موقع “نيو إيسترن أوت لوك” يكشف أسباب الانسحاب الأمريكي المفاجئ من اليمن

0

 

يجب أن تبحث في قائمة طويلة من البلدان قبل أن تجد اليمن؛ لذلك لا يهتم معظم الناس إلّا إذا كان لديهم بالفعل علاقة مع هذا البلد، وبالتالي من الأفضل معرفة ما يجري بداخله. الربيع العربي؟ الإرهاب؟ التدخل العسكري الأمريكي؟ الحرب الأهلية؟ اليمن تحتوي على كل ما سبق، شأنها في ذلك شأن الكثير من الدول الأخرى بالمنطقة. وما لم يحدث شيئًا مختلفًا يتصدر العناوين، تأتي اليمن مع بلدان أخرى حيث تحدث الأشياء نفسها.

 

هذا هو السبب في أنَّ اليمن أصبحت نسخة من جورجيا في الشرق الأوسط. أحد الأسباب التي حوّلت الجمهورية الصغيرة في القوقاز إلى عاصمة الحيل القذرة؛ هو أن الناس لا يعرفون أين تقع بلادهم، وإذا أوضحت أنك تشير إلى دولة تابعة للاتحاد السوفيتي سابقًا وليس دولة تابعة للولايات المتحدة، فإنهم يفقدون الاهتمام بما تقوله؛ إذ لا أحد يهتم بالأساس، أو لديه معرفة حول هذا الموضوع، فالكثير من الأشياء التي من المفترض ملاحظتها في أي مكان آخر لا يتم كشفها بسبب اللامبالاة العامة في الغرب.

 

تقع اليمن أسفل القائمة الأبجدية، وكانت دولتين منفصلتين حتى وقت قريب وليس لديها سمة مميزة لدى قارئ الأخبار العامة. هناك دول أخرى سيئة السمعة أو أكثر جاذبية تتصدر عناوين الأخبار، كما هو الحال في جورجيا حيث يمكن أن تفعل القوى الغربية ما يحلو لها لأن لا أحد سيلاحظ ما يفعلونه هناك، على افتراض أنه مشابه لما يحدث في بلدان أخرى.

 

ومع ذلك، هذا قد يكون على وشك التغيير. في أواخر مارس الماضي استولى المتمردون الحوثيون، الذين يسيطرون على العاصمة صنعاء والكثير من البلاد، على مجموعة ضخمة من الملفات. وتزعم الولايات المتحدة أن هذه الملفات تحتوي على تفاصيل عمليات وكالة المخابرات المركزية وأسماء العملاء. وتقول أيضًا إن الحوثيين قد سلّموا تلك الملفات لإيران، الداعم الرئيسي لقوات الحوثيين التي تقاتل الحكومة المدعومة من الولايات المتحدة.

 

ومع اهتمام عدد قليل من الناس بما يحدث في اليمن، فإنَّ الكشف عن أسماء العملاء هناك لن يسبب الحرج للولايات المتحدة لأكثر من بضعة أيام فقط، بل يمكن أن يمر هذا الحادث دون تعليق، أو ربما تنفى الولايات المتحدة وجود مثل هذه الملفات بالأساس، وسيكون التأثير نفسه على الرأي العام. وبدلًا من ذلك، جاء الرد الأمريكي من خلال محاولة سحب كل جندي ودبلوماسي أمريكي من اليمن في أسرع وقت ممكن، خوفًا مما تحتوي عليه تلك الملفات.

 

لا تذكر الولايات المتحدة إيران، الشرير الصامت في العالم الغربي، إلّا إذا كانت تشعر بالخوف بالفعل. إنها خائفة من أن هذه القصة ستجعل العالم ينتبه لما يحدث في اليمن، ومن ثمّ تقويض سبب التواجد الأمريكي هناك. ثمة شيء في تلك الملفات يمكن أن يجعل اليمن دولة ذائعة الصيت على الساحة العالمية، وبناءً على ما نعرفه ثمة شيء واحد واضح في هذا الأمر.

 

رقابة قليلة

في العام الماضي، أشاد باراك أوباما بمجهودات وكالة الاستخبارات المركزية في اليمن ووصفها بأنّها “نموذج” في مكافحة الإرهاب. وكانت شبكة مخابراته الخاصة قد عملت مع حكومة هادي لاستهداف عناصر تنظيم القاعدة في البلاد، وحققت نجاحًا كبيرًا هناك.

 

نحن جميعًا ندرك أنَّ تنظيم القاعدة تأسس من قِبل الولايات المتحدة والمخابرات السعودية لمواصلة سياستها في أفغانستان، وأنها شكّلت برنامج عمل لعدة جماعات إرهابية أخرى أدرجتها في بلدان كان للغرب مصالح فيها. لقد شهدنا على إرسال الأسلحة والجنود لهذه الجماعات، وكثيرًا ما رأينا الشخصيات الأمريكية ذات النفوذ الكبير مثل الرئيس السابق رونالد ريغان والسيناتور جون مكين وهم يتقابلون معهم بانفتاح ويدعمون قضيتهم، ولطالما كان هذا مناسبًا للولايات المتحدة.

 

لذلك، إذا كانت هناك أي دولة تعرف مَن هم الإرهابيون، وأين هم وماذا يفعلون؛ فهذه الدولة هي الولايات المتحدة. ولكن سرقة الوثائق لم يؤد فقط إلى إغلاق السفارة الأمريكية في اليمن، ولكن انسحاب قوات العمليات الخاصة الأمريكية من البلاد. وقد تواجدت هذه القوات نفسها خلال الحرب الأهلية التي أعقبت الربيع العربي، ولكن الآن تشعر بالخطر ومن ثمّ تغادر البلاد حفاظًا على سلامتهم.

 

وقد أوضح البنتاغون السبب الحقيقي وراء رحيل القوات الأمريكية من اليمن. بعد إغلاق السفارة الأمريكية مباشرة، تمّ الإعلان عن اختفاء معدات “مكافحة الإرهاب” تصل قيمتها إلى أكثر من 500 مليون دولار، بما في ذلك المروحيات وطائرات بدون طيار وسيارات جيب.

 

وهذا سيناريو مألوف جدًا لأي شخص يتابع المشاريع العسكرية الأمريكية السابقة. لقد كانت الحرب بين جورجيا وروسيا عام 2008 خير مثال على صراع اختفت فيه كمية كبيرة من الأسلحة الأمريكية في ظروف غامضة، وذلك لأنَّ معظم هذه الأسلحة لم تُستخدم قط في القتال، ولم تصل إلى جورجيا بالأساس. لقد بيعت بالفعل إلى الجماعات الإرهابية في صفقات بوساطة الولايات المتحدة، كما يوضح مقال نُشر مؤخرًا في هذه المجلة من بين مقالات أخرى.

 

قدّمت الولايات المتحدة مساعدات عسكرية مشابهة للعراق، ولكن بكميات أكبر. وأدت مشاركتها الممتدة لفترات طويلة في ذلك البلد “لضمان فعالية تلك المساعدات” من خلال التدريب والدعم، إلى مشاكل داخلية كثيرة. ولم يمنع هذا الدعم صعود تنظيم داعش، بتمويل من النفط الذي يُباع في السوق الامريكية وتسليح من المتدربين الأمريكيين الذين يتحركون من نقطة ساخنة إلى نقطة ساخنة أخرى مع جوازات سفر وهمية.

 

ظلّت الولايات المتحدة في اليمن مع استمرار الحرب الأهلية هناك. وبالرغم من كل النجاحات المزعومة ضد الإرهابيين، إلّا أنَّ الجيش اليمني الذي دربته ودعمته، وقوات العمليات الخاصة لم تتمكن من وقف تقدّم الحوثيين. هل يمكن أن يكون هذا لأنه لم يكن لديهم أسلحة للقيام بذلك؟ هل بسبب أنَّ الملفات المسروقة ستذكر أسماء الموردين و “المستشارين” الذين أرسلوا الأسلحة إلى أوكرانيا وسوريا وجورجيا؟

 

الصالحون والأشرار

لقد استمر التواجد الأمريكي في اليمن حتى الآن لأنها دعمت النسخة المحلية من ثورات الربيع العربي. ووفقًا لمصادر كانت على الأرض في ذلك الوقت، في ذلك الوقت كانت الولايات المتحدة تورّد كميات كبيرة من الأسلحة الصغيرة إلى المقاتلين في بلد يعج بالفعل بالأسلحة، ويحتاج إلى دعم سياسي بدلًا من الأسلحة.

 

وكانت نتائج الربيع العربي هي سيطرة الولايات المتحدة. تمّ استبدال الرئيس علي عبد الله صالح الذي ثار ضده الشعب، بنائبه، المسؤول أيضًا عن جرائم النظام. لم يقدّم هذا الحل ما أراده الشعب اليميني، وبالتالي أجبرت الحرب الأهلية نائب الرئيس على المنفى الداخلي. ولكن تمّ ترتيب كل شيء من قِبل واشنطن، ويمكننا أن نتوقع مردود ذلك.

 

الاتجاه الرسمي الآن هو أنَّ الأسلحة المفقودة نُهبت من قِبل وحدات الجيش اليمني الموالية لصالح الذي انضما إلى الحوثيين بدوافع قومية. ويُروى أنه يستخدم الحوثيين للاستيلاء على السلطة مرة أخرى، على الرغم من أن ما يدفع الحوثيين هي الرغبة في تدمير أي حكومة يهيمن عليها السُنة، مثل تلك التي يقودها صالح.

 

كل منظمة تصف الدوافع القومية بأنها دوافع “إرهابية”. ويتم تجاهل هذه المزاعم حتى تنجح الجماعات المعنية، أو تفوز بدعم الولايات المتحدة. وحينها فقط يتحولوا إلى قوميين ومناضلين من أجل الحرية وليس إرهابيين. يمكننا هنا الحديث عن تشاد عام 1982، عندما أصبحت القوات المسلحة الشمالية الإرهابية هي الحكومة القومية الشرعية التي تدافع عن البلاد ضد الرئيس المخلوع والمدعوم من ليبيا في غضون أسبوع فقط، كما تمّ التعامل مع حركة طالبان بوصفها قوة سياسية عندما بدأت الحكومة الأفغانية، بضغط الولايات المتحدة، التفاوض معهم.

 

إذا تمّ إرفاق كلمة “قومي” مع اتهام صالح بالسرقة والنهب، سيتم منح الرئيس المخلوع مصداقية أكبر مما يعني أنه سيتم إعادة تأهيله أو حتى إعادة تنصيبه في السلطة. وهذا سيجيب عن سؤال أين ذهبت الأسلحة. مع الأسف، يجب على الولايات المتحدة أن تقبل العودة الحتمية لصالح بسبب الأعداد الهائلة من الأسلحة التي تقع تحت تصرفه. حقيقة أنه لا يوجد حتى الآن أي دليل على أنه قد سرق أي أسلحة تسبب إزعاج لن تنساه الولايات المتحدة.

 

وضع كل البيض في السلة الخاطئة

ثمة دليل إضافي على أن الولايات المتحدة تسيطر على اليمن لتهريب الأسلحة إلى الإرهابيين بالطريقة التي أدارت بها حملة “مكافحة الإرهاب” لتبرير تواجدها هناك. وعلى نحو متزايد، استخدمت أمريكا سلاحًا واحدًا فقط – هجوم الطائرات بلا طيار – لمهاجمة تنظيم الدولة الإسلامية والجماعات المحلية التابعة لتنظيم القاعدة، بدلًا من السعي وراء مجموعة الخيارات العسكرية التي ستوفرها لها المعدات الحربية.

 

في يناير عام 2015 اضطر أوباما الدفاع عن استخدام الطائرات بدون طيار، قائلًا بأن البديل كان إرسال قوات أمريكية في المنطقة. لكنه لم يذكر أن جميع الأسلحة والمعدات الموردة، والكثير منها مفقودة الآن، تمّ إرسالها لكي يقوم الجيش اليمني بما ستقوم به القوات الأمريكية في حال انتشارها هناك.

 

وقد أكّد قادة عسكريون أمريكيون أنَّ اليمنيين قادرون تمامًا على التعامل مع هذه الأسلحة، ولكن القرارات السياسية تمنعهم من القيام بذلك. ألم نسمع ذلك مرات عديدة من قبل؟ يترتب على ذلك أن تحتوي قيادة الجيش العديد من المتعاطفين مع الحوثيين أو أنصار صالح، على الرغم من عملية التطهير الجارية منذ الإطاحة بصالح، والتي استبدلت أي شخص لديه مثل هذا التعاطف ويمكن أن يتكرر ذلك في أي وقت.

 

أدت حملة الطائرات بدون طيار إلى وقوع العديد من الضحايا بين المدنيين. وقد أدانت الأمم المتحدة والعديد من السياسيين الأوروبيين تلك الهجمات، وحتى البرلمان اليمني، الذي يقتصر دور أعضاءه على مجرد نقد بنّاء للرئيس هادي، أمر في نهاية المطاف بوقف تلك الحملات. وفي بعض الحالات يعارضون سياسة الولايات المتحدة بشأن عمليات القتل المستهدف، كما أشارت منظمة هيومن رايتس ووتش.

 

تقول الولايات المتحدة الآن إنَّ انسحابها سيتركها من دون اتصالات لإجراء حملة لمكافحة الإرهاب. لذلك، فإنَّ كل المعدات العسكرية المفقودة ستصبح عديمة الفائدة. ومع ذلك، تصر على أنها لا تزال تهاجم أهداف داخل اليمن من خارج البلاد. وهذا يجعل هجمات الطائرات بدون طيار هي الخيار الوحيد، ويفضي الشرعية على الممارسات السرية السابقة، إلى جانب أنَّ أسلحة أخرى، بما في ذلك الأسلحة لمفقودة، لم يعد من الممكن استخدامها.

 

الخاتمة

وبحسب التقرير الّذي ترجمه “موقع إيوان 24″، فقد أدركت الولايات المتحدة حبين دخلت اليمن أنَّ اليمن هي نتاج اندماج اثنين من الدول الحديثة نتيجة للانتفاضات القومية ضد القوى الاستعمارية: البريطانيون في الجنوب، الحماه السابقون لمدينة عدن، والعثمانيون، وبعدهم السعوديون الذين دعموا النظام الملكي المحلي، في الشمال. وأدركت أيضًا أن السبب الرئيسي في حدوث ذلك هو موقف القوى الاستعمارية التي كان اهتمامها الوحيد في اليمن هو استخدامه كنقطة انطلاق لحماية مصالح أخرى أكثر أهمية، وليس حماية مصالح اليمنيين أنفسهم.

 

إذا أرادت الولايات المتحدة الخروج من اليمن، فإنَّ هذا التاريخ سيمنحها كل العذر. فمن الممكن أن يثور السكّان المحليون ضد الهيمنة الأجنبية مرة أخرى. وبطبيعة الحال لا يمكن أن يكون هناك سبب آخر، فقد كان هذا قدر الولايات المتحدة عندما دمّرت سكانها الأصليين في السابق.

 

ولكن الولايات المتحدة ظلّت في اليمن أثناء حرب مستمرة، وهربت حكومتها العملية هناك من العاصمة وأُغلقت السفارة الأمريكية. لكنَّ هذه العوامل لم تجعلها ترحل. ومع ذلك، عندما حصل المتمردون على وثائق المخابرات الأمريكية، سحبت الولايات المتحدة قواتها بالرغم من أن قلة قليلة كانت ستهتم بهذه الوثائق إذا لم تلفت الولايات المتحدة نفسها الانتباه إليها.

 

وفي حالة نشر هذه الوثائق سيكون لدينا دليل من داخل الاستخبارات الأمريكية حول مزاعم من مصادر أخرى. وستصبح اليمن دولة ذائعة الصيت كدولة استولت عليها الولايات المتحدة لتوريد الأسلحة إلى الإرهابيين الذي كان من المفترض أن تحاربهم. وحينها، العديد من السياسيين في العديد من البلدان التي حدث هذا، والعديد من مصنعي الأسلحة الأمريكية والتجّار، سيتنافسون للتضحية ببعضهم البعض لإنقاذ أنفسهم.

 

ألن تهرب لو كنت على خط النار في أي تحقيق؟ عندما لا يكون أمام هؤلاء الذين غادروا اليمن أي خيار سوى التحدث بأنفسهم، سنجد أنَّ العالم قد أصبح مكانًا أفضل، على الأقل لفترة من الوقت.

 

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More