AlexaMetrics حكايات أسير .. لا تقلها لامي | وطن يغرد خارج السرب

حكايات أسير .. لا تقلها لامي

تتداخل  علاقة الأسير بالسجن والزنزانة تداخلا حميما على النحو الذي لايمكن للأسير أن يقيم إلا في سجنه وزنزانته، وبقدر مايأخذ السجن من عمره وشبابه وأحلامه وبقدر ما يخلّفه من ألم وشعور بالحرمان، فإنه يقدم ويعطي ويعيد تكوين شخصيته وثقافته ويٌشكل حالة وعي وإدراك لذاته وللأشياء من حوله.

فلا يكفيه أن يتلمّس الجدران أو ينظر  من ثقب الباب أو بين فتحات الأسلاك الشائكة، بل ينظر من العتمة إلى الفضاء الأوسع والأكثر اشراقا وحرية، إنه يرى الأهل والجيران والأصدقاء ويرى المستقبل والحياة الاخرى التي يناضل من أجلها بكل ثقة .

ربما هذه المعادلة التي تجعله يعيش كضيق السجن في جنباته دون أن ينهار أو يفقد القدرة على مواصلة حلمه.

لكل أسير حكايته المختلفة عن الآخر  ولكل حصته من الآلام والمعاناة وقسوة السجان،

ومن عاش تجربة السجن يدرك تماماً كم هي طويلة وقاسية تلك اللحظات، ويدرك أن لا مكان للاستسلام رغم كل ممارسات القهر واستخدام شتى فنون التعذيب والقسوة واستغلال المشاعر الإنسانية لأقصى حد .

استوقفتني رسالة الأسير محمد براش التي  بعث بها من سجنه الى شقيقه،

رسالته المكتضة بمشاعر تدمي القلوب وتلدغ العقول وكلمات تبكي الصخر وتلين قسوته، هذا نصها :

” لاتقل لأمي بأني صرت أعمى

هي تراني وأنا لا أراها، أبتسم وأتحايل عليها على شبك الزيارة عندما تريد أن تريني صور إخوتي وأصدقائي وجيران الحارة، فهي لا تعرف أني أصبحت كفيفا بعد أن دب المرض في عينيّ حتى غزت العتمة كل جسدي.

لا تقل لها بأني انتظر عملية جراحية لزراعة القرنية منذ سنوات، ولكن إدارة السجن تماطل ثم تماطل.. وتستدعي إلى عيني كل أسباب الرحيل عن النهار. لا تقل لها بأن شظايا الرصاص والقذائف التي أصبت بها لا زالت تطرز جسدي، وأن قدمي اليسرى قد بترت واستبدلت بقدم بلاستيكية، أما اليمنى فقد تعفنت وجفت من الماء والحياة. 

لا تقل لأمي عن تحرر إحساس الأسير من عناصر التكوين الأولى، محكوما برؤيا الحديد والرماد، فلا أبيض يشع، ولا فرس تسرج الصمت أملا يطيل الرجاء. قل لها: بأني حيّ وسليم، أرى وأمشي وأركض والعب وأقفز وأكتب وأقرأ، حاملا وجعي على عكازتي، وأرى شقيقي الشهيد قمرا يفرش السماء ويناديني بقوة البرق والرعد والسحاب.

لا تقل لها باني لا أعرف النوم، أعيش على المسكنات حتى تخدر جسمي، أتحسس حاجياتي فأرتطم بالبرش الحديدي، وبزميل ينام قربي، فينهض ليساعدني في الوصول الى الحمام. اليقظة تؤلمي والنوم لا يأتيني.

لا تقل لأمي بأن بارودا دخل الى مقلتي في ذلك اليوم الدامي في شوارع المخيم، قنصوني حتى طارت قدمي وسال الدم من بصري، وقبل أن أفقد الوعي رأيت طفلا يجري نحوي حاملا علما وهو يصيح: شهيد شهيد..

قل لها: إن كان حلمي لا يكفي، لك حنين بطولي لا يغادرني، ولي منك لغتي وحليبي ورموزي على الجدران أكشط بها وجعي كلما غاب الضوء من حولي. قل لها بأني أتبع دعاءك الرمضاني إلى غيمة في يدي لأصل معيدي بعد أن ضاق بي جسدي، وربما أعود أو لا أعود، ولكني تركت الباب مفتوحا، واخترت الوقوف قرب قلبك كأني اخترت غدي.

لا تقل لأمي أن دولة ( اسرائيل ) في القرن الواحد والعشرين حولت السجون الى أماكن لزرع الأمراض، وإذابة الأجساد رويدا رويدا، حتى صارت السجون حقول تجارب على الأحياء الذين سيموتون بعد قليل. 

لا تقل لها بأني أصبحت أحفظ كل أسماء العلل العجيبة والأدوية الغريبة وأنواع المسكنات أبلعها، وأنا أرى صديقي زكريا عيسى يدخل في غيبوبة طويلة في اللازمان قبلي.

لا تقل لأمي عن الأسرى المرضى الذين فاض الداء في أجسامهم جنونا وحربا: أحمد أبو الرب، وخالد الشاويش، أحمد النجار، منصور موقدة، أكرم منصور، أحمد سمارة ، وفاء البس، ريما ضراغمة، طارق عاصي، معتصم رداد، رياض العمور، ياسر نزال، أشرف أبو ذريع، جهاد أبو هنية، يذبحهم السجن والمرض واستهتار دولة تجيد تصدير الموت والجنازات للآخرين.

قل لها: لا زلت على بعد ثلاثين بابا من البيت، أدنو منه كلما طار طائر واشتعلت النار في عيني ولسعتني الأسلاك بين أضلاعك والصلوات الخمس ” .

هكذا سطّر الاسير براش رسالته، وسجل بكلماته لمحات من التاريخ مُسهماً فيه في قراءة المكان والنفس الانسانية متجاوزاً الحدود الظاهرة والخفية والواقع الذي يعيشه.

كلمات تُحفر في الذاكرة إلى الأبد تلتحق بها أحداث كثيرة ومتنوعة.

إن التجربة في الحالة الخاصة للأسير محمد براش المحكوم بالسجن المؤبد، ومعتقل منذ عام 2003 بعد إصابته بجروح بليغة بالرصاص عند اعتقاله،

ويُعد من أبرز الحالات المرضية الصعبة في السجون، فقد الرؤية في عينه اليسرى، وبحاجة إلى ترميم للشبكية وزراعة قرنية، وهو مبتور القدم اليسرى.

فله خصوصية عالية وفريدة وتجربة أنتجت في السجن رجال ليسى كالرجال، وثقافة  باتت آداة نضال وسلاح في وجه السجّان ،

يرسم ورفاقه دروب الحرية من خلف القضبان .

انهم الاسرى  رجال الزمان والمكان ينيرون عتمة السجون، ويكتبون زمناً جديداً من خلف أستار المجهول،

إنهم الأكثر اشراقاً والأكثر عطاء وتضحيات .

قد يعجبك ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *