيبة” للحصول على هذا التّرخيص.

 

إلاّ أنّ والدي ” ركب رأسه ” وتوجّهنا جميعا في شهر سبتمبر 1976 إلى “منطقة المراديّة” بالجزائر العاصمة لمقابلة صديق والدي أيام زمان وزير الخارجيّة آنذاك السيّد عبد العزيز بوتفليقة ومنه مقابلة صديقه أيام المحن في زمن الإستعمار الرّئيس الجزائري السّابق المرحوم هوّاري بومدين ” محمد بوخرّوبة ” الذي كان من رفقاء الدّرب أيام الثّورة الجزائريّة مع والدي.

 

في سبتمبر 1976 , كان السّيد عبد العزيز بوتفليقة في مهمّة رسميّة خارج الجزائر فتكفّل بنا الكاتب العام لوزارة الخارجيّة المرحوم “السّيد الشاذلي” بن حديد ومدير تشريفات رئيس الجمهوريّة الجزائريّة الذي كان يشغل في مدة فارطة خطة قنصل في تونس .

 

بعد النّقاش ومعرفة أسباب الزّيارة والتّثبّت من مصداقيّة والدي في علاقاته المميّزة مع المرحوم “هوّاري بومدين” و”عبد العزيز بوتفليقة” والعديد من قادة الثّورة الجزائريّة تجاذب الجميع أطراف الحديث حول أحداث وجزئيّات دقيقة من مسيرة الثّورة الجزائريّة وعلاقاته مع عديد رموزها وأصبحت مع والدي ووالدتي محلّ ضيافة وإكرام وحفاوة من طرف عديد المسؤولين السّامين الجزائريّين الذين قاموا بالواجب وأكثر من الواجب في إستضافتنا لدى عائلاتهم أين كان يدور الحديث حول محطّات وأشخاص تركوا بصماتهم في تاريخ الثّورة الجزائريّة.

 

كان موضوع ترسيمي بكلّية الطبّ ثانويّا أمام فرحة اللّقاء بأصدقاء أيّام زمان.

 

وبإذن من الرّئيس “هواري بومدين” وضعت على ذمّتي فيلا مؤثّثة عدد 5 بــ”نادي الصنوبر” على ضفاف البحر في الأحواز الرّاقية بالجزائر العاصمة وهي الفيلا التي مكث فيها الرّئيس المصري السّابق “أنور السّادات” أثناء إجتماع قمة الدول العربيّة سنة 1975 كما وُضعت على ذمتي سيارة وسائق خاصّ ينقلني يوميّا إلى كلّية الطبّ وطبّاخ وحارس للفيلا يقوم بصيانة الحديقة وملعب التّنس.

 

لم أكن أنتظر مثل هذه الحفاوة والإستقبال والإحترام والإعتبار الذي كان يوليه المسؤولون السّامون في الجزائر تجاه والدي الذي إكتفى بطلب ترسيمي فقط بكلّية الطبّ بالجزائر حيث لم يطلب لا منحة ولا إمتيازا خاصّا لفائدتي وهو أمر زاده من الإحترام والتّقدير لدى معارفه الجزائريّين.

 

مكّنني وزير التّعليم العالي آنذاك “الرّحّال” من ترخيص إستثنائيّ للتّرسيم في كلّية الطبّ بالجزائر العاصمة رغم الإتّفاقيّات المبرمة مع السّلط التّونسيّة.

 

غادر والدي ووالدتي الجزائر في إتّجاه تونس بعد إتمام إجراءات التّرسيم بالجامعة وبقيت في الجزائر لدراسة الطبّ إلاّ أنّ المرحوم والدي تراجع بعد مدة عن ترسيمي في الجزائر العاصمة بعد أن تركني مقيما في فيلا فخمة في “نادي الصّنوبر” برعاية مسؤولين سامين في الدّولة الجزائرية حيث بعد أن تداول وضعيتي مع زوج خالتي مدير معهد “خزندار” المرحوم “حسن محجوب” في تونس أقنعه هذا الأخير أنّ الظّروف التي توفّرت لي في الجزائر بإحاطة سامية من أعلى هرم السّلطة قد تسبّب لي لاحقا تداعيات سلبيّة قد تؤثّر على مجرى دراسة الطبّ ومستقبلي عموما لذلك فقد نصحه بإعادة ترسيمي بمدينة العلوم الجزائريّة قسنطينة التي تفتقد آنذاك لأطر اللّهو والمجون.

 

كانت ثقة المرحوم والدي في المرحوم “حسن محجوب” لامتناهية لذلك رجع فورا إلى الجزائر وطلب من وزير التّعليم العالي نقلتي إلى جامعة قسنطينة في نوفمبر 1976 وكان له ذلك.

 

كانت تجربة قاسيّة في البداية حين إنتقلت للدّراسة في قسنطينة بالشّرق الجزائري ثمّ تحوّل هذا التّغيير والنّقلة بعد فترة قصيرة إلى متعة من حيث الدّراسة والعلاقات المميّزة والطيّبة.

 

كنت الوحيد من الطّلبة التّونسيين نجل فلاّح، إذ كان الطّلبة المتواجدون في قسنطينة ينحدرون من محيط راق في أجهزة السّلطة ومن أصحاب المال والجاه في تونس.

 

رسبت بالسّنة الأولى والثّالثة بكلّية الطبّ في قسنطينة وتحصّلت على شهادة الدّكتورا سنة 1984.. إنتقلت بعدها إلى تونس لمواصلة التربّص والدّراسة والإختصاص بعد إجراء معادلة الشّهائد العلميّة والتّرسيم بعمادة الأطباء التّونسيين تحت رقم 5251.

لكنّ الظّروف والأقدار حالت دون ذلك.

 

تزوّجت في أوت 1985 من جزائريّة رفيقة سنوات الدّراسة وأنجبنا ثلاثة بنات وطفلين بين سنوات 1986 و1992.

 

كانت زوجتي طبيبة عاطلة عن العمل بين سنوات 1985 و1989 تنتظر إستكمال حصولها على الجنسيّة التّونسيّة حيث وقع إنتدابها في ديسمبر 1989 في خطّة طبيبة صحّة عموميّة بمستشفى الدّهماني بولاية الكاف.

 

كنت طبيبا مقيما منذ سنة 1985 أتنقّل إداريّا كلّ ستّة شهور بين المستشفيات الجامعيّة في تونس لإستكمال فترة الإقامة الجامعيّة الطبّية.

 

إشتغلت في قسم أمراض الأطفال وقسم أمراض النّساء والتّوليد في مستشفى شارل نيكول وقسم الإنعاش الطّبي الإستعجاليّ في منفلوري وقسم جراحة الأطفال في باب سعدون قبل أن أنتقل في سبتمبر 1987 إلى المستشفى المحلّي بالدّهماني في خطّة طبيب للصّحة العموميّة.

 

كنت أبا لطفلة واحدة في سنة 1986 وأتقاضى مرتّبا وظيفيّا بمبلغ 305 دينارا شهريّا أصرف منه 150 دينارا معين كراء شقّتي في حيّ الحبيب بالمنار وأدفع شهريّا مبلغ 8 دينارات أجرة حارس العمارة، وذلك في غياب استخلاص فاتورات الماء والغاز والكهرباء والهاتف ومازوط السيارة.

 

كنت في الحقيقة والواقع أقيم في منزل والدتي في المنزه الخامس الذي تحوّلت له العائلة سنة 1976 منذ بداية أيام دراستي في جامعة قسنطينة، إشتغلت طبيبا بالعاصمة وكانت المرحومة والدتي والمرحوم والدي يدعّمانني ماديّا لمجابهة المصاريف اليوميّة للعائلة.

 

لم أشتك من الخصاصة ولا من قلّة ذات اليد لأنّ الوالد رحمه الله كان سندي الأساسيّ في كلّ ما كنت أستحقّه وأبتغيه وفي المقابل كنت في مستوى ثقته وسمعته.

 

كنت إذن مقيما في مستشفى شارل نيكول سنة 1985-1986 أتداول حصص الإستمرار مع زملائي الأطبّاء بكلّ إحترام وإنضباط.

 

وللإشارة فإنّ حصّة الإستمرار الطّبي في مستشفى شارل نيكول تبدأ في منتصف النّهار لتنتهي في اليوم الموالي في منتصف النّهار أين يقع تمرير الحالات والملفّات والتوصيّات بين الأطبّاء في خصوص المرضى الجدد وهي عمليّة تنسيق عاديّة يقتضيها سير العمل لدى الإطار الطبّي المباشر في حين أنّ هذا التّوقيت يختلف بين حصص إستمرار مستشفى شارل نيكول بتونس وبين مستشفيات جامعيّة أخرى حيث لم أكن أعلم بذلك لأنّني كنت أزاول تعليمي الطبّي في قسنطينة بالجزائر ولم أنتبه لمثل هذه الجزئيّات البسيطة  للتنسيق في أداء التّداول بين الأطبّاء في تونس.

 

وفي هذا السّياق ، إنتقلت للعمل في قسم الجراحة بمستشفى الأطفال في باب سعدون.

 

كنت أظنّ أنّ تراتيب العمل ومواقيتها لا تختلف عن المعمول بها في مستشفى شارل نيكول حيث منذ رجوعي النّهائي من قسنطينة لم أتطرّق مع زملائي الأطبّاء إلى خصوصيّة مواقيت  حصص الإستمرار الطبّي في بعض المستشفيات الجامعيّة بتونس.

 

كنت مرسّما بجدول حصص الإستمرار الطّبي في يوم أحد وهي أوّل حصّة إستمرار بالنّسبة لي في قسم جراحة الأطفال في مستشفى باب سعدون.

 

إستيقظت في ذلك اليوم باكرا وتحوّلت مع زوجتي ورضيعتي من شقّتي بحي “الحبيب” في المنار إلى منزل والدتي في المنزه الخامس أين تناولنا فطور الصّباح في أريحيّة تامّة وقصدت “المونوبري” بحي المكان لشراء بعض الحاجيات العائليّة اليوميّة وقرأت أهمّ الأخبار في الجريدة في إنتظار الإلتحاق بعملي في منتصف النّهار في قسم الجراحة في “باب سعدون”.

 

وصلت إلى المستشفى قرابة السّاعة الحادية عشر ونصف ولبست بدلتي الطبّية وبحثت عن طبيب الإستمرار قصد الحصول على تمرير التّوصيّات والملفّات الجديدة بالقسم.

 

وجدت طبيبة بمكتب الإستعجالي بقسم الجراحة الدكتورة ” ليلى الزّيتوني ” أصيلة قفصة.

 

ما إن باردتها بالتّحيّة والسّلام أمام طفل مريض رفقة أقربائه حتّى بادرتني بالشّتم والثّلب بألفاظ غير لائقة أمام الحضور وغادرت المكان بسرعة دون أن أعرف الأسباب.

 

تعجّبت من ردّة فعلها المجانيّة وتفاجأت من بذاءة لسانها رغم أنّها كانت ترتدي حجابا وجلبابا لتبرز مظاهر التّديّن والهدوء الذي كان يخفي عيوبها الذّاتيّة الدّفينة .

 

إنفعلت من سلوكها المباغت تجاهي وشرعت في ملاحقتها قصد ردّ الصّاع صاعين إلاّ أنّ ممرّض قسم الإستعجالي ” سمير ” ومرافقي الطّفل المريض الملقى على طاولة الفحص الطّبي طلبوا مني بإلحاح وتأكيد تبسيط الأمور وإلتماس عذر للطّبيبة البذيئة اللّسان.

 

تناسيت الموضوع ظرفيّا وواصلت القيام بالواجب المهني في حصّة الإستمرار الطّبي في ذلك اليوم.

 

وفي اليوم الموالي ، نزلت صباحا من غرفة الإستمرار الطبّي بالطّابق الخامس إلى قسم الجراحة بالطّابق الأوّل فلاحظت تواجد الدّكتورة ” ليلى الزّيتوني ” من خلال بلّور غرف القسم .

 

توجّهت نحوها لأسألها عن سبب تلك الشّتيمة المجانيّة السّابقة في مكتب قسم الإستعجالي أمام غرباء عن الميدان الطّبي فكان جوابها لاذعا وأكثر حدّة وبذاءة مسّت من كرامتي كرجل وكإنسان وكطبيب وقالت لي “كان ما عجبكش .. أضرب راسك عالحيط”

 

وفي لحظة إنفعال مفاجئ قسوى ضربتها وركلتها وألقيتها أرضا ورفستها بأرجلي وهي تصيح وتبكي تحت إنظار الممرّضين وبعض الفضوليّين من زوّار مرضاهم من وراء بلّور القاعة.

لم يتدخّل أيّ أحد لنجدتها من غضبي وكأنّي بجميع الحضور إستحسن فيها التّشفّي نتيجة سلوكها غير المتحضّر بين جميع الإطار الطبّي والشّبه الطبّي والإداري ولكن في الحقيقة والواقع كان الجميع على علم، دون سواي، أنّها من أقارب وزير متغطرس وهو “منصور السخيري” من المتنفّذين والإنتهازيّين من حاشيّة الرّئيس الرّاحل الحبيب بورقيبة .

 

قرّرت في لحظة غضب شديد العدول عن مواصلة دراسة الطبّ والإختصاص في تونس وغادرت المكان دون أن أحضر الإجتماع الطبّي اليومي الذي يشرف عليه الأستاذ المرحوم “هشام سعيّد” رئيس قسم جراحة الأطفال بباب سعدون .

 

ركبت سيّارتي ونسيت أن أترك مهلة زمنيّة لتسخين شمّاعات “الديازال” فرفض المحرّك أن يشتغل.

 

تركت سيّارتي في ساحة مستشفى الأطفال بباب سعدون وإنتظرت في المدخل وصول سيّارة أجرة لألتحق بمنزل والدتي في المنزه الخامس أين تركت في اللّيلة السّابقة زوجتي وإبنتي الرّضيعة.

 

طال إنتظاري لسّيارة أجرة شاغرة أمام الحالات التي كانت تستدعي أولويّة التّنقل من أمام المستشفى.

 

وفي غفلة منّي إرتمى عليّ شخص لا أعرفه سابقا وطرحني على الأرض محاولا تعنيفي إلاّ أنّني تمكّنت من النّيل منه نظرا لصغر حجمه وضعف بنيته حيث كان يستغيث ويسبّني مشيرا لي أنّني عنّفت إمرأة في تلك الصبيحة المشؤومة.

 

فصلنا الفضوليون عن بعضنا، وتوعّد بي المعتدي شرّا مقيتا أمام معاينة رئيس قسم الجراحة المرحوم الأستاذ “هشام سعيّد” للمهزلة التي وقعت عند دخوله ساحة      المستشفى ممتطيا سيّارته.

 

غادرت المكان بعد أن مكّنني الفضوليون من سّيارة أجرة حتّى يهدأ الوضع أمام الحشود التي تجمّعت لإستجلاء الأمر أمام المستشفى.

 

رجعت في مساء ذلك اليوم إلى ساحة المستشفى وشغّلت سيّارتي بكلّ هدوء وعدلت عن الهروب من موقع الحدث وقرّرت مواصلة مسيرتي الطبّية وفرض إحترامي بين الجميع.

 

توجّهت إلى قسم جراحة الأطفال يوم الثّلاثاء ومن مدخل المستشفى كنت لا أسمع إلاّ عبارة “هاو جاء” حيث كانت سّيارة فخمة سوداء اللّون “بيجو 505” ذات ستائر بنّية وملامح إداريّة رسميّة تابعة للحزب الإشتراكي الدّستوري راسيّة بسائقها داخل المستشفى وأمام مدخل قسم الجراحة.

 

كانت أنظار غرباء عن المؤسّسة الإستشفائية تراقب سيري نحو قسم الجراحة.

 

تجمّعت عناصر مشبوهة أمام بابه بالطّابق الأوّل.

 

لم يستفزّن أحد لا بإشارة أو بحركة وكأنّ الجميع كان ينتظر إذنا للقيام بمهمّة قذرة لتأديبي علنا.

 

أبلغتني القيّمة العامّة لقسم الجراحة بتواجد زوجة الوزير السّابق “منصور السخيري” في قاعة إجتماعات الأطبّاء وأنّ رئيس القسم الأستاذ المرحوم “هشام سعيّد” رفض قبولها للتّشكّي في شأن داخلي يهمّ سير العمل الطّبي في قسم الجراحة.

 

ما إنّ لبست بدلتي الطبّية في تلك الصّبيحة حتّى إستدعاني رئيس القسم إلى مكتبه حيث وجدت جميع زملائي الأطبّاء واقفين أمامه.

 

إلاّ أنّ شابّا غريبا عن القسم كان يقف حذوه من وراء مكتبه لابسا بدلة طبّية تشبه ملامحه كثيرا الوزير “منصور السخيري”.

 

وهو في الحقيقة والواقع ذلك الشّخص الذي تبادلت معه العنف في صبيحة اليوم السّابق .

 

إنقسم الأطبّاء في وقفتهم أمام المرحوم الأستاذ “هشام سعيّد” إلى مجموعتين: رجالا ونساء.

 

رفضت جميع الطّبيبات مواصلة العمل في قسم الجراحة في غياب أمنهنّ الشّخصي وقدمت الدكتورة ” ليلى الزيتوني” أمام الحضور شهادة طبّية في العنف الذي تعرّضت له في اليوم السّابق فتضامن معي الأطبّاء الرّجال منوّهين بكفائتي وإنضباطي في العمل.

 

إلاّ أنّ الأستاذ المرحوم “هشام سعيّد” لامني على صنيعي ملاحظا عدم لجوئي إليه شخصيّا لطرد الدّكتورة ” ليلى الزّيتوني” من قسمه لأنّه لا يقبل ولا يسمح بمثل هذا السّلوك بين الأطبّاء وخاصّة منهم الزّملاء في نفس القسم.

 

كان الطّبيب الشاب الواقف محاذيا لكرسي المرحوم الأستاذ “هشام سعيّد” يتلذّذ عبارات اللّوم والإستياء الذي عبّر عنه تجاهي رئيس القسم إلى أن طلبت من الأستاذ المرحوم “هشام سعيّد” مغادرة الغريب عن قسم الجراحة المكتب حتّى يتسنّى طرح الموضوع ومعالجته بكلّ حياد وموضوعيّة .

 

رفض الأستاذ ذلك بإعتباره حرّا في التّصرّف في مكتبه وطلب منّي مغادرة المكان ومواصلة العمل أمام تململ وإستياء جميع الطّبيبات من قراره.

 

ما إن بادرت بدخول إحدى غرف الأطفال المرضى حتّى دفعتني على مستوى  ظهري إحدى الممرّضات داخل مكتب محاذيّ مستنجدة بالأستاذ المرحوم “هشام سعيّد” معلنة بصوت عالي عن تواجد بعض البلطاجيّة من مرافقي زوجة الوزير ” ” الذين حاولوا الغدر بي وتعنيفي داخل قسم الجراحة فما كان من الممرضين والتّقنيّين والمبنّجين إلا أن عبّروا عن تضامنهم بعفويّة وتسلّحوا بآلات حادة جلبوها من قاعة العمليّات بقسم الجراحة للدّفاع عنّي وطرد البلطاجيّة من أروقة قسم الجراحة وطرد زوجة الوزير “” وإبنها الدّكتور “إلياس السّخيري” أمام أنظار الأستاذ المرحوم “هشام سعيّد” الذي بقي مستغربا ومشدوها أمام ما لم يكن ينتظره أن يحدث.

 

توجّهت لي زوجة الوزير “منصور السّخيري” بعبارات إستفزازيّة عند خروجها فطلبت منها تلقين زوجة إبنها أصول التربية والأخلاق قبل أن تكون طبيبة فتوعّدتني بكلّ الأشرار الممكنة دون أن أعطيها جوابا يخزيها ويخزي تهوّر زوجة إبنها الدكتورة ” ليلى الزّيتوني ” تجاهي حيث كانت ممرّضة أصيلة مدينة “مكثر” تحول بيني وبين زوجة الوزير التي تفوّهت تجاهي بعبارات أترفّع عن ذكرها عند مغادرتها المكان مطرودة من قسم الجراحة.

 

في اليوم الموالي، أعلمني هاتفيّا في المنزل بعض الزّملاء من الأطبّاء والممرّضين عن تواجد غرباء في مدخل المستشفى لا يمكن أن يكونوا إلاّ بلطاجيّة من ملّيشيا الحزب الحاكم.

 

لذلك ، وجب عليّ عدم القدوم أو إتّخاذ إجراءات الحذر وإحتياطات خاصّة للدّخول إلى قسم الجراحة لمزاولة وظيفتي الطبّيّة.

 

نشأت في “باب منارة” و”باب الجديد” و”معقل الزّعيم” و”المركاض” ، ودرست في معهد “إبن شرف” ولي علاقات صداقة في “الملاّسين” و”السّيدة المنّوبيّة” و”حفرة قرّيش” و”الحفصيّة” وغيرها من الأماكن الشعبية التي تعجّ بالبلطاجيّة والمنحرفين في العاصمة.

 

وكان صديق الطّفولة ” محمود بن ضيف الله ” ابن المرحومة ” آسيا بن عمار” يمتلك محلاّ لبيع المشروبات الغازيّة بالجملة في “باب منارة” وله من وسائل النّقل ومن عمّال ومعارف البلطاجيّة ما يمكن أن يضمن سلامتي لدخول قسم الجراحة في مستشفى باب سعدون بتونس.

 

ما إن أعلمته بالخبر حتّى عبّر لي عن كامل إستعداده مع جميع أولاد الحومة لمرافقتي يوميّا إلى قسم الجراحة في “باب سعدون” وضمان سلامتي الجسديّة من التهوّر والإعتداء من طرف مجهولين بل معروفي المصدر.

 

أصبحت كلّ يوم أنطلق من مقرّ سكنى المرحومة والدتي بالمنزه الخامس في العاصمة متوجّها إلى باب منارة صباحا لأرسي سيّارتي في ساحة المكان وأركب شاحنة صديقي “محمود بن ضيف الله ” بيجو 404 التي يستقلّها من الخلف قرابة العشرين فردا من أولاد الحومة مجهّزين بالعصيّ والسّلاسل وأنواع من القضيب الحديديّ حتّى أجتاز بهم مدخل المستشفى ويرافقني الجميع إلى باب مدخل قسم الجراحة  بالطّابق الأوّل في حماية تامّة أمام أنظار الممرّضين وبلطاجيّة الحزب الحاكم الذين بقوا مشدودين لنوعيّة الجموع التي ترافقني يوميّا إلى المستشفى في حركة تضاميّة تحافظ على سلامتي الجسديّة.

 

وعند إنتهاء كلّ حصّة صباحيّة يوميّة أهاتف صديق الطّفولة “محمود بن ضيف الله ”  الذي يجمع في شاحنته أولاد الحومة مرفوقين “بأجهزتهم” الدّفاعيّة لمصاحبتي من مستشفى  باب سعدون إلى سيّارتي المتواجدة في باب منارة .

 

دامت هذه الوضعيّة أكثر من شهرين تخلّلها قطع مرتّبي بصفة تعسّفيّة إدّعت فيها لاحقا المصالح الماليّة والإداريّة بوزارة الصّحة أنّ هفوة تسرّبت بكلّ ” عفويّة ” إلى رقم حسابي البنكي وقامت بإصلاح الخطأ بعد أكثر من ستّة أشهر بكلّ ” عفويّة “.

 

وباءت لاحقا محاولات طردي من وظيفتي من طرف حرم الوزير المتنفّذ “منصور السخيري” عبر مثولي أمام مجلس التّأديب بالفشل لأنّ تفقدّية الأطباء في وزارة الصحة لم تجاريها في سعيها إلى أن وجدت بعد أسابيع راتبي الوظيفي مقطوعا مدة شهور بذرائع إداريّة واهية تنحصر أساسا في غلطة في رقم حسابي البنكي الذي عجزت عن تصليحه المصالح الإدارية والمالية في وزارة الصحة مدة شهور ..

 

فهمت الرّسالة الموجّهة لي في تنغيص حياتي المهنيّة وعرقلة آفاقي الطبّية بوسائل خسيسة تحترفها بطانة القصر الرّئاسي حيث كانت المرحومة الماجدة وسيلة بورقيبة في أسوء أيّامها مع الرئيس السّابق الحبيب بورقيبة ولم يكن لها ممكنا أن تتدخّل لفائدتي من موقعها المهزوز في تلك الظّروف .

 

أحسست بالغبن من هذا التّصرّف رغم ضآلة الراتب وعدم تغطيته لمصاريفي العائلية الخاصة ولكنّني لم أستسلم للأمر الواقع حيث عقدت العزم عن معاضدة أي شيطان يقوم بالإطاحة بالنظام المتهالك للزعيم الراحل بورقيبة .. وكان في ذلك الوقت الخوانجية في أوج عطائهم الهمجي في الجامعة وفي الشوارع والساحات وأسواق المدينة العتيقة وضواحي العاصمة ..

 

ولا أخفي سرّا حين كنت أشرف على حصة الإستمرار في قسم الإستعجالي في مستشفى شارل نيكول أقوم بإسناد الشهائد الطبّية للعطل المرضيّة بكلّ سخاء لأعوان الأمن من أصحاب الزي لفترات طويلة لا تخضع للرقابة والتعديل بما أنّها مسلّمة من قسم الإستعجالي وذلك قصد المساهمة في تهرئة الكم العددي لأعوان مجابهة المظاهرات الإحتجاجية في الحرم الجامعي وفي الشوارع حيث تضامن معي عديد الزملاء من الأطباء في المعاملة الحسنة مع أعوان الأمن وتجنيبهم المصادمات الميدانيّة مع المتمرّدين على النظام البورقيبي.

 

كانت شقيقتي أمال العمري حرم محمد علي النّوري تنشط سرّيا في إطار حركة الإتّجاه الإسلامي وكانت عديد الوجوه القياديّة من الإسلاميين تتردّد على منزل والدتي بالمنزه الخامس ليلتقوا بشقيقتي في شؤون حركيّة كما كان العديد منهم يقضّي ليلته في منزل والدتي منهم محمد العكروت ونور الدين البحيري وعلي الزروي والفاضل البلدي وفتحي البوغانمي وناوي الحنزولي وحمادي الجبالي والهادي الغالي وسمير المولهي .. وعديد النسوة من حركة من بينهم سعيدة العكرمي وإحدى القياديات لقبها النجّار وغيرهنّ ..

 

كوّنت شخصيّا علاقات أساسها الثّقة والإحترام مع عديد القياديّين في حركة الإتّجاه الإسلامي الذين يتوافدون على بيت العائلة وخاصّة منهم المطلوبين لدى العدالة والمحكوم عليهم غيابيّا بأحكام قاسيّة.

 

قرّرت “الإنضمام” سرّيا إلى حراك الإطاحة بنظام الرّئيس السّابق الحبيب بورقيبة الذي كانت تقوده تحرّكات شغب عناصر من حركة الإتّجاه الإسلامي.

 

كما أضيف في هذا الصدد أنّني كلّما وجدت نفسي في العيادات الخارجية أو في قسم الإستعجالي في مستشفى شارل نيكول أو بمركز الإسعاف الطبي الإستعجالي في مونفلوري أمام موقوف أو سجين مهما كان نوعه إسلامي أو غيره تعرّض إلى العنف أثناء فترة إحتجازه أقوم بتهويل وضعه الصحي أمام مرافقيه من البوليس أو الحرس بعد إجراء الكشوفات والتحاليل “اللاّزمة” وأصنع له ملفا طبيّا من الخواء لأحتفظ “بالمريض” للإقامة في المستشفى دون أن تستدعي صحته هذا الإجراء وذلك حتّى يتجنّب التعرّض إلى مزيد من التعذيب رغم أنّه لا توجد لي سابق معرفة به ..

بدأت أعاين وأفحص وأنعش طبيّا عديد ضحايا التّعذيب الذين كانت تستجلبهم إلى قسم الإستعجالي سيّارات أمنيّة مدنيّة من مخافر الإيقافات في ظلمات اللّيل.

 

تراوحت أضرارهم بين الكدمات العنيفة والرّضوض البليغة والجروح والكسور وضيق التنفّس الحاد والنّزيف والغيبوبة التّامّة علاوة على الإنهيارات العصبيّة والنّفسيّة الحادة ولا أخفي في هذا المجال تعاطفي مع هذه الشريحة التي كنت عاجزا عن إسداء المساعدة إليها دون أن أقوم بقبولها للإقامة الإستشفائيّة الظّرفيّة المجاملاتيّة أو بإفتعال جبس في إحدى الأيدي أو الأرجل موهما بكسر حتّى أجنّب ضحيّة التّعذيب مزيدا من التّعليق والعنف في مخافر الأمن وخاصة منهم القابعين في محلاّت الإيقاف في وزارة الدّاخليّة ..

 

وكنت في الأثناء أرفض أن يدخل إلى مكتبي أي عون أو ضابط أمن حاملا سلاحه مهما كانت رتبته كمريض أو مرافق لمريض أو موقوف وهو ما كان يستحسنه الممرضون والممرضات من كسر شوكة رموز الغطرسة والظلم داخل المستشفى خاصة بعد أن رفض الأطباء تكبيل المرضى المساجين داخل مكاتب عياداتهم أو في فراشهم عند الإيواء الإستشفائي مع وجوب وجود الأمن خارج غرف وأروقة الأقسام الطبيّة ..

 

وفي الأثناء بدأ التيّار يمرّ بين وبين حمادي الجبالي الذي كان مختفي لدى المحامي محمد النوري في بيته بالمنزه الخامس ثمّ في منزل شقيقتي آمال في بناية الزياتين بالمنزه السادس ثم إنتقل ليقيم في شقتي بين الحين والآخر بإقامة الحبيب في حي المنار بتونس .. وسلّمته في الأثناء وثائق هويتي ليتنقّل بها ويستظهر بها عندما يقوم الأمن بمراقبة هوية المواطنين المترجلين وفي السيارات حيث عمد حمادي الجبالي إلى تركيب “بيروك” على رأسه ليغطّي بها صلعته ويصبح على شاكلة صورتي الموجودة في بطاقة تعريفي لضمان سلامته من القبض عليه حيث كان يرتدي “دنقري” أزرق اللون ويحمل دائما في يده قفّة من الصناعات التقليدية فيها مروحة يدوية ومنشفة ويلبس صندال ..

 

والغريب في الأمر أنّني لم أكن غبيّا في مجاراة حمادي الجبالي في موقفه من نظام الزعيم الرّاحل الحبيب بورقيبة الذي يكتنز تنفيذ 129 حكم إعدام ضد خصومه السياسيّين حسب تأكيدات منظمة العفو الدولية ولكنّني ما زلت أتذكّر أنّ لقاءاتي به كانت تبدأ بعد التحيّة والسلام بتلاوة سورة “والعصر إنّ الإنسان لا في خسر ..” وهي بالنسبة علامة تفوق الثقة في التّعامل والمعاملة ..

 

لم أكن إسلاميّا في توجّهاتي الشخصيّة.. بل مسلما لا يقوم بواجباته الدينيّة، ولا أتبنّى الفكر العقائدي في ممارسة السّياسة.

 

ولم أفكّر أبدا في الإهتمام بالشّأن السّياسيّ والحقوقيّ في تونس.

 

كانت غايتي إتمام مرحلة الإختصاص والبروز في الميدان الطّبي بكفاءة وأخلاق مهنيّة راقية.

 

لكن العكسيّات شاءت أن أنصهر في ميدان غريب عنّي نكالة في الأيدي الطّويلة لنظام الرّئيس السّابق الحبيب بورقيبة والتي طالت تطلّعاتي العلميّة الشّخصيّة.

 

كانت ردّة فعلي عنيفة ضدّ ما حدث لي من تداعيات لا أخلاقيّة إثر خلاف مهنيّ إستشفائيّ في باب سعدون بتونس مثّل منعرجا في حياتي خاصّة بعد أن وقع إيقاف صهري زوج شقيقتي محمد علي النّوري في ثكنة الأمن في حيّ بوشوشة وإستيلاء البوليس السّياسي على سيّارته الخاصّة الجديدة.

 

إذ عند إسترداد بعض أمتعته من أدباشه الخاصّة من مركز الإيقاف بحي بوشوشة لاحظت أثار دم في ملابسه وهو أمر يترجم حصول مكروه له أثناء إيقافه وبالأحرى تعرّضه للتّعذيب في مخافر البوليس ..

 

إنّ صهري محمد علي النّوري شخص مسالم طّيّب الأخلاق و كريم في معاملاته لا يمكن له أن يؤذي أحدا أو يفكّر في ذلك، لكنّ البوليس كان له رأيا آخر في ذلك.

 

كثرت الضّغوطات حول العائلة من توافد الجموع الحركيّة التي تستنجد بخدمات الإيواء والإختفاء والتّنقل في أمان.. إلى أن وقعت مداهمة شقة شقيقتي أمال في بناية الزياتين بالمنزه السادس ووقع الإستيلاء على جميع محتوياتها من طرف فيلق من البوليس الذي كان يصبو إلى القبض على حمادي الجبالي هناك ..

 

إنكشفت شقيقتي أمال العمري زوجة  محمد علي النوري وحدث ما حدث..

 

-ظهورك الأخير في قناة التاسعة كان كأنك تريد تبرئة نفسك من الإنتماء إلى المجموعة الأمنية، مع أن الكتب التأريخية تبيّن لنا أنك أحدها، لو توضّح لنا!

–لم يكن ظهوري في قناة التاسعة أول ظهور إعلامي لي وقد سبق أن صرحت بذلك في قنوات أخرى ومنها قناة الحوار التونسي.. لكن لا ولن أبرّئ نفسي من أي فعل قمت به سابقا في ظروف عائلية معيّنة وأتحمّل مسؤوليتي في ذلك ولكن للأمانة لا علاقة لي بالجناح المسلّح السري لحركة الإتجاه الإسلامي “النهضة” أو بما يُعرف بالجناح العسكري السري لحركة الإتجاه الإسلامي “النهضة” الذي كان يُشرف عليه حمادي الجبالي ومحمد شمام والمرحوم صالح كركر وهم عناصر لا تُخفي قيادتها للحركة منذ زمن بعيد..

 

وبالنسبة لظهوري في قناة التاسعة في الذكرى “الافتراضية” للسابع من نوفمبر منذ سنة تقريبا تطرقت إلى موضوع الجناح المسلح لحركة النهضة “المجموعة الأمنية” الذي كنت ضمن عناصره التي كانت تنوي مداهمة السجون لإنقاذ قيادة .

 

لقد عرفت عناصر المجموعة في محلات الايقاف بمصالح أمن الدولة في نوفمبر 1987. وقد تدخّل في الحصة من لندن أحد فريق القوات الخاصة للحرس الوطني الصادق الغضباني الذي كان من الأوائل الذين إقتحموا قصر قرطاج ليلة السابع من نوفمبر 1987 ولم يكذّب ما قلته حول عدم إنتمائي للحركة وعدم مشاركتي في التخطيط مع قيادة المجموعة الأمنية للإطاحة بالنظام البورقيبي، ويمكنك التثبت من تصريحي لدى باقي قيادة النهضة الحالية.

 

لم أكن منتميا للحركة لا سابقا ولا حاليا ولا مستقبلا، ولا يشرفني ذلك، إنها عثرة تاريخ دفعت ثمنها غاليا من صحتي خاصة وذلك بإندفاع عائلي.

 

وأما عن الكتب التاريخية فهي شحيحة في موضوع المجموعة الأمنية حتى لا يقع تصنيف حركة النهضة حركة مسلحة وارهابية، مما يجعل العديد يراهنون على جهل الناس لخفايا أهم المحطات السياسية في تاريخ البلاد، وتبقى أهم الشهادات في هذا الموضوع مقترنة بمدى صدق عناصر المجموعة الأمنية الذين مازال أغلبهم على قيد الحياة وخاصة منهم أولئك الذين قطعوا علاقتهم بالنهضة بعد أن إنتقدوا التوجهات التصادمية السابقة للقيادة الغنوشية التي تسببت في كارثة مجتمعية تحولت إلى عبء سياسي وحقوقي وأخلاقي وإنساني في النظام النوفمبري مما أدى إلى التحول على التحول والتراجع عن وعود بيان السابع من نوفمبر في بداية تسعينات القرن الماضي بعد أن تنكرت قيادة الحركة لجميل الرئيس السابق وعفوه على جميع مساجين الحركة منذ أن إعتلى سدة الحكم بعد الإطاحة بالنظام البورقيبي ومن ضمنها عناصر المجموعة الأمنية التي عاد لاحقا فريق منها إلى محاولة إنقلابية ثانية عبر سنة 1991 والتي قام بتبييضها الرئيس المؤقت د. المنصف المرزوقي وأغدق على عناصرها بالتعويضات والرتب الصينية موهما الناس أن عملية براكة الساحل الانقلابية كانت من إخراج الرئيس السابق زين العابدين بن علي لخصي المؤسسة العسكرية التي كانت مخترقة بضباط وعناصر نهضوية، ونفس الشيء يحدث الآن في محاولة تلفيق عملية المجموعة الامنية الى الرئيس السابق لتبرير انقلاب السابع من نوفمبر 1987.

 

 – كتاب الكاتب “” “المجموعة الأمنية وانقلاب 7 نوفمبر” بيّن أنك كنت من أبرز المجموعة التي خططت لتسبق بن علي في انقلابه على بورقيبة، ماهو ردك عليه ؟

–أنا كنت أبرز شخص في المجموعة الأمنية بعد أن تحوّلت إلى السجن نتيجة عدم انتمائي للحركة الى مفاوض عنها مع مبعوثين خاصين من الرئيس السابق لمناقشة شروط إطلاق سراحها وعدم محاكمة المجموعة التي كانت منضبطة ليلة السابع من نوفمبر ولم يصدر عنها ما يسيء لإنقلاب بن علي وعلى الحبيب بورقيبة رغم حيازة المجموعة الى السلاح وفي مواقع متقدمة لسلطة القرار، لذلك أرى أنّ هنالك خلطا متعمّدا في الأدوار للتضليل وتزييف الحقائق والتاريخ، وأحمد نظيف مع شكري لإجتهاده في صياغة الأحداث رغم أنني لم أطلع على كتابه الى حد الآن ليس مرجعا في توثيق ما حدث فعلا في أواخر العهد البورقيبي لأنّ الشهود العيان أو بالأحرى أغلب العناصر القيادية في المجموعة الأمنية ما زالوا على قيد الحياة وجميعهم ما زالوا يلتزمون الصمت نتيجة إلتزامهم الحركي من خلال البيعة والإنتماء لحركة مناضلة تجترّ قيادتها الحالية رصيدها النضالي من مآسي غيرها بكل إنتهازية وبكل جحود لمعاناة الأتباع والأنصار والمتعاطفين مع حركة الإتجاه الإسلامي “النهضة”.

 

لم أكن من أبرز عناصر المجموعة الأمنية لأنني لم أكن منتميا لحركة الإتجاه الإسلامي بل إكتشفت عناصرها عند إيقافي في مخافر مصالح أمن الدولة بوزارة الداخلية في 22 نوفمبر 1987، لم تكن لي علاقة بأي فرد منهم ما عدى النهضوي الهادي الغالي سائق القيادي حمادي الجبالي الذي كشفني لدى البوليس السياسي حيث كنت قبل شهور من إيقافي قد توسطت في التنسيق لتهريب عناصر من حركة الإتجاه الإسلامي “ ومحمد الشملي وعبد المجيد اليلي” متورّطين في تفجيرات نزل سوسة والمنستير في 2 أوت 1987.

 

إلى اللقاء مع الجزء الثاني من شهادة الدكتور الصحبي العمري على التاريخ.