هل ينجح الاعلام الحربي الروسي في حربه ضد الجهاديين

0

نشرت وزارة الدفاع الروسية شريط فيديو للضربات المكثفة التي شنتها سفن بحر قزوين على مواقع لتنظيم الدولة الاسلامية في سوريا في 7 من شهر أكتوبر الجاري مؤكدة على أن هذه الضربات قد نفذت بدقة عالية واستهدفت مواقع تابعة لتنظيم الدولة في ريف الرقة وإدلب وحلب مستعرضة في الان نفسه تفاصيل اطلاق الصواريخ والمسافة التي قطعتها والمواقع التي قصفتها باستخدام الأقمار الصناعية.
الظاهر أن هذا الفيدبو الحربي الجديد جاء ردا على المشككين في جدية القوات الروسية في محاربة أخطر تنظيم عالمي كما وصفه المسؤولون الأمريكان وخبراء الجماعات الجهادية وجاء أيضا تأكيدا لتصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوم 1 أكتوبر الجاري،عندما أكد استعداده لخوض“حرب إعلامية” بعد الاتهامات التي وجهتها المعارضة السورية في المنفى للطيران الروسي بالتسبب في سقوط ضحايا مدنيين خلال أولى ضرباته في سوريا مع نهاية الشهر الماضي وقال بوتين “فيما يتعلق بالمعلومات الصحفية التي أشارت إلى ضحايا في صفوف السكان المدنيين، نحن مستعدون لهذه الحرب الإعلامية”، مشدداً على أن هذه الاتهامات أعدت حتى قبل أن تقلع الطائرات الروسية في الأجواء السورية.
لم يكن بوتين وحده مستعدا لهذه الجبهة الجديدة فقد دعا ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين،أيضا المواطنين ليكونوا “حذرين جدا جدا” بشأن المعلومات التي يتلقونها، وقال للصحفيين “لا تصبحوا ضحية المعلومات الفاسدة”.
رد الرئيس الروسي ونصيحة المتحدث باسم الكرملين لم يكونا موجهين الى المعارضة السورية فقط بل يبدو أنهما بمثابة الاجابة على كل المشككين في مدى جدية بلادهم في محاربة الجماعات الجهادية التي يتصدر تنظيم الدولة الاسلامية قائمتها بل يبدو أنها كانت بمثابة الاستشراف لما سيقوله خصوم موسكو وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.
بريطانيا تشكك
وخير دليل على ذلك تأكيدات وزير الدفاع البريطاني، مايكل فالون، لصحيفة “صن” البريطانية، في 3 من الشهر الحالي الذي قال إن بلاده تابعت بتفحص الغارات الروسية على سوريا، وإن هذه الغارات تستهدف القوات المعارضة لنظام الأسد، أكثر من استهدافها مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية،وإن غارة واحدة فقط من أصل عشرين استهدفت التنظيم ما يعني أن %5 فقط من الضربات استهدفت مقار التنظيم ومقاتليه.
لن نفند أو نصدق تلك التصريحات لأننا نعلم أن الحرب الاعلامية بين القوى الكبرى على أشدها منذ سنوات وقد كان كل طرف من هذه الأطراف المتصارعة فيما بينها ينتظر فرصة الفتك والتشكيك والتشهير بالآخر عند كل حادثة تستحق ذلك.
لكن يمكننا الجزم بأن روسيا قد بدأت فعليا باستهداف التنظيم وجماعات المعارضة اعلاميا عن طريق بثها لفيديوهات توثق بالصوت والصورة قصفها لمواقع هذه الجماعات بإخراج احترافي ايمانا منها أن حرب اليوم اعلامية بامتياز قبل أن تكون عسكرية.
ذكرنا الفيديو الروسي الذي حقق قرابة 3 ملايين مشاهدة على موقع “اليوتيوب” في يوم واحد بتلك الفيديوهات التي ما فتئت تبثها الجيوش العربية عامة والجيشين الليبي و السوري خاصة أثناء مناوراتهم العسكرية داخل وخارج أراضيهم ومازلنا نتذكر جيدا كيف كانت قناة الجماهيرية الليبية تبث صورا وفيديوهات للكتائب الليبية الموالية للعقيد الراحل معمر القذافي وكيف أن تلك الصواريخ الروسية المتطورة تحلق في السماء ثم تخر على الأرض ساحقة كل ما يعترضها.
كذلك كان الأمر نفسه بالنسبة للجيش العربي السوري خلال بداية أحداث الثورة والى اليوم عندما كانت الأهازيج والأناشيد الحماسية وفيديوهات المناورات التي يقوم بها الجيش السوري والتي كنا نستمتع بمشاهدتها ظنا منا أنها في صالح الأمة العربية والإسلامية للدفاع عنها تستأثر بنسب عالية من البرمجة اليومية.
هذه الفيديوهات التي استعرضناها في مخيلتنا أثناء مشاهدتنا للفيديو الروسي أكدت لنا بما لا يدع مجالا للشك أن كل الفيديوهات المنشورة من قبل الجماعات الجهادية أو المعارضة المسلحة أو الجيوش العربية والكتائب المقاتلة والتي تسمي اعلامها بالإعلام الحربي تخفي وراءها حقائق عديدة من أبرزها القدرة على التأثير ومحاولة تخفيف الضغط عنها من خلال كسب المزيد من المتعاطفين وتأليف قلوب المعارضين.
الحرب في بداياتها
فمنذ بداية التدخل الروسي في سوريا وأصابع الاتهام موجهة يوميا للقيادة الروسية بسبب عدم استهدافها لمواقع تنظيم الدولة في المدن السورية التي سيطر عليها عناصره ما جعل الروس في موقف دفاع أمام العالم يستوجب منهم القيام بإثباتات تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أنهم يقومون بقصف كل ما يمكن أن تطاله صواريخهم وطائراتهم من مواقع للتنظيم ولمسلحيه خاصة بعد فضيحة الأيام الأولى والتي بثت فيها القيادة الروسية صورا لما قالت انه استهداف لمقار التنظيم في مدن سورية في حين أن تلك المدن تخلو تماما من تواجد عناصره.
الحرب الاعلامية الساخنة مازالت في بداياتها وسنرى في قادم الأيام تطورات كبيرة ستشهدها ساحات المعارك من مختلف أطراف الصراع ولسنا متأكدين ان كان تنظيم الدولة الاسلامية بصفة خاصة قادرا على الدعاية المضادة في وجه الروس اللذين أكدوا في أكثر من مناسبة أنهم مستعدون لخوص معركة اعلامية كبيرة ضد كل الجماعات المقاتلة على الأراضي السورية وفي مقدمتها تنظيم الدولة بسبب ما أصبح يمثله الاعلام اليوم من قوة للتأثير على الشعوب المعنية بالحروب.
فان كان الجهاديون الشيشان قد استغلوا الوسائل البسيطة في حرب الشيشان الأولى والثانية من أجل صناعة رأي عام روسي معاد للحرب ولبعث الرعب في عناصر جيشهم فالأمر الان مختلف تماما بسبب تغير الإمكانيات كما أن وسائل الاتصال قد توفرت في كل مكان ما يعني بالضرورة ترقب حرب اعلامية مشتعلة بين الروس والجهاديين في المرحلة القادمة خاصة اذا ما تم اقرار التدخل البري من قبل القيادة الروسية.
روسيا اليوم بثقلها العسكري والإعلامي في المنطقة عن طريق وسائل اعلامها الناطقة بالعربية وعلى رأسها قناة روسيا اليوم والقنوات العربية الممولة ايرانيا وسوريا مثل قناة المنار والميادين والعالم التي دخلت مجتمعة في تحالف يهدف الى افشال مخططات القنوات الاعلامية الأخرى التي تحاول التشكيك في كل طلعة جوية روسية في حين تقوم هذه القنوات الداعمة لروسيا بالتهليل والزغردة لكل استعداد لطلعات سلاح الجو الروسي.
تغير اتجاه البوصلة
الظاهر أن وسائل الإعلام الروسية كانت مستعدة تمام الاستعداد للقيام بهذه المهمة،فبحسب عدة تقارير اعلامية لم تعد الشاشات الروسية منشغلة بالحديث عن الأزمة الأوكرانية أو الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها روسيا بل استبدلته ببرامج مكثفة من الاهتمام والتحليل والتبرير لإقناع الروس القلقين بضرورة التدخل العسكري الروسي في الحرب السورية رغم الذكريات المؤلمة التي لا تزال في أذهانهم عن المغامرة الكارثية السوفييتية في أفغانستان،فأمطرت تقاريرها الإخبارية بمعلومات عن الترحيب السوري بالتدخل الروسي لمحاربة “الإرهاب”، وبدأ التلفزيون الوطني الروسي يعرض صور للمقاتلات الروسية وهي تنطلق في سماء سوريا ليلا، بينما نشرت الصحف على صفحاتها الأولى صورا للمقاتلات وعنونت صحيفة كومسومولسكايا برافدا واسعة الانتشار “السوريون يتطلعون إلى السماء بأمل”.
كما لم يفت الإعلام الروسي وصف الضربات الجوية التي قامت بها موسكو في الأراضي السورية بأنها “نموذجية” ونقلت القناة الأولى، وهي تابعة لتلفزيون الدولة، تغطية متواصلة تقريبا للغارات الجوية التي نفذت في الليلة الأولى للقصف، واستمرت بسرد التفاصيل في الصباح.
يبدو أن وسائل الاعلام الروسية الفاقدة إلى التعاطف مع الصراع في أوكرانيا، بدأت بإعادة تقويم في برامجها التلفزيونية لهذا الصراع بعد خموده، وتغيرت البوصلة هذه المرة حيث أضحى تركيز عناوين الأخبار، والبرامج الحوارية على مسرح مختلف من الصراع وهو سوريا،كما نقل المراسلون خدماتهم الإخبارية من ساحات القتال في شرق أوكرانيا،إلى ساحات القتال في دمشق، ونفس المذيعين الذين رفعوا أيديهم عن تصرفات كييف هم أنفسهم الذين يتحدثون عن خطر تنظيم الدولة الاسلامية ما يمكن أن يطرح أكثر من سؤال عن مصداقية هؤلاء الاعلاميين والحهات التي تشغلهم وتقف راءهم.
وفي سياق متصل قالت صحيفة الغارديان البريطانية ان الهجوم التلفزيوني الذي يشنه الإعلام الروسي يهدف إلى دعم حملة الحرب على سوريا، على الرغم من أن الدراسات أثبتت عدم شعبيتها بين الروس كما ذكرت صحيفة الأندبندنت البريطانية، أن الإعلام الروسي “في حاجة إلى طوفان من التقارير، إذ أن ما يقرب من 70 بالمئة من الروس ضد المساعدات العسكرية لبشار الأسد، حسب استطلاع أجراه مركز ليفادا الروسي المستقل”.
وكان استطلاع أجراه مركز ليفادا المستقل في سبتمبر الماضي،قد أظهر أن غالبية الروس أظهروا اللامبالاة تجاه سوريا، حيث عبر 50 بالمائة ممن شملهم الاستطلاع على أنهم غير مهتمين بسياسة روسيا في سوريا، أو ليس لديهم رأي على الإطلاق، في حين أكد 14 بالمائة تأييدهم للتدخل العسكري في سوريا ويقدر ليف غودكوف مدير المركز أن واحدا فقط من بين كل ثمانية روس يؤيدون التدخل العسكري في سوريا وصرح قائلا بالطبع هذه هي “ظاهرة أفغانستان” في اشارة الى الاتجاه العام للسوفييتيين الرافضين للحرب وقتها.
كما صرح كونستانتين كلاشيف رئيس مؤسسة مجموعة الخبراء السياسيين قائلا “لأول مرة تتعارض خطط بوتين مع الرأي العام فهذه أول مرة تختلف فيها آراء الروس العاديين عن آراء النخبة الحاكمة”مضيفا أن والده، الذي كان محاربا سابقا في أفغانستان، لا يؤيد تدخلا أكبر في سوريا.
في الأخير ستبقى مئات الملايين من الدولارات التي تنفق في الحرب الان مقسمة بين العسكري والاستخباري والإعلامي وغيرها من الوسائل الأخرى ومن كان له نفس طويل من أطراف الصراع يمكنه أن يصمد في الأخير أما من كان متعجلا الذي قد تكون نهايته أقرب مما كان متوقعا ولعل الحروب التي شهدها العالم منذ الحرب العالمية الأولى كلها بلا استثناء انتصرت اعلاميا قبل ان تنتصر عسكريا وأبسط مثال على ذلك ما حدث في العراق عام 2003 عندما كان الجيش العراقي يستبسل في الدفاع عن بعض المناطق في العاصمة بغداد وضواحيها وعلى رأسها مطار صدام حسين الدولي”مطار بغداد” في حين كانت القنوات الاخبارية العالمية و وكالات الأنباء تبث وتنقل أخبارا زائفة مفادها تمكن قوات الاحتلال الأمريكية من السيطرة الكاملة على المدينة بعد أن تم تحطيم تمثال الرئيس الراحل صدام حسين.
لذلك فإننا مترددون ان كانت تلك الصواريخ التي يستعرضها الروس وحلفاؤهم قادرة على الصمود والاستمرار في الحاق الأضرار دون الهالة الاعلامية التي تسبقها أم أن مصيرها سيكون الهزيمة والخيبة والاندثار لأننا شاهدنا في السنوات القليلة الماضية أن كل دولة استخدمت الأسلحة الروسية في حروبها مصحوبة بتضخيم اعلامي كان مصيرها الهزيمة والتفكك والانحدار.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.