الفساد الشامل المتأصّل في المجتمعات العربية

0

بالرغم من سوء المشهد ، إلا أننا لم نذهل ، لأننا كنا نتوقع عبر أدبيات طرحناها منذ سنوات ، أن المرعى وخيم ، لقد كانت الموبقات والرذائل تستشري في نسيج المجتمع العربي ، فتغتال القيم وتذبح الفضائل على نصب الأنظمة الفاسدة ، وهبت الثورات العربية فعصفت بالغلالة الرقيقة عن سطح مستنقع آسن ، يحوي كل كريه ، قزز العيون ، وزكمت رائحته الأنوف .

إن الأنظمة السياسية العربية لم تحتكر الفساد ولم تحتفظ به ، بل وزعته بسخاء على كل مكونات المجتمع ، فساد القهر والجور ، إن هذه العلاقة الآثمة بين النظام السياسي والمجتمع العربي طالت كل شيئ ، ولم يبرأ منها أحد ، وتعمقت حتى النخاع ، وأصاب العطب مرتكزات المجتمع الثلاثة الأخلاق والفكر والسلوك .

وهاهنا نعود مرة أخرى لنتحدث عن العوامل المحفزة والمثبطة في ذات الوقت ، فالفساد المستشري أوقد جذوة الثورات العربية ، والفساد نفسه هو الذي يحاول إخماد تلك الجذوة ، فكيف ستواجه الثورات العربية هذا الفساد ؟!

أولاً : فساد مرتكزات المجتمع العربي :

يرتكز المجتمع البشري على مرتكزين إثنين يحكمان حالات ثلاث لابد أن يكون عليها في وقت واحد أو في أوقات متباينة ، الحالة الأولى هي الوجود ، والحالة الثانية هي التفاعل ، والحالة الثالثة هي التطور والترقي ، ولكي يمر المجتمع بهذه الحالات عليه تفعيل وتحفيز مرتكزين أساسيين ، المرتكز الأول هو المرتكز الفكري الأخلاقي ، والمرتكز الثاني هو المرتكز السلوكي ، وثمة علاقة تواقف جدلية بين الحالات والمرتكزات ، حيث تؤثر المرتكزات في الحالات بالتحفيز أو التثبيط ، كما تؤثر الحالات في المرتكزات بالتمتين مرتبطاً بالتحفيز ، وبالتفتيت متعلقاً بالتثبيط .

ولقد مرت المجتمعات العربية بأزمات تعثر وتعسر حادة ، في الوجود حيث كانت الأقاليم العربية كلها بمثابة مستعمرات أوروبية ، ثم دول غير سوية وفاشلة ، ثم مرت كذلك بنفس الأزمات في التفاعل ، حيث فشلت كافة تجارب الإنماء والإحداث العربية ، وأخيراً كابدت نفس الأزمات في التطور ، الذي لم يحدث ، فكانت الثورات العربية .

إن أزمات الوجود والتفاعل والتطور التي مرت بها الدول العربية أوهنت المرتكزين الفكري الأخلاقي والسلوكي نتيجة الفساد الذي تغلغل وتجذر في ذينك المرتكزين .

أ : الفساد الفكري والأخلاقي : تجلّى الفساد الفكري والأخلاقي معتملاً مع الأزمات التي ذكرناها في خمسة عمليات متتالية ومترابطة عضوياً ، وذلك على النحو التالي :

(1) عملية الإدراك : الإدراك يعني مجموعة عمليات يقوم بها العقل ، من أجل الإلمام بالشيء أو الأمر والإحاطة به ، وتتطور تلك العمليات من أجل فقه ماهية الشيء أو الأمر ، وفهم كنهه ومعانيه ، وعليه فعمليات الإدراك جميعاً ، تنصب حول الإحاطة بوجود الشيء أو الأمر ، ولا تتجاوز ذلك إلى عمليات متقدمة .

وقد أصيبت هذه العملية لدى العقل العربي بمعوقات ، حالت دون تمكنه من الإحاطة بهويته ، ونتج عن ذلك تشويش وتشويه بالغان في صورة وشكل الذات العربية في العقل العربي ، وقاد ذلك إلى العملية التالية .

(2) عملية الوعي : الوعي يبدأ من حيث ينتهي الإدراك ، والوعي هو استيعاب دقائق الشيء أو الأمر ، وفقه علاقاته بمفرداته ، وفهم علاقاته ببيئته الخارجية ، والقدرة على توقع مستقبله ، ومن ثم فالوعي أكثر تطوراً من الإدراك ، حيث ينطلق إلى فقه التفاعل وفهم التطور.

ولقد تعرضت عملية الوعي في العقل العربي بأهميتها البالغة هذه ، إلى حالة من العطب ، أوقفت قدرات ذلك العقل علي فقه تفاعلات الهوية والذات العربية ، وفهم إمكانيات تطورها ذاتياً ، وفي علاقاتها بأبنائها وبغير أبنائها .

(3) عملية التمسك بالقيم وتفعيلها : نسق القيم له خصائصه وسماته ، والتمسك بالقيم يعني إدراكها ، ثم الوعي بها والشعور الجارف بأهميتها وضرورتها في حياة الفرد والمجتمع ، ثم القدرة على تفعيلها ، أي جعلها ضابطاً ورقيباً للسلوك الفردي والجماعي .

لقد أدى قصور الإدراك والوعي لدى العقل العربي بهويته وبذاته ، إلى غياب الإدراك والوعي بالقيم ، وانتفاء القدرة على تفعيلها كضابط ورقيب للسلوك الفردي والجماعي ، فتعطل الكثير من القيم ، ولم يعد لها وجود في الواقع الاجتماعي العربي ، وانعكس ذلك على العلاقات الاجتماعية والمعاملات والتفاعلات إجمالاً .

(4) عملية التقييم والتقويم والفرز : العمليات الثلاثة المتقدمة المرتبطة بالإدراك والوعي والتمسك بالقيم ، تمثل أساس وجوهر قدرة العقل على التقييم والتقويم والفرز ، فهي بمثابة المعايير التي تمنح العقل القدرة على إبراز قيمة الشيء أو الأمر ، والحكم على صلاحه وجدواه ، وتبيان ما به من اعوجاج وانحراف عن الصواب ، وكيفية إصلاح ورمّ ذلك الاعوجاج والانحراف ، ومن ثم اختيار القويم وائتلافه ، وطرد السقيم وإتلافه .

وهذا بالفعل ما جري للعقل العربي ، فقد تفاعلت النقائص المذكورة سلفاً مع ذلك العقل ، وخربت لديه عمليات الإدراك والوعي بالذات وبالهوية ، ثم هوّنت من تمسكه بقيمه، وأفقدته القدرة على تفعيلها ، وأعقب ذلك تباعاً الافتقار إلى المعايير والمقاييس ، التي تمكّن ذلك العقل من تقييم ما يحيط به ، وتقويم تلك المتغيرات والمستجدات ، وكان ذلك من أخطر تلك المجريات ، حيث بات من السهولة بمكان علي كل دخيل غث ، أن يستبيح حمى المجتمعات العربية ، دون عمليات تقييم أو تقويم أو فرز .

(5) عملية صياغة وبناء وتشكيل الأفكار : العملية الأخيرة التي تبرز تفاعل النقائص مع العقل العربي ، هي عملية صياغة وبناء وتشكيل الأفكار ، وهي العملية الأخيرة التي تترتب على العمليات التي سبقتها ، فالعقل عندما يتوقف لديه الإدراك ، ويتشوه به الوعي ، ويفتقد القدرة على التمسك بالقيم ، وتفعيلها على أرض الواقع ، وعندما لا يستطيع تقييم وتقويم وفرز الأفكار والآراء والطروحات ، تكون نتيجة كل ذلك ألا يتمكن من صياغة وبناء وتشكيل الأفكار ، وهذا عينه ما حدث للعقل العربي الذي مر بعملية تفاعل طويلة وقاسية مع النقائص المذكورة ، حتى انتهى به الأمر إلى عدم القدرة على صياغة وبناء وتشكيل أفكاره المتعلقة بالذات وبالهوية ، التي تمثل بالنسبة له قوام الروح وغذاءالمادة .

ب : الفساد السلوكي :

كذلك تفاعل المجتمع العربي مع النقائص التي أوردناها سلفاً ، وقد تمت تلك التفاعلات عبر عدة أفعال جاءت على النحو التالي :

(1) الفعل الأول : عودة المجتمعات العربية إلى الموروث الثقافي والحضاري قبل الإسلام ، وتضخيمه والاعتزاز به : فالحاصل أن معظم المجتمعات العربية في فترة نضوب العطاء الثقافي والحضاري ، التي مرت بها عقب انهيار الحضارة والدولة الإسلامية في بغداد ، عانت عناءً شديداً من عدم وجود وحضور وتفاعل الإسلام مع حياتها ، فارتدت على أعقابها تبحث في موروثاتها الثقافية والفكرية والحضارية عما يمكن أن يخفف من معاناتها تلك ، ويعوض غياب الأنساق القيمية والأخلاقية  والنظام الاجتماعي ، ولم يتوقف الأمر عند العودة إلى تلك الموروثات ، والبحث فيها ، بل وصل إلى حد تضخيمها ، والاعتزاز بها ، والتفاخر بالأعراق والعناصر ، حدث ذلك في الأيام الراهنة ، وزادت حدة هذا الضياع بعد الحصول على الاستقلال عن السيطرة الأوروبية .

(2) الفعل الثاني: انحسار الهُوية والخصوصية العربية : الهُوية هي ماهية الشيء وخصوصيته ، التي تميزه عن غيره في تكوينه وهيئته وتفاعلاته وتطوره ، وللعرب هُويتهم التي تميزهم كأمة وكنظام اجتماعي متكامل ، وقد تعرضت الهُوية العربية في مكوناتها المذكورة لهزة عنيفة زلزلت أركانها ، وجاءت تك الهزة من الاصطدام بالثقافة والحضارة الغربية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين .

(3) الفعل الثالث : غياب المعايير والقيم الإسلامية في التعاملات والعلاقات الاجتماعية العربية : المعيار في إطار التعاملات والعلاقات الاجتماعية أداة لقياس أمثلية ونموذجية وصواب الفكر والسلوك ، أما القيمة فهي غايات وسيطة ، تؤدي إلى تحقيق الحياة الطيبة ، التي يتوخاها المجتمع المسلم ، وفق منهج الإسلام في  الحياة ، والمفارقة الجديرة بالاعتبار أن القيم في كافة المجتمعات تُطلب لذاتها وبتحققها تصل تلك المجتمعات ـ برأيها ـ إلى ما تريد ، أما المجتمع الإسلامي فهو لا يطبق القيمة لذاتها ، بل كوسيلة من أجل تحقيق الحياة الطيبة ، بكل معانيها المادية والروحية .

ومع غياب المعايير والقيم الإسلامية ، بالوصف الذي قدمنا ، لم يعد ثمة مقاييس يقاس عليها داخل المجتمع العربي ، فما هي معايير الخطأ والصواب ، والصلاح والطلاح في المجتمع الإسلامي ، وأين قيم الحرية والإخاء والمساواة والعدالة والتكافل والتناصح في المجتمع العربي ، إن المعايير والقيم تستمد من المرجعيات الشرعية الإسلامية ، وإذا كانت المجتمعات العربية قد بعدت عن تلك المرجعيات ، كمصدر للتشريع والنظام الاجتماعي ، فمن أين تأتي المعايير والقيم إذاً !! .

(4) الفعل الرابع : انزواء الإسلام في الشعيرة واقتصاره عليها : لم يبق من الإسلام في المجتمعات العربية إلا الشعيرة ، وقد انزوى بداخلها واقتصر عليها ، وكأن الإسلام ليس إلا نسكاً وعبادة ، ولا علاقة له بالحياة ، فلا ينظمها ، ولا يرتبها ، ولا يرسم لها المنهج.

(5) الفعل الخامس :الاستقبال المستمر : لقد تجلى تفاعل النقائص السابقة مع علاقات المجتمعات العربية بالآخر أول ما تجلى في عملية الاستقبال المستمر ، فقد أصبحت المجتمعات العربية ، وكذا عقول المسلمين حِماً مستباحاً ، أمام الآخر وما يفرزه من فكر وثقافة وحضارة وسلوك ونظم وتنظيمات ، بل لقد تطور الأمر إلى أن صار العرب يتهافتون على تلك الإفرازات ، ظناً منهم أنها هي الكفيلة بإخراج المجتمعات العربية من أوضاعها غير المرضية ، إلى أوضاع أخرى صُنّفت تحت التقدم والتحضر والتمدن إلى آخره .

وتزداد حدة هذا التفاعل عندما يدخل في هذه العلاقة واقع السلوك العربي ، وما وصل إليه من تردي ، نتيجة اعتماله مع النقائص التي أوضحناها فيالسابق ، وتتضح استمرارية الاستقبال في العلاقة مع الآخر في أبعادها الزمنية والمكانية والموضوعية ، فقد استمر العرب علي وضعية الاستقبال من الآخر خلال القرنين التاسع عشر والعشرين ، كذلك استمر المسلمون على وضعية الاستقبال من الآخر في كافة الشؤون والأمور السياسية والاقتصادية والثقافية والحضارية .

ثانياً : مواجهة الثورات العربية للفساد :

على الثورات العربية أن تواجه الفساد الذي أصاب مرتكزات المجتمع الأخلاقية والفكرية والسلوكية عبر معالجة واعية ناضجة ، يشترك في صياغتها وتنفيذها كافة ألوان الطيف الاجتماعي والسياسي في المجتمع العربي ، ونطرح بعض البدائل :

أ : صياغة ثقافة سياسية أصيلة معاصرة : الثقافة السياسية هي إحدى شعب كلية الثقافة بمفهومها العام ، وتشترك مع كافة الشعب الأخرى في كل شيء بدءً من المصادر ثم المنطق الثقافي ثم اللغة ثم الطروحات والمخرجات وأخيراً النماذج والأشكال ، والثقافة السياسية تعني الوجهة والرؤية والتفسير الذي يترسخ في عقول مجتمع من المجتمعات عن الظاهرة السياسية عموماً والسياسة والحكم خصوصاً ، وتكون الوجهة جِماع المرجعيات الشرعية وواقع التفاعلات والعلاقات الاجتماعية والقدرة العقلية والفكرية ، وتخرج إلى الواقع عن طريق اللغة المتداولة في شكل طروحات سياسية متعددة النماذج والأشكال .

وبنظرة إلى هذا التعريف يتضح أن الثقافة السياسية تشترك مع الثقافة في معناها العام فيما يتعلق بالمنطق الذي هو عصب الثقافة ويعبر عن الهوية والخصوصية ويتبلور في الوجهة والرؤية والتفسير التي تترسخ في العقل لأنها فكر ونظر ، ومحور هذه الوجهة والرؤية هو الظاهرة السياسية بعمومها والسياسة والحكم بخصوصها .

كذلك تشترك الثقافة السياسية مع الثقافة العامة في المصادر والأصول وهي المرجعيات الشرعية والتفاعلات الاجتماعية والقدرة العقلية والفكرية ، ولكن هذه المصادر والأصول تنحو نحو الظاهرة السياسية تحديداً .

أيضاً تشترك الثقافة السياسية مع الثقافة العامة في وسيلة التعبير وأدوات الإخراج وهي اللغة.

أخيراً تخرج الثقافة السياسية في شكل طروحات سياسية تتعلق بمفردات الظاهرة السياسية وأمور السياسة والحكم على هيئة مؤلفات تحوي وجهة المجتمع ورؤيته إزاء المتغيرات والمستجدات الخاصة بتلك الظاهرة .

وتبدو معاصرة مصادر الثقافة السياسية في التفاعلات الاجتماعية التي تعايشها المجتمعات العربية واقعاً ملموساً وفي القدرة العقلية ومكنة التحليل لكل جيل من أجيال المجتمعات العربية.

أما معاصرة الطروحات في الثقافة السياسية فتتجلى في مضاهاة تلك الطروحات مع المتغيرات والمستجدات .

الثقافة السياسية إذنهي تراكم فكري لأجيال متعاقبة ، وهذه التراكمات الفكرية هي التي يصنعها ويطورها وينميها العلماء والمفكرون العرب ، وهذه التبعة تزداد أهميتها وضرورتها بل وحتميتها في هذه الآونة لأنهم يؤسسون لثقافة سياسية أصيلة معاصرة وتمثل طروحاتهم قوام هذه العملية وصلبها .

وللثقافة السياسية الأصيلة المعاصرة أهميتها في إبراز الوجهة العربية الخاصة بالظاهرة السياسية وترسيخها في عقول أبناء الشعب العربي وتقديم تأصيلاتها وتنظيراتها حتى يعلم العرب أن مرجعياتهم مصدر تلكالظاهرة .

كذلك تتضح أهمية الثقافة السياسية الأصيلة المعاصرة في إبراز الوجهة العربية تجاه الظاهرة السياسية للآخر ، ومن ثم يمكن إجراء حوار مع ذلك الآخر يتعزز من خلاله المنطق الثقافي العربي الذي يجبر الآخر على احترامه وتقديره ، واحترام وتقدير المرجعيات والمصادر التي ينبعث منها .

وللثقافة السياسية العربية أهميتها القصوى للتنشئة السياسية التي تساهم في ترسيخ الوجهة العربية إزاء الظاهرة السياسية في عقول الأجيال العربية الواعدة المقبلة حتى تنضج وتتطور وتحكم سلوكها وتكيفه في المستقبل ، ومن ثم يتم التغيير بالشكل الهادئ داخل المجتمعات العربية .

وللثقافة السياسية العربية أهميتها كذلك في صياغة أيديولوجيا عربية أصيلة معاصرة ، فقد سبق أن أوضحنا أن الأيديولوجيا هي خلاصة وزهرة ونتاج الثقافة عموماً والسياسية منها خصوصاً .

وكما بدت أهمية الثقافة السياسية العربية في التنشئة السياسية تبدو كذلك من خلال علاقة ارتباطية بالتنشئة السياسية في عملية تجنيد سياسي تتسم بالأصالة المعاصرة تفضي إلى إعداد أجيال تدرك كنه وحقيقة الظاهرة السياسية ، ثم تعي كيف يتم وضع تلك الظاهرة ومفرداتها على أرض الواقع ، ثم تقود مجتمعاتها إلى تحقيق أهدافها في الحياة الطيبة والحكم الرشيد .

ب : إعداد تنشئة سياسية أصيلة معاصرة : من شأن الثقافة السياسية العربية بمواصفاتها المتقدمة أن تشكل أساساً لتنشئة أفراد المجتمع العربي وترتيب معرفتهم عن الظاهرة السياسية بشكل يتوافق مع القيم والمبادئ والأخلاق ، وعليه فالثقافة السياسية أساس ومنطلق التنشئة السياسية ، والأخيرة تعني تثبيت منظومة من الأفكار المتعلقة بالظاهرة السياسية في عقول أفراد المجتمع العربي ، وتحويل هذه الأفكار إلى ممارسات يباشرها الأفراد في مؤسسات المجتمع الرسمية وغير الرسمية .

والتنشئة السياسية وفق هذا المعني تنطلق من أفكار مرتبة ومعدة في شكل منظومة مصادرها هي مصادر الثقافة السياسية العربية، وهي القيم والمبادئ والأخلاق ، ومعني ذلك أن التنشئة السياسية تشترك مع الثقافة السياسية في المصادر ، والمنظومة الفكرية التي تتعلق تحديداً بالظاهرة السياسية وعمليات السياسة والحكم ، وعلى الشباب العربي تثبيت تلك المنظومة الفكرية في عقول أفراد المجتمع بوسائل معينة يخبرها ويباشرها علماء متخصصون ، وتتمثل هذه العمليات في إجراءات ذات طبيعة عقلية فكرية.

وثمة مؤسسات رسمية وأخرى غير رسمية تعد هي الإطار الذي يتم من خلاله تثبيت المنظومة الفكرية في عقول أفراد المجتمع العربي ، وهي في معظمها مؤسسات تدريب فكري وسلوكي ، ولها طابعها الخاص والمميز في المجتمع .

وللتنشئة السياسية بعد آخر إجرائي واقعي يتمثل في ضرورة تحويل ذلك الإطار الفكري الوارد في المنظومة الفكرية إلى ممارسات وسلوكات يباشرها الأفراد في مؤسسات المجتمع الرسمية وغير الرسمية ، ومن ثم يُفهم أن هناك مؤسسات تتولي مهمة زرع وتثبيت الأفكار الخاصة بالظاهرةالسياسية ، وثمة مؤسسات أخرى تكون بمثابة مجال التدريب والممارسة لما تم تعلمه واكتسابه من أفكار .

الثقافة السياسية حسب ما قدمنا تحوي شقي الأصالة المعاصِرة ، فالجانب الفكري المتمثل في منظومة الأفكار تجسد شق الأصالة بسمات الخلود والأبدية التي تمثل النموذج والمثال ، أما الجانب الحركي الإجرائي المتمثل في ممارسات وسلوكات الأفراد في مؤسسات المجتمع الرسمية وغير الرسمية فيجسد شق المعاصرة بخصائص معايشة الواقع بمتغيراته ومستجداته .

وللتنشئة السياسية مؤسسات تتمثل في الأسرة والمدرسة ودور العبادة والمؤسسات التعليمية الأكاديمية والمؤسسات الإدارية وهي كافة المؤسسات التي يتعامل معها الأفراد بوصفها جزءً من الجهاز الإداري للدولة والتي يتعامل معها الفرد لتنظيم شؤونه وترتيب أموره ، والمؤسسات السياسية : المؤسسات السياسية هي تلك المؤسسات المرتبطة مباشرة بممارسة عمليات السياسة والحكم ، ومؤسسات المجتمع المدني التي تتشكل بين أفراد المجتمع بشكل طبيعي تلقائي لتحقيق أهداف ومصالح أعضائها بوصفهم أفراد في المجتمع ، وتتنوع هذه المؤسسات بتنوع مناحي ومناشط الحياة المختلفة .

ولكن كيف تقوم كافة المؤسسات المذكورة بدورها في عملية التنشئة السياسية في المجتمع العربي ، عمليات عديدة ومتنوعة تتولاها مؤسسات التنشئة السياسية حتى تؤدي دورها في زرع وترسيخ المنظومة الفكرية المتعلقة بالظاهرة السياسية وأمور السياسية والحكم في عقول أبناءالمجتمع العربي ، وتتمثل أهم تلك العمليات في :

(1)إخلاء العقل العربي من الأفكار الدخيلة : أول العمليات التي ينبغي أن تقوم بها مؤسسات التنشئة السياسية هي عملية إخلاء العقل العربي من الأفكار الدخيلة التي سيطرت عليه ، ولا ينبغي الاعتقاد بأن هذه العملية هي عملية غسيل المخ التي تستخدمها دعايات بعض الدول في إطار الحروب والصراعات الإعلامية والأيديولوجية ، ولكن هذه العملية لها منطلقها المميز وأسلوبها المتفرد ، فهي تعتمد لغة الحوار والنقاش والمحاججة ودحض الأفكار التي ترسخت في العقل العربي منذ فترات طويلة .

(2)إعادة تشكيل عمليتي الإدراك والوعي الخاصة بمفردات الظاهرة السياسية: وهاتان العمليتان المدمجتان تعنيان الإلمام المبدئي بمفردات الظاهرة السياسية ثم التعمق في تلك المفردات وفهمها واستيعابها إلى درجة اعتقادها ، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال ذوى الاختصاص ، ويحتاج ذلك إلى وقت ممتد وخطاب يعتمد على منهج علمي وانتشار واسع النطاق على مستوي العالم العربي ، تحمله لغة سلسة وبسيطة ومفهومة لكافة فئات وشرائح المجتمع العربي، وتعتمد علي التحليل والمنطق العقلي ، وتبتعد عن الأكليشيهات المأثورة المنقولة ، بل تكون لغة وليدة العصر حتى يفهمها الجميع ويعتنقونها ثم يعتقدونها .

وترتكز عمليتي إعادة تشكيل الإدراك والوعي على إبراز مصادر الظاهرة السياسية ، كذلك ترتكز العمليتان السابقتان على ركيزة أخرى وهي تحليل وتفصيل أسس الظاهرة السياسية ، أيضاً ترتكز عمليتا الإدراك والوعي على شرح وتفصيل مفردات الظاهرة السياسية .

(3)ضبط نسق القيم السياسية : من العمليات المهمة كذلك في التنشئة السياسية عملية ضبط نسق القيم السياسية المتمثلة في العدالة والمساواة والحرية والإخاء والنصح والتوجيه والشورى ، وعملية الضبط لذلك النسق تعني شرحه وتحليله وعلاقة كل قيمة بالأخرى ونشره بين أبناء المجتمع العربي ، وتوضيح كيفية وضع كل قيمة من هذه القيم على أرض الواقع ، وتبيان كيف أن نسق القيم يمثل أدوات تحقيق أهداف الدولة المدنية العصرية وديناميات حركة النظام السياسي .

(4)بناء نسق التقييم والتقويم والفرز : إذا قُدّر للقائمين على شؤون المجتمع العربي من شبابه الواعد التوفيق في إحراز العمليات السابقة المتعلقة بالظاهرة السياسية ، فمعني ذلك أن أفراد المجتمع قد أصبح لديهم أو لدى أكبر عدد منهم قدرة كافية على تقييم كل ما يعن لهم أو يُفرض عليهم من أفكار وآراء وطروحات وقيم الآخر قياساً على ما انتظم لديهم من نسق الثقافة السياسية المتكامل .

كذلك أصبح لديهم المكنة على تقويم مفردات وقيم الظاهرة السياسية باستمرار وتعديل أي اعوجاج يلحق بها ترتيباً على الفهم الواسع والاستيعاب العميق لمفردات ومرتكزات الظاهرة السياسية كما رتبتها الثقافة السياسية .

أيضاً أصبح لدى أفراد المجتمع العربي إمكانية الفرز ، أي اختبار ما يمكن التعامل والتعاطي معه من قيم الآخر وأفكاره ، وانتقاء أحسن تلك القيم لاعتمادها في المجتمع العربي، إذا كان يمكن أن تسجل له فائدة تذكر .

ت : صياغة أيديولوجيا أصيلة معاصرة : البديل الثالث الذي نطرحه في هذا الموضع لمعالجة الفساد الذي اجتاح المجتمع العربي وقاد إلى انبلاج ثورة الكرامة العربية هو صياغة أيديولوجياأصيلة معاصرة ، والأيديولوجيا أو منهج الحياة هو الطريقة أو الوسيلة الخاصة بترتيب حياة أفراد المجتمع وتنظيم شؤونهم وفق ما يرونهمناسباً ، وترتيب الحياة وتنظيم الشؤون يعني كافة المناحي السياسية والاقتصادية والإدارية والثقافية والحضارية والاجتماعية ، وهذا المنهج أو الطريقة أو الوسيلة مستخلصة ومستنبطة من ثقافة المجتمع العربي .

والأيديولوجيا أو المنهج الحياتي يتسم بنفس سمة الخطوات السابقة وهي الأصالة المعاصرة ، فمصادر الأيديولوجيا هي الثقافة العربية، والأخيرة مصادرها الأساسية هي القيم والمبادئ والأخلاق ، والثقافة العربية ومصادرها تتسم بالأصالة ، أما مفردات الأيديولوجيا سواء أكانت الطروحات والرؤى أو نماذج وأدوات الحركة فهي لابد أن تكون معاصرة تتفاعل وتتعاطى مع متغيرات ومستجدات الواقع الذي يعيشه أبناء المجتمع العربي .

والأيديولوجيا أو المنهج الحياتي يتولى أمر صياغتها علماء الأمة ، وللأيديولوجيا جانبان : أحدهما ثابت والآخر متغير ، والثابت هو الذي يتسم بالأصالة ، أما المتغير فيتسم بالمعاصرة.

والجانب الثابت يُستحضر ويُستدعى كما هو إلي الزمان والمكان المعينين ، ويتمثل هذا الجانب في الأصول والقواعد المستنبطة من الثقافة والمصادر الشرعية الخاصة بها  وهي تمثل أسس السياسة والحكم والاقتصاد والإدارة والحضارة والثقافة ، وهنا يعكف علماء الأمة علي استنباط الأصول والقواعد ويؤسسون عليها نظرة العرب في كل شأن من الشؤون المذكورة ، ومن ثم تتراكم الطروحات والرؤى في شكل منظومة فكرية تشمل كافة أمور ونواحي الحياة .

أما الجانب المتغير فهو معاش ، وإزاء هذا الجانب يبدو دور العلماء مرة أخرى في ابتكار نماذج وأدوات الحركة التي تربط بين الطروحات والرؤى في المنظومة الفكرية وبين ذلك الواقع المعاش عبر عملية مضاهاة أو مواءمة وتكييف بين الجانبين إلى أن يتم تكييف وأقلمة وتحوير الواقع وتطويعه مع الأصول والقواعد ، ومن ثم فدور العلماء هو الأساس في صياغة الأيديولوجيا ، والذي يبدو مرة في استنباط واستخلاص القواعد والأصول ، ثم يبدو مرة أخرى في بناء المنظومة الفكرية ، ثم يبدو مرة ثالثة في ابتكار نماذج وأدوات الحركة الملائمة ، ثم يبدو مرة أخيرة في مواءمة ومضاهاة الواقع بمتغيراته ومستجداته مع الأصول والقواعد .

والعلماء الذين تقع علي كاهلهم تبعة صياغة الأيديولوجيا أو المنهج الحياتي في شكل منظومة فكرية ، قد تتعدد ملكاتهم ومقدراتهم وتخصصاتهم .

فمنهم من يعكف علي استنباط واستخلاص القواعد والأصول التي تؤسس للعلوم والمعارف المختلفة التي تمثل أساس الظواهر السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية والثقافية والحضارية ، ومن ثم نواحي ومناشط الحياة حسب هذا الترتيب .

ومن العلماء من يهتم بدراسة وتحليل متغيرات ومستجدات الواقع ، ومن العلماء من يقوم بعملية المواءمة والمضاهاة بين الأصول والقواعد ومتغيرات ومستجدات الواقع عبر ابتكار نماذج وأدوات للحركة ، ومن العلماء من يقوم بهذه المهام جميعها ، فيستنبط الأصول والقواعد ، ويصيغ المنظومة الفكرية ، ويحلل المتغيرات والمستجدات ، ثم يتولى المواءمة والمضاهاة بين الأصول والقواعد وبين المتغيرات والمستجدات عبر نماذج وأدوات الحركة التي يقوم بابتكارها .

والأيديولوجيا أو المنهج الحياتي المقترح مثله مثل أي أيديولوجيا يستهدف إقامة حياة معينة تطوع الواقع وتحوره بمتغيراته ومستجداته.

ث : إعداد تجنيد سياسي أصيل معاصر : التجنيد السياسي هو عملية إعداد لعنصر بشري وفق إطار عام محدد ومعد مسبقاً ويستهدف تحقيق غايات محسوبة ، والمجتمع العربي في حاجة ماسة إلى عملية تجنيد سياسي معاصر للنهوض به وإخراجه من الظروف والأوضاع والنقائص التي يعايشها ، ومعني ذلك أن التجنيد السياسي يعد بمثابة إعداد لجيل جديد فكراً وسلوكاً ، ويرتكز التجنيد السياسي علي عدة مرتكزات ، يتمثل أولها في الثقافة السياسية كإطار عام يرسم عملية الإعداد فكراً وسلوكاً ، ويتمثل ثانيها في عملية الإعداد ذاتها من خلال تنشئة سياسية بالوصف المتقدم ، ويتمثل ثالثها في الأيديولوجيا أو المنهج الحياتي بالشكل الذي سبق إيضاحه ، ويتمثل رابعها في العنصر البشري الذي يتقبل المرتكزات الثلاثة السابقة ، وينطلق منها إلى تحقيق عملية التغير في المجتمع  العربي  .

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.