من بينهم راهبة ومغنّ وزوجة سيناتور.. مليون إسم ” إرهابي ” على لائحة الـ” سي آي إي ” !

0

“خاص- وطن”-كتب نبيل أبو جعفر- مع اقتراب ولاية أوباما على الإنتهاء، لا أحد يجزم بما يمكن أن تُفصح عنه الملفات المسكوت عنها بعد رحيله من أسرار وأرقام ومفاجآت، لم تأخذ طريقها لوسائل الإعلام في عهده الذي تميّز بانطلاق عصر “متطوّر” من منظمات الإرهاب ووسائلها الأكثر خطورة وإجراما من سابقيها .

 

فإذا كانت إدارة سلفه بوش قد طالَعَتنا في الأيام الأخيرة لولايته الثانية ( أواخر عام 2008 ) بما في جعبتها من بعض الأسرار عن شخصيته وحروبه, فقد طالعتنا أيضا بإحصائيات تتضمن معلومات مثيرة للسخرية حول حجم الإرهاب بالأرقام والأسماء ، مع أنه لم يكن بهذا المستوى الإبادي الذي نشهده في عهد خلفه . بانتظار ما ستكشفه الأيام القادمة من قِبَل إدارة أوباما، دعونا نقرأ بعض ما فاجأتنا به مخابرات “الدولة الأعظم” في وثائقها الرسمية.

 

من أبرز ما أتحفتنا به إدارة بوش في حينه أنه من بين الـ” 950″ تصريحا أميركيا كاذبا التي صدرت عن أركان هذه الإدارة استنادا إلى الإحصاءات الرسمية, هناك حوالي النصف تدور حول الإرهاب والتصميم على ضربه كهدف أساس من أهداف الإدارة، ولكن السؤال الذي غاب عن أذهان المتخصصين بعد حوالي سبع سنوات من تجنيد الدولة الأقوى كامل قوتها وميزانيتها وتحالفاتها لتحقيق هذا الهدف الذي تقرر عشية 11 أيلول/ سبتمبر 2001: إلى أين وصلت الحرب ضد الإرهاب ، وماذا حقّقت من نتائج على الأرض ؟

 

لن نذهب بعيدا في الإجابة على ذلك باستعراض الحقائق الكبرى التي كشَفت على ألسن الساسة ووسائل الإعلام كيف قويت شوكة المنظمات التي تصفها الإدارة الأميركية بالإرهاب ، وكيف ” فرّخت ” منظمات أحدث في أساليب الإبادة الجماعية لأبناء أمتها وملّتها كداعش وغيرها .

 

بل سنكتفي بالأمثلة اليومية والبسيطة التي تداولتها وسائل الإعلام الأميركية عن ألسن الناس العاديين، والأميركان بشكل خاص، لأنها تُعطينا حتى دون إحصاءات وتحليلات الجواب الشافي من أفواه الذين مازالوا يعانون من تبعة “الحرب ضد الإرهاب”.

 

غرائب وتجنّيات لا تُصَدّق!
في خبر حول هذا الموضوع وزّعته وكالة الأنباء الفرنسية يوم الإثنين 21 تموز/يوليو من العام 2008 ، أي قبل ثلاثة شهور من انتخاب أوباما ـ تساءلت فيه : “ما هو القاسم المشترَك بين راهبة كاثوليكية وقائد طائرة والمغنّي كات ستيفنز؟” وأجابت على ذلك بالقول : ” لا شيء ، سوى أن أسماءهم مُدرَجَة من بين مليون إسم على لائحة مكافحة الإرهاب الأميركية ” ، وهي اللائحة التي يُفتَرَض أن تضم أسماء الإرهابيين الحقيقيين ، أو المشتَبه جديا في ضلوعهم مع الإرهاب ، والتي تضخّمت بشكل هائل منذ ، وأصبح ممنوعا بموجبها على الكثيرين ممن لم يرتكبوا أي إثم ركوب الطائرات ، وفق ما أعلنتهُ الجمعية الأميركية للحريات المدنية التي أكدت أنها حصلت على هذه المعلومة من تقرير لوزارة العدل، أعدّه مركز مراقبة الإرهاب وهو فرع في مكتب التحقيقات الفدرالي ( إف بي آي ) ، وأن هذا المركز هو الذي يقوم بتزويد لائحة المُرَاقَبين التي أصبح عدد أعضائها يرتفع شهريا بما معدّله عشرين ألف إسم!

 

هذا بشكل عام ، أما الأمثلة المحددة فتقول ـ على سبيل المثال ـ أن الراهبة غلين آن ماكفي السكرتيرة السابقة في المؤتمر الأميركي للأساقفة الكاثوليك قد وجدت اسمها في هذه اللائحة ! ولدى الاستفسار والمراجعة إثر سلسلة طويلة من التحقيقات معها اكتشفت أن أفغانيا يُلَقّب بنفس اسم عائلتها ، فاضطرت إلى إدخال وسيط لدى بوش شخصيا كي يجري شطب اسمها من لائحة الإرهاب.

 

أما المغنّي الشهير كات ستيفانز ، الذي اعتنق الإسلام وأصبح يُعرَف باسم يوسف إسلام ، والذي لا وجود لاسمه في ملفات الارهابيين أو المشتبه بعلاقتهم مع الإرهاب ، فقد تم منعه من دخول الولايات المتحدة بعد أن جرى إبعاده ذات مرة من حيث أتى . وأكثر من ذلك ، عانت زوجة سيناتور أميركي من مشاكل إثر منعها من ركوب الطائرة ـ وفقا لمعلومات الجمعية الأميركية للحريات المدنية ـ لأنها تحمل نفس إسم المغنّي كات ( أي كاترين ) ستيفانز.

 

والأغرب من هذه الأمثلة التي يطول سردها ، فهي قصة الطيّار روبرت كامبل الذي قضى حوالي رُبع قرن في مهنة اختراق أجواء العالم . ومع ذلك وجد نفسه على لائحة الممنوعين من ركوب الطائرة كراكب عادي ، وقد صرّح في لقاء تلفزيوني معه بالقول أنه طيّار ويحمل رخصة قيادة ولكنه ممنوع من السفر كراكب على الطائرات مثل سائر الناس! والمحيّر في الأمر أنه لا يفهم سبب ذلك رغم أن سجله نظيف وقد عمل لفترة في البحرية الأميركية.

 

هنا يبدو من المنطقي القول: إذا كان مثل هؤلاء الأشخاص ( الراهبة والمغني والطيار وزوجة السيناتور ) تجري مضايقتهم إلى هذا الحد ، وتُسَجَّل أسماءهم في قوائم الإرهابيين والممنوعين من السفر ، أو دخول الولايات المتحدة أو ما شابه . فكيف يمكن أن تكون أوضاع باقي بني البشر من الجنسيات الأخرى والسِّحَن المختلفة؟

 

خلط الأوراق في سلّة “الإرهاب”!
مجلّة الإيكونوميست البريطانية حاولت إلقاء الضوء على هذا الموضوع من زاوية طرح موضوع الارهاب بشكل عام ، فخصّصت ملفا في أحد أعدادها الصادرة في شهر تموز/ يوليو 2008 يستعرض كشف حساب السنوات السبع الماضية من الحرب ضد الإرهاب ، خلُصَت فيه إلى القول أن تنظيم القاعدة قد تمكّن من توسيع دائرة الإرهاب وتحويله إلى ظاهرة عالمية ، وأن نتيجة الحرب الأميركية العالمية التي استهدفت القضاء عليه لم تنجح ولم تُحقق أي نتيجة ، بل على العكس ارتأت الإيكونوميست أن إرهابيي القاعدة بدأوا العمل جدّيا في تطوير الأسلحة غير الكيميائية أو البيولوجية أو ما أسمتها بالقنبلة القذرة التي تُطلق سحابة من الإشعاع المدمّر.

 

وفي رأي هذه المجلة أنه إذا كانت القاعدة تتميّز عن غيرها بأنها عالمية تتواجد هنا وهناك ، انطلاقا من اعتقادها أن التحالف الصهيوني ـ المسيحي المحافظ في الغرب يعمل دوما على ترسيخ وجود أتباعه المحلّيين ، ويضع ثقله للحؤول دون سقوطهم ، لذلك فإن الحل بالنسبة لها يكمن في ضرب رأس هذا التحالف في عقر داره ـ أي الولايات المتحدة ـ لردعها ودرء شرورها.

 

وعليه ، إذا كانت القاعدة تتميّز عن غيرها بهذه العالمية فإن تنظيمات “إرهابية” أخرى ، لم تخرج عن إطارها المحلّي ولم تسعَ لأن تكون عالمية مثلها ، كي لا تجلب لنفسها عداء الآخرين وتفقد التأييد السياسي لها . وذكرت بالاسم منظمة حماس دون أن تشير إلى أنها تنظيم مقاوم ولم يُمارس الإرهاب . لكنها ، ومع ذلك لم تترك فرصة طرح هذا الموضوع تَمُرّ دون أن تُمَرّر خلاصة ما تريد التعبير عنه فقالت ” … أما الفلسطينيون فيسعون إلى ضرب أكبر عدد من المدنيين الإسرائيليين “!

 

رأي العساكر والمخابرات
إذا كان ما سبق إيراده من أمثلة يعكس ما أصاب بعض الناس من رذاذ المعركة الأميركية المفتوحة ضد الإرهاب . فما هو رأي الذين يتولّون مهمة تنفيذ قرار ملاحقة هذا الإرهاب من العساكر وعسس المخابرات؟

 

جيفري ريكورد، الأستاذ في معهد الحرب الأميركي كتب حول هذا الموضوع ناقلا صورة عن قناعات بعض كبار الضباط داخل قيادة الأركان الأميركية بقوله : ” إنهم يرون أن خطأ الإدارة بالخلط بين القاعدة ونظام صدام حسين كان الخطأ الاستراتيجي الأبرز في هذه الحرب بنتائجها المأساوية وخسائرها المادية . وكشف ريكورد عن أن مشاة الجيش الأميركي أصدروا تقريرا قبل شن هذه الحرب توقّعوا فيه أن تغوص أميركا في الوضع العراقي وتتحقق هذه الحالة إذا قامت باحتلال هذا البلد.

 

ومثل هذه الآراء والانتقادات وجهتها شخصيات كبيرة كانت مسؤولة في أجهزة المخابرات الأميركية ، كقول ريتشارد كلارك الذي قضى ثلاثين عاما في الخدمة بهذا المضمار ، وكان مسؤولا عن مكتب السي آي إي في المملكة العربية السعودية : ” إن الاستراتيجية الأميركية في العراق التي بُنِيت على افتراضات وتوصيات من عصبة المحافظين الجدد هي التي قادت إلى هذه الكارثة التي كان المراقبون المطّلعون يتوقّعون حدوثها في النهاية.

 

خلاصة القول أن الإرهاب في نظر الدولة الأكبر يمكن اختصاره بالعرب والمسلمين، وبما يجري على الأرض الآن ، سواء تعلّق الأمر بعمليات إرهابية طائفية وعرقية وما شابه، أو بعمليات مقاومة حقيقية على طريق التحرير المشروع لكل شعب مُحتّل.

 

وبناء على هذه النظرة أصبح إقتصار الإرهاب على هاتين الأمّتين يُميّز معارك الرئاسة الأميركية منذ بداية تسعينات القرن الماضي وحتى اليوم بالمزايدة بين المرشّحِين ـ من كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي ـ فيما يتعلّق بهذه “القضية” التي غدت تتصدر برامجهم الانتخابية وجولاتهم وخطاباتهم . ففي ذلك الحين سمعنا شتى شعارات الحقد العنصري على لسان المرشح الجمهوري المتشنّج جون مكين ، مع وعد قاطع من قِبله بالعمل على تقديم زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن أمام محكمة نورمبيرغ في حال نجاحه ، مع أن الولايات المتحدة بكل ثقلها لم تكن تعرف وقتها طريقا له ، رغم رصدها مبلغ خمسة وعشرين مليون دولار كمكافأة لمن يُرشد عنه . والكلام نفسه ها نحن نسمع مثله مع شعارات أبشع منه في حمّى المزايدات الانتخابية الدائرة في هذه الأيام على لسان المرشح الجمهوري الأرعن دونالد ترامب الذي يستفزّ أكثرية الأميركان أنفسهم بوعده لهم أن يمنع كل المسلمين من دخول “جنة الدولة الأكبر” إذا ما أوصلوه إلى البيت الأبيض .

 

وهكذا أعطى اقتصار الإرهاب على العرب والمسلمين من قبل الولايات المتحدة إداراتها المتلاحقة حرية أوسع للتحرك على طريق طمس معالم كل ما اقترفته وما زالت تقترفه من جرائم في حروبها الإبادية تحت حجة مكافحة الإرهاب ـ وقبلها أسلحة الدمار التي لم يذكر أحد حتى الآن الإسم الحقيقي للأسلحة التي استُعملت فيها ـ وهي .نفس الحجّة التي تتذرع بها معظم أنظمتنا بغية تركيع شعوبها وإرضاء الذين يذلّونها مع كل طلعة شمس ومغيبها.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.