لم ترتبط مدينة في العالم باسم شاعر كما ارتبطت مدينة () باسم شاعرها () أو () الحمصي الذي صنع من حياته وشعره أسطورة عربية ترددّت أصداؤها في كل الأمكنة والأزمنة ، وكانت الشخصية القلقة لهذا الشاعر مثار الكثير من الأقاويل والحكايات والقصص لغرابة أطوارها وتناقضاتها السيكولوجية، وربما كان الوصف الذي أطلقه () على نفسه وهو (جنيّ في صورة إنسان) هو الوصف الأدق لهذه الشخصية المميزة الغامضة والمحيرة إلى أبعد حدود الحيرة، فقد عاش () حياة لا تعرف المهادنة أو الحلول الوسط ، بل تعج بالمتناقضات، فمع حدة طباعه ونزقه كان الشاعر الرقيق المبدع، لكنه أيضا هجّاء سليط اللسان فور المساس به، ومع اضطرابه وقلقه نراه العاشق المتيم الرومانسي ، لكنه قاتل لمن يحب لمجرد الشك فيه.

كل هذه التناقضات الغريبة لم تُقصه عن أن يحتل مكانة مرموقة بين شعراء عصره   وعلى الرغم من أنه– كما قيل – لم يغادر مدينته (حمص) إلا في حالات نادرة ، ولم يقصد بلاطات الخلفاء والأمراء مادحاً ، فإن شهرته تجاوزت (حمص) فعمت كل بلاد الشام والعراق ومصر ، وكان بيت (ديك الجن) في حمص الذي يقع في حي يسمى اليوم (باب الدريب) مقصداً لكبار شعراء عصره . فقد زاره (دعبل الخزاعي) و قال عنه : (إنه أشعر الجن والأنس) ، كما زاره (أبو النواس) وهو في طريقه إلى (مصر) ، وله معه قصة طريفة ، حيث يروى أن (أبا النواس) عندما اجتاز (حمص) قاصداً (مصر) لامتداح (الخصيب) وسمع (ديك الجن) بوصوله فاختبأ خشية أن يرى فيه (أبو النواس) قصوراً، فقصده هذا في داره وطرق الباب ، فقالت له الجارية: ” إن سيدها ليس في المنزل” فعرف (أبو النواس) الدسيسة فقال لها : “قولي له اخرج فقد فتنت أهل بقولك:

مورَّدة من كف ظبي كأنما

تناولها في خده فادارها

 

فلما سمع (ديك الجن) ذلك خرج إليه ، وأضافه أياماً معدودات ، وكان   (أبا تمام) وهو مَنْ هو في مسيرة الشعر العربي واحداً من تلاميذ (ديك الجن) النجباء . طّور مذهب أستاذه صاحب المدرسة الشامية في قول الشعر ليصبح بدوره أهم علم من أعلام البديع ، ويذكر (د. فريد وجدي) في ( دائرة معارف القرن العشرين) الجزء الرابع- ص104 : “أن ديك الجن أعطى أبا تمام درجاً فيه قصائد من شعره وقال له ما معناه: تكسّب بهذا وأعمل على منواله”. فقد توسم فيه ديك الجن انه سيكون شاعراً فحلاً . كذلك جاءه (البحتري) ليتتلمذ عليه ، كما ورد في (وفيات الأعيان) للمؤرخ (ابن خلكان) .

وقبل أن نجول في عالم هذا الشاعر الاستثنائي في قافلة شعراء العرب ، ونترسم ملامح علاقته بمدينته حمص نتعرف على ترجمة ديك الجن من خلال بعض المصادر التي أرخّت لمسيرته وحياته ومكانته الشعرية .

 

(ديك الجن) الحمصي هو (عبد السلام بن رغبان) من قبيلة (تميم) وقد أسلم جده الأعلى في صدر الإسلام على يد (حبيب بن مسلمة الفهري) ، أصله من (سلمية) ومولده في (حمص) سنة (161 – 235 هـ / 777 – 849 م) ولم يفارق ديار الشام منتفعا بشعر ولا متصدياً لأحد .

 

[ شمس القصور ]

كان (أبو الفرج الأصفهاني) أول من قدم في كتابه (الأغاني) حكاية (ديك الجن) مع جاريته (ورد) في قالب قصصي مشوق معززاً روايته ببعض شعره ، كما وثّق حكايته بذكر المصدر الذي نقل عنه وهو كتاب (محمد بن طاهر) الذي نقل بدوره عن (أبي وهب الحمصي) وهو ابن أخ (ديك الجن) الذي قال عن عمه : “كان عمي خليعاً ماجناً عاكفاً على القصف واللهو ، متلافاً لما ورث عن آبائه ، وكان له ابن عم يكّنى أبا الطيب ، يعظه وينهاه عما يفعله ، ويحول بينه وبين ما يؤثره من لذائذ حتى هجاه ديك الجن فعدل عن عذله” .

اشتهر (ديك الجن) بحب الجارية النصرانية (ورد بنت الناعمة) وتمادى به الأمر ، وغلب عليه هواها فدعاها إلى الإسلام ليتزوجها فأسلمت لمحبتها له وفيها يقول :

انظر إلى شمس القصور وبدرها

وإلى خزاماها وبهجة زهرها

وردية الوجنات يختبر اسمها

من ريقها لا ما يحيط بخبرها

 

وذات يوم رحل (ديك الجن) إلى (سلمية) يلتمس مساعدة (أحمد بن علي الهاشمي) أقام عنده مدة طويلة ، أذاع خلالها ابن عمه (أبو الطيب) أن امرأة (ديك الجن) خانته ، فعاد إلى (حمص) ليتحقق من الخبر ، أرسل ابن عمه من زعم أن امرأته أحبت أحد غلمانه ، ودسّ الرجل الذي رماه بها، وقال له : إذا قدم عبد السلام ودخل منزله تقف على بابه ، وكأنك لم تعلم بقدومه ، وناد باسم ورد ، فإذا قال من أنت فقل فلان .

فلما نزل (عبد السلام) منزله وألقى ثيابه سألها عن الخبر أجابته جواب من لا يعرف من القصة شيئاً ، وبينما هما في ذلك قرع الرجل الباب فقال له : من هذا ؟ فقال : أنا فلان . فقال لها (ديك الجن) : يا زانية زعمت أنك لا تعرفين من هذا الأمر شيئاً ، ثم استل سيفه وضربها به فقتلها ثم أحرق جثتها . وتذكر الروايات أن (ديك الجن) صنع من رماد جثة محبوبته كوزاً ظل يشرب فيه مدى حياته . وفي هذا السياق يقول (د شوقي ضيف) : “ليس من شك أن أروع أشعار (ديك الجن) ما نظمه في بكاء صاحبته متحسراً نادماً كما لم يندم أحد “.

 

[ ديوان ديك الجن ]

ورغم كل ما وصلنا من شعر منسوب إلى (ديك الجن) إلا أن ديوانه الكامل ظل مطوياً متناثراً في بطون كتب التراث ، إلى أن انتدب في العصر الحاضر ثلة من أفاضل العلماء لجمعه فنشر الأستاذان (عبد المعين الملوحي) و (محي الدين درويش) ديوان (ديك الجن) الحمصي الذي طبع في حمص 1960 م . ثم أعادت طبعه (دار طلاس) في دمشق في عام 1984 م مصدراً بمقدمة للأستاذ الراحل (أحمد الجندي) ثم تلاهما الأستاذان (أحمد مطلوب) و (عبد الله جبوري) فنشرا (ديوان ديك الجن) الذي طبع في بيروت عام 1964 م . وقد جعل الأستاذان (مطلوب) و (الجبوري) عمود عملهما مخطوطة الشيخ (محمد السماوي) ت 1950 م التي جمع فيها شعر (ديك الجن) وسماها: (الملتقط من شعر عبد السلام بن رغبان – ديك الجن) وأكملا ما فاته مما عثرا عليه في المصادر المختلفة . ثم قام الأستاذ (مظهر الحجي) بنشر (ديوان ديك الجن الحمصي) في دمشق عام 1987 م ضمن سلسلة أحياء التراث التي تصدرها وزارة الثقافة السورية .