عرب النكوص وعروبة العراق

2

بقلم مهند بتار – (تحركٌ في مضمار الخفـّـة ) ربما هو أقرب وصفٍ للتهافت السعودي الرسمي الأخير على فتح صفحة جديدة مع شخصيات ورموز عراقية لا انتقاص من شأنها أو وزنها إذا وصفناها بـ (المذهبية الشيعية) .

 

فهو حدث ذو دلالة أن يلتقي ولي العهد السعودي (والملك القادم) محمد بن سلمان مع شخصية كالسيد (مقتدى الصدر) بما يمثله من إرث عائلي طافح بالرموز الشيعية القيادية على المستوى الروحي وحتى السياسي ، إذ أن القطيعة المشفوعة بالعداوة هي الصفة التي طبعت العلاقة بين القيادة السعودية بثقلها (السّـني) وقيادات عراقية من ذوات الثقل (الشيعي) ، خصوصا على امتداد السنوات التي تلت الإحتلال الأمريكي للعراق في ربيع عام 2003 ، وكان (وما زال) العامل الإيراني هو الحاسم في تحديد أسباب وأشكال ومديات هذه القطيعة . فما الذي تغير اليوم لكي تبادر القيادة السعودية إلى استضافة خصوم الأمس وخطب ودهم ؟! .

 

إذا قلنا أن القيادة السعودية تقصد وبوحي من (عروبتها) تطبيع العلاقة مع العراق بما يسهم في الحد من النفوذ الفارسي الهائل في كل مفاصله فهذا قولٌ باطلٌ سيجافي الحقيقة بمجرد أن نستذكر تاريخ الخذلان السعودي للعروبة كـفكـرةٍ وتطبيقاتٍ قوميةٍ ليس بدءً من معاداة القيادة السعودية (لناصرية جمال العروبية الوحدوية) ولا إنتهاءً بحربها الضارية على البعثية القومية الصدّامية في بغداد ، إذ لا يُعقل (ولا يحق) لمن ساهم عملياً في تسليم العراق العربي إلى إيران الفارسية أن ينام (لاعروبياً) ليصحو قائداً لنخوة قومية تتداعى لنصرة عروبة العراق ! . وحتى لو مرّرنا هذه الفرية وذهبنا إلى تصديق مزاعم الصحوة السعودية القومية المتأخرة هذه فهل إلا من البلاهة السياسية والفكرية تصور إمكانية مزاحمة النفوذ الإيراني في العراق بمجرد فتح خطوط التواصل مع قيادات ورموز مذهبية شيعية عراقية أكثرها لا تتحرك إلا بمشيئة (الولي الفقيه) وأقلها لا تجرؤ على مخالفة فرماناته وكلها ترزح تحت العباءة الإيرانية ؟! .

 

لقد سبق السيف العذل كما يقول المثل ، والعراق الذي هو البوابة الشرقية للأمة العربية و (جمجمة العرب) غدره بعض العرب وفي المقدمة منهم آل سعود (قبل أن يلتهمه العجم) حين دفعتهم عقليتهم الثأرية الإنتقامية البائسة لتحويل بلدانهم إلى منصات أمريكية لغزو العراق واحتلاله ، ثمّ حين راحوا ينتشون وهم يتفرجون على الحرائق التي أشعلوها في هذا البلد العريق قبل أن يستفيقوا من نشوتهم الأقرب إلى الغرائزية المحضة وقد حاصرتهم نيران غلهم وحقدهم وكيدهم ، فعن أي عروبة يتحدثون وبأي لغة قومية يلهجون وقد انتكصوا إلى ما دون القومية العربية ، بل دون حتى الوطنية إلى مهاوي الطائفية والمذهبية في متوالية التقهقر أمام التمادي والتعملق الإيراني الفارسي.

 

وحين يقال الفارسي فلأن العقل القيادي الإيراني إن كان مذهبياً فهذا يأتي بالمقام الثاني ولدواعي التمدد والتغلغل والهيمنة بوحي من المقام الأول ، أما في المقام الأول فهو عقلٌ إمبراطوريٌ (فارسي القومية والإنتماء والأهداف ) أباً عن جد عن جد عن جد منذ قورش الكبير وصولا إلى روحاني على عكس عقلية الضمور القومي والتضاؤل الوطني والتورم المذهبي لدى عرب النكوص الذين إذ يتهافتون اليوم (بعد خراب البصرة) وبخفـةٍ فاضحةٍ على مصافحة خصوم الأمس من رموز وقادة عراقيين من ذوي العناوين المذهبية والولاءات الفارسية (كوزير الداخلية العراقي الطائفي نموذجا) فهذا فحسب من منطلق الفهم الصبياني القاصر للبراغماتية متوهمين أنهم بمجرد إحتفائهم بهؤلاء (ستتصفر) مشاكلهم معهم وربما يتوسطون لهم عند (الولي الفقيه) لعله يجد لهم مخرجاً من ورطتهم العويصة مع الحوثيين في اليمن فيتفرغون للقطريين وغيرهم من (الأشقاء الأعداء) بوازع من سياساتٍ إرتجاليةٍ حمقاء بالكاد تخرجهم من حفرة لتوقعهم في بئر ، فلا هم تعلموا من تكرار الفشل ولا هم اتعظوا من دروس الماضي بل يصرون على المضي في طريق التدمير الذاتي ! .

 

مهند بتار

قد يعجبك ايضا
2 تعليقات
  1. Avatar of القيد
    القيد يقول

    تحياتى واحترامى لقلمك أخ مهند , لقد أصاب كبد الحقيقة .

    شاءت أقدارنا أن يحكمنا جهلة وحثالة وجبناء .

    لن تقوم للعرب قائمة فى ظل هؤلاء الحكام ..

  2. Avatar of محمد
    محمد يقول

    ما شاء الله مقال رائع في قمة الروعة والصواب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More