بعد الضجة التي أحدثها “ربيع بودن”.. لماذا يتناسى التونسيون أن “شعب الويو” انعكاس لتيه الشباب وإحباطه؟

0

أثارت حادثة الإستقبال الكبير لربيع بودن الناشط التونسي على مواقع التواصل الإجتماعي، ردود أفعال متباينة، بسبب ما اعتبره البعض “تفاهة” المستقبلين لشخصية “قليلة الحياء” عرفت بفيديوهاتها البذيئة.

الإستقبال الحافل لربيع بودن، وما حدث يوم الإثنين الماضي داخل مطار قرطاج الدولي، أثار دهشة كثير من النقاد والفنانين والإعلاميين وغيرهم كثير، فـ”بودن” ليس أكثر من ظاهرة “فايسبوكية” “يوتيوبية” تعبّر عن الكبت الذي تعيشه في داخلها، بفيديوهات ملؤها الكلام البذيء والعبارات الخادشة للحياء وصولا إلى سب الله في أكثر من مناسبة، فلماذا هذا الإستقبال الكبير لشخصية كان من الأجدر تجاهلها؟

في حقيقة الأمر كنت من المتفاجئين بهذا الإستقبال الكبير لنجم “اليوتيوب” التونسي المقيم في ألمانيا، فرغم كل ما سمعته عنه خلال الأشهر الماضية من قبل أصدقاء مقرّبين، لم أكن أتصوّر ولو للحظة أن “بودن” سيصبح ظاهرة تستحق قطع المسافات البعيدة لمشاهدته والتقاط صور تذكارية معه عند خروجه من البوابة الرئيسية للمطار مصحوبا بحماية أمنية.

” يا سادة ليس ظاهرة صوتية أو مرئية فقط، إنما هو مرآة لواقعنا المرير الذي نعيشه، فهو ابن الشعب ويعبّر عن هموم فئة كبيرة من الشباب، فالكلام البذيء الذي يتفوّه به ويُمتع من خلاله سامعيه ومتابعيه، ليس مستوردا من الصين أو صنيعة ألمانية، بل هو نتاج ثقافة مجتمعية سائدة إن لم نقل رائدة في الوسط الشعبي التونسي.

عندما عجّ المطار بالمستقبلين لـ”بودن”، وضجّ الحاضرون المنتظرين استقبال أقربائهم وأصدقائهم من سوء أدب محبي “ربيع” الذين رتّلوا ما شاء لهم من الأغاني والأهازيج المليئة بالألفاظ الخادشة للحياء، تأكدت بما لا يدع مجالا للشك أن “ربيع بودن” عقلية وليس ظاهرة صوتية، فالرجل علّم “الويو” لأجيال تربّت على “التيت” و”التيت التيت” لسنوات طويلة، نتيجة الفراغ الأخلاقي الذي تعيشه بلادنا لعقود طويلة من الزمن.

من جهتي، ليس لي مشكل شخصي مع “ربيع بودن”، بل أعتقد جازما أن عفوية الرجل ونجاحه في نقد كثير من الظواهر السائدة في المجتمع التونسي والألماني، مكّناه من تبوّئ مكانة هامّة لدى شريحة هامة من الشباب التونسي ذكورا وإناثا، حتى أنهم تسابقوا وتزاحموا ولم يتراحموا فيما بينهم، من أجل تقبيل “بودن” ولما لا التبرّك به.

إن غياب المرجعيّة والقدوة لدى الشباب التونسي في كل المجالات بدون استثناء، جعل من “ربيع بودن” و”جلال بريك” و”العنقور” وفي وقت من الأوقات “منجية جلابط”، قدوات يتنافس البعض لحفظ “كلامهم” والتغنّي به متى ما سنحت الفرصة لذلك، حتى وصل بهم الأمر إلى إدراج بعض أقوالهم في خانة الأمثلة الشعبية على غرار “الثعلوبة” و”الويو” إلخ…

لنعترف أيها السادة عن حقيقة يحاول البعض تغييبها، فعندما يتجاوز بعض فيديوهات “ربيع بودن” حاجز الـ400 ألف مشاهدة، متغلبا بذلك على فنانين وإعلاميين ومسرحيين كبار، فمن حقّ بعضهم أن يشعر بالغيرة ويستل سيفه ويهاجم أحباء “بودن”، ويصفهم بأبشع الأوصاف ناعتا في الوقت نفسه قدوتهم ومرجعهم بـ”التافه” و”المنحط” والـ”مش متربي”، في حين كان من الأجدر بهم أن يتركوا “شعب الويو” وشأنه، فمن حقّه أن يختار قدوته بعد أن داس “ساسة” بلاده و”نخبها” كرامته وكذبوا عليه لسنوات طويلة.

الشباب الذي استقبل ربيع بودن مثقف ومتعلّم، ومن حضر الحفلات التي أقيمت على شرفه في أماكن متفرقة من البلاد ليسوا فقراء أو جهّال، بل بعضهم من علية القوم، أرادوا الترفيه عن أنفسهم والخروج من “اليومي” عبر الإستماع لناقد ساخر، يعبّر عن همومهم ومشاكلهم التي أسفرت الخصومات السياسية والحرب الإيديولوجية بين أبناء الوطن الواحد، عن تفاقمها ووصولها إلى طريق مسدود.

كان من الأجدر على وزيرة الشباب والرياضة التي أشرفت على تنظيم مؤتمر شبابي فاشل قبل أكثر من أسبوع، أن تستضيف “ربيع بودن” للحديث مع الحاضرين وإمتاعهم ومؤانستهم والحديث عن همومهم بدل دعوة “نخب” و”مثقفين” لا يعبرون عنهم ولا يمثلونهم، يتحدثون بلغة صعبة ويستخدمون في طرحهم الفكري والعلمي مصطلحات أكاديمية معقّدة حتى يقول الحاضرون إنهم “علماء” و”بلغاء” و”أدباء”، على عكس “ربيع” ابن الشعب وحبيب الآلاف.

في الأخير فإن “ربيع بودن” يمثّل فئة هامة من الشباب التونسي المسمىّ بـ”شعب الويو”، وربّما الصدمة التي تلقّاها البعض نتيجة مشاهدتهم للطوفان البشري الذي استقبله والضجة التي أحدثها مجيئه إلى تونس، لا تعدو أن تكون محاولة يائسة منهم لرسم صورة مغايرة عن واقعنا الذي نعيشه وعن شبابنا التائه وسط غياب المرجعيات، مقابل شبه إجماع على أن “شعب الويو” سيلفظ “ربيع ويو” مثلما لفظ “العنقور” و”جلال بريك” متى ما حلّ محلّه نجم “يوتيوبي” أو “فايسبوكي” آخر.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.