العربية السعودية .. تغيير رشيد هادئ متوازن ينتج دولة أصيلة عصرية وقوة إقليمية تصبو للعالمية (2)

0

ما من نظام في العالم وعلى مر التاريخ إلا ويُقيّض له ما يُعيبه ويشينه ، حتى ولو قطع على طريق الكمال أشواطاً بعيدة ، حتى الدول والأمم التي ساسها الرسل والأنبياء لم تسلم من النقض والانتقاض والانتقاص ، ولا يعيبك من يقيّمك ويقوّمك ، فهو يرنو لأن يراك دون عيوب وقرين الكمال ، ولكن ما يضير أن ينتقدك من لا يريد إلا أن يراك في أسوأ الأحوال ، ولا يعجبه منك أي حال ، فهذا لا يريد أن يراك على الإطلاق ، ولا يرغب في وجودك ضمن الأحياء .

تابعت الكثير من معارضي النظام السياسي في المملكة العربية السعودية من كافة التوجهات والاتجاهات ، ولم أقف على رؤية منهجية تقيّم وتقوّم ذلك النظام ، لكي يتجرد من مثالبه ، ثم يبدو قوياً معافاً ، ولكني وقفت على تهويمات وأراجيف تفتقد المنهجية وتفتقر إلى الجدية وكثيراً إلى الصدقية ، ولا ترغب إلا في التشويش والتشويه ، والمفارقة التي جذبتني للكتابة والبحث في هذا الموضوع ، هي أن من ينتقض وضعاً أو سلوكاً للنظام اليوم ، قد ينتقد عكس هذا الوضع أو السلوك غداً إذا استجاب النظام وعكس الوضع أو السلوك ، كذلك لا حظت أن هناك من يعارض النظام ، ومن يعارض من يعارض النظام ، وهناك من يعارض النظام والمعاضة معاً ، وذلك موئله انعدام الخبرة والهدف من المعارضة وغياب المنهجية .

بالرغم من كل ذلك أقول أن كل ما قدمت هي أمور تحدث في كل دول العالم وتواجهه كل الأنظمة السياسية ، لكن المهم كيف يواجه النظام السياسي السعودي هذه البلبلة والتشويش ، هل التفت لذلك ، وانصرف عن هدفه ومنهجه ، أم استفاد من هذا الغث واستخلص السمين ، وماذا حقق وهو يتقدم على طريق هدفه الأساس في الترقي بمواطنيه وبدولته مقدراً حقق التقدير تبعات المملكة كدولة قائد إقليمياً ، وتبحث عن مكان في مصاف الكبار عالمياً .      

الفرع الثالث : نظام سياسي يطوّر نموذجه الإسلامي مع المتغيرات والمستجدات :

في جبلتنا نحن العرب طابع الإحباط والتثبيط ، والإساءة وقلة الحياء في النقاش ، وفقدان القدرة على إدارة الحوار ، وغياب الرؤية المنهجية العلمية ، نسعد عندما نفشل ، ونغبط أنفسنا على الإخفاق ، لا نعرف كيف نشجع تجاربنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية على النجاح ومواجهة الأزمات والانتصار عليها ، أسلوبنا في التقييم والتقويم هو الكيدية والنكاية والتشفي.

سجلت إعجابي أكثر من مرة بتجربة دولة قطر السياسية والاقتصادية ، فانهالت علي اللعنات ، لا أدري لماذا ؟!! وها أنا ذا أسجل إعجابي بتجربة العربية السعودية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، ومستعد لكل اللوم واللعنات ، أنا أكاديمي أطبق ما توصلت إليه من أفكار وطروحات بشكل أكاديمي علمي على تجارب واقعية ، نقوم بتقييمها وتقويمها ، ولا يربطنا بها إلا هذا العمل الأكاديمي ، وبالرغم من ذلك لا نسمع إلا الهمز واللمز !!

لعلي أبتدر هذه الجزئية المهمة والحساسة من تجربة العربية السعودية السياسية بلفت الانتباه وتوجيه الإدراك إلى جملة من الضغوط القوبة التي يواجهها النظام السياسي السعودي داخلياً وإقليمياً وعالمياً ، ويقيني أن النظام السياسي السعودي قد قام بعملية تحديد وتوصيف علمية منهجية موضوعية واسعة النطاق للأزمات والتحديات التي يواجهها .

ليس ذلك فقط بل أظن أن النظام السياسي السعودي قد قام بعملية توصيف دقيق وشفاف للمتغيرات والمستجدات الداخلية والإقليمية والعالمية التي يواجهها من خلال الاعتماد على مراكز بحثية دقيقة وشفافة وعلمية ومنهجية تمده بالمشورة ولا تعرف المجاملة أو المداهنة .

أولاً : على المستوى الداخلي يواجه النظام السياسي السعودي ضغوطاً شديدة تطالبه بمتطلبات محددة :

أ : تطالبه بأن يفسح المجال لحرية التعبير للآراء والرؤى المتعددة والمتنوعة لأجيال الشباب ، وكذا للأجيال المتقدمة في السن التي ترغب في التعبير عن رؤى ونصائح مهمة ، وفي طروحات كلا الفريقين ما يمتص الاختناقات بشكل مستمر ، ويفرغ الجعبة باستمرار من السهام التي إذا لم تصب تقلق .

ب : تطالبه بأن يهتم بمشاكل الحياة اليومية الأكثر تأثيراً في حياة الناس مثل المسكن والوظيفة والدخل الذي يحقق نطاق الغنى وفق الطرح الإسلامي ، والاهتمام بتحسين أداء البنية التحتية ، وفي مقدور النظام السياسي السعودي أن يحتوي هذه المشاكل بسهولة لأنه يملك مفاتيح حلها .

ت : تطالبه بأن يهتم بالمرأة وينظر في مطالبها وما تصبو إليه من حياة طيبة في مجتمع وقور محافظ أصيل ، ولكنه في ذات الوقت معاصر يعايش تطور الإنسانية دون خروج على العرف والتقاليد وقيم الدين الحنيف .

ث : تطالبه بأن يوازن في دقة ومهارة بين الأنساق القيمية والأخلاقية لدولة عريقة أساس وجوهر نظامها إقامة شرع الله ، وبين واقع يدفع بالمجتمعات البشرية دفعاً نحو التطور الجامح في اتجاهات وتوجهات لا تخلو من الخروج على المألوف وتخدش أصيل القيم وتجرح عريق الأخلاق والفضائل .

وعلى هذا المستوى يملك النظام السياسي السعودي مهارة فائقة لا يملكها نظام آخر في معالجة هذه المطالبات ، التي نؤكد أنها لا تكاد تذكر ، مقارنة بمتطلبات وهموم أنظمة سياسية أخرى في المنطقة وفي العالم ، وله في ذلك وسيلتان :

الوسيلة الأولى : عدم الانزعاج من المعارضة لأنها في كل الأحوال تكثف الضوء على نقاط الضعف ومكامن العجز حتى ولو كانت مشوشة ، ومن ثم فيجب متابعة ما تفرزه ودراسته وتحليله بدقة ومواجهته بشكل منهجي علمي .

الوسيلة الثانية : الحفاظ على منهج التقدم والترقي ، الذي يجمع بين الحفاظ على الأصيل وتنقيته من الشوائب ، واختيار القيّم الثمين من المعاصر ، وهذا المنهج لا تملكه إلا العربية السعودية ، لخصوصية وضعها كدولة محافظة عريقة ، تبذل كل جهدها من أجل الحفاظ على شِرعة القرآن ومقدساتها المشرّفة . 

ثانياً : على المستوى الإقليمي : يواجه النظام السياسي السعودي على هذا المستوى عدة إشكالات تحتاج منه إلى المثابرة والمواجهة بشفافية :

أ : هناك مشكل المواجهات والمناكفات داخل مجلس التعاون لدول الخليج العربية ، والذي ينازع المملكة بشكل مستديم مكانتها الإقليمية والإسلامية ، وبحاول التشويش عليها وإبعادها عن أهدافها .

ب : هناك الضغوط من نظم عربية منافقة ، تحسد المملكة على مكانتها ، وتسيئ إلى علاقتها بقوى عالمية ، وتكشف ظهرها في مواجهة المكائد .

ت : هناط الضغوط الإيرانية التي تريد أن تسلب من العربية السعودية مكانتها الإقليمية والإسلامية ، بل وتحاول إضعاف الجبهة الداخلية ، بإشاعة أجواء الفوضى والاضطرابات وعدم الاستقرار .    

ويقيني أن كل هذه الضغوطات ليست بخافية على النظام السياسي السعودي ، وأنه قد أعد العدة للمواجهة وهو بصدد ذلك .

ثالثاً : على المستوى العالمي : على هذا المستوى ثمة ضغوطات تحتاج المزيد من الجهد في مواجهتها :

أ : هناك ضغوط من روسيا بالتحالف مع إيران لإرهاق الاستراتيجية السعوية في الخليج العربي والشرق الأوسط ، والدخول إلى ذلك من مداخل متعددة ومرهقة استراتيجية وأمنية وعسكرية وسياسية ومذهبية إلخ .

ب : هناك الضغوط الغربية المشوشة والمترددة ، والتي تفتقد إلى الاتساق والمنهجية ، إذ أنها لا تنصف المملكة ولا تدعمها ، بل تحاول أن تربك سياستها بخلط الأوراق وإثارة أجواء من البلبلة والضبابية وعدم وضوح الرؤية مثل قانون جاستا !!

ت : هناك الأراجيف والترّهات التي يثيرها الغرب حول اقتصاد المملكة ، وما يروجونه حول ضعف الاقتصاد السعودي ، والتشكيك في إمكانية نجاح الخطة السعودية من أجل تنويع القاعدة الاقتصادية .

ث : هناك الضغوط التي تباشرها الأمم المتحدة بإيعاز من قوى دولية إقليمية وعالمية حول انتهاك حقوق الإنسان في اليمن ، وتبني ودعم الإرهاب الدولي ، ومحاولات الضغط على المملكة لإجبارها على التخلي عن إقامة شرع الله بإقامة الحدود الشرعية كالقصاص وحد السرقة والرجم .

إن النظام السياسي السعودي لديه من الآليات ما يمكّنه من درس وتحليل هذه الضغوط والتحديات ، وكشف ما يقف وراءها من نكاية وكيدية ، ومواجهتها بثقة واقتدار وتمكن ، والمضي قدماً في طريق التقدم والترقي كنموذج لدولة أصيلة معاصرة .              

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.