الإندبندنت: في الشرق الأوسط.. عدو عدوي صديقي

0

سيحِق لشبح أسامة بن لادن أن يشعر بالسعادة هذا الشهر وهو يراقب الحركات التي مثَّلَ مصدر إلهام لها وهي تستولي على مساحات شاسعة من منطقة الشرق الأوسط.

بل إنه سيكون ممتنًا وهو يرى مقاتلي تنظيم القاعدة في شبه جزيرة العرب يسيطرون على مدينة المكلا، عاصمة إقليم حضرموت الذي يقع شرق اليمن، والتي تنحدر منها عائلة بن لادن قبل أن تشق طريقها نحو المملكة العربية السعودية وتبني ثروتها هناك.

وكما هو الحال مع ما شهدته مدينة الموصل بالعراق الصيف الماضي حينما فر الجيش العراقي أمام الجهاديين، فقد تخلى جنود الحكومة اليمنية عن قواعدهم في المكلا، تاركين خلفهم المعدات العسكرية الأمريكية. وفي وقت سابق، كان تنظيم القاعدة في شبه جزيرة العرب استولى على السجن المركزي في المدينة، وأطلق سراح 300 سجين، بما في ذلك خالد باطرفي، أحد أهم القياديين الجهاديين باليمن.

سيطرة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، الذي عدّته الولايات المتحدة في وقت سابق الذراع الأخطر لتنظيم القاعدة، على مدينة المكلا باليمن من دون أن يلفت ذلك نظر العالم الخارجي، يشي بتصاعد وتيرة الأزمات المتعددة التي تجتاح المنطقة.

نقول ذلك ونسترجع كيف كانت الأمور مختلفة في الثاني من مايو 2011 عندما كان الرئيس الأمريكي باراك أوباما وعددٌ من أفراد إدارته يتابعون على الشاشات غارة لطائرة هليكوبتر أمريكية على مدينة أبوت باد بباكستان حيث قتل بن لادن. أعطى ذلك انطباعًا حينها بأن وفاة الرجل تعني أن مرتكبي هجمات الحادي عشر من سبتمبر أخيرًا قد هزموا.

غير أن إلقاء نظرة على خريطة اليوم تكشف لنا عن حالة ضعف تعاني منها الدول الإسلامية بداية من الحدود الشمالية الغربية من باكستان إلى الزاوية الشمالية الشرقية من نيجيريا.

التنظيمات الجهادية باتت هي المستفيد الأوحد من الأوضاع الراهنة كتنظيم القاعدة، أو التنظيمات ذات السيطرة والنفوذ التي خرجت من عباءته. ربما تدرك الولايات المتحدة وحلفاؤها ذلك، غير أنها تظل عاجزة عن عرقلة تقدم تلك التنظيمات حتى الآن.

وزير الدفاع الأمريكي أشتون كارتر يقول في هذا الشأن: «يكون من السهل عليك مكافحة الإرهاب إذا كانت هناك حكومة مستقرة في المكان. ولا يبدو أن ذلك أمرٌ ممكنٌ حاليًا في اليمن».

كلمات كارتر تعكس لنا بوضوح الأسباب التي دفعت الإرهابيين إلى التمركز وإنشاء قواعدهم بدول كاليمن والعراق وسوريا وليبيا والصومال، وليس في كندا أو الدنمارك على سبيل المثال، فقط لأن حكومات تلك الدول التي تعاني أوضاعًا غير مستقرة لم تكن قادرة على وقفهم.

فجأة، تكشفت الأمور بشأن استخدام الولايات المتحدة للطائرات بدون طيار، التي يفترض بها أن تستهدف قادة وأنصار تنظيم القاعدة في اليمن وباكستان والصومال، وطفت على السطح تبعاتها الفاشلة وعدم ملاءمتها من الناحية السياسية كذلك.

ولم يقتصر الأمر عند حد الملاءمة السياسية، وذلك لأن استخدام طائرات بدون طيار، والإعلانات الدورية عن النجاحات التي كانت تحققها، جسدت الفشل الأمريكي في وضع سياسة فعالة لتدمير تنظيم القاعدة في السنوات التي تلت الحادي عشر من سبتمبر.

ورغم مليارات الدولارات التي أُنفقت على الأمن منذ الحادي عشر من سبتمبر، وما صاحبها من إجراءات تبدت في تشديد إجراءات التفتيش بالمطارات، والقيود المفروضة على الحريات المدنية، ناهيك عن الحروب التي دارت رحاها في العراق وأفغانستان، فإن ما يسمى بـ«الحرب على الإرهاب» ضلَّت طريقها وبشكل علني.

تبدو التنظيمات الجهادية أقوى مما كانت عليه في الحادي عشر من سبتمبر. تجري سبع حروب في الدول الإسلامية، وما تزال التنظيمات الجهادية، ومنها القاعدة ومن على شاكلتها، تجني مكاسب من كل هذه الحروب لا تزيدها إلا قوة بعد قوة.

لن يكون من المدهش إذن في خضم هذه الصراعات أن تنقل هذه التنظيمات عنفها إلى بعض البلدان المجاورة كما حدث مع مذبحة شارلي إبدو في فرنسا ومذبحة الطلاب المسيحيين على يد مسلحين صوماليين في كينيا.

وبالنظر إلى أن هناك 2,8 مليون مسلم في بريطانيا، و4.1 مليون في ألمانيا و5 ملايين في فرنسا، فلن يكون بعيدًا على تنظيم القاعدة وغيره من الحركات الجهادية أن يجتذب بعضًا من مؤيديه في تلك الدول.

إذن ماذا يجب علينا أن نفعل؟

ترتبط الطريقة الوحيدة لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتنظيم القاعدة والحركات الجهادية الأخرى ارتباطًا مباشرًا بالكيفية التي يتم التعاطي بها مع الدول التي تتمركز بها تلك التنظيمات.

فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، أخطات حينما قامت بتبرئة السعودية بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وذلك على الرغم من أن 15 من أصل 18 من الخاطفين، وبن لادن نفسه أتوا من السعودية، ناهيك عن الدعم المالي الذي قدمته المملكة، جنبًا إلى جنب مع الدور الذي لعبته باكستان في ذلك الوقت الذي تزامن مع صعود حركة طالبان للسلطة.

ومرة أخرى لا يتم استهداف تنظيم القاعدة وغيره من الحركات بالشكل الفعال على الرغم من وجود أكثر من عدو لها. حتى أن السياسة التي تبناها بعض الدبلوماسيين الغربيين في سوريا والعراق، وعبروا عنها قبل بضعة أشهر بقولهم أن «عدو عدوي ليس بالضرورة صديقي» ثبتت سطحيتها وضحالتها.

وإذا كانت هذه هي السياسة التي تنتهجها الولايات المتحدة وبريطانيا، فلن يكون هناك سبيل لكسر شوكة داعش والقاعدة وجبهة النصرة. «عدو عدوي هو صديقي» تلك هي السياسة الأمثل لدحر التنظيمات الجهادية في الشرق الأوسط .

في اليمن، يمثل الحوثيون أقوى قوة عسكرية معارضة لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، غير أن الدعم الأمريكي للسعودية في هجماتها التي تشنها ضد الحوثيين من شأنه أن يوسع من سيطرة تنظيم القاعدة في المقابل.

لا يختلف الأمر في سوريا، فـ«عدو عدونا» في سوريا وأقوى قوة عسكرية هو الجيش السوري، بما يعتريه من ضعف بعد أربع سنوات من الحرب. ولكن في حال قررت الولايات المتحدة شن هجمات جوية ضد الجيش السوري بهدف الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، فإن ذلك سيصب في مصلحة «جبهة النصرة» و«داعش» الذين يقاتلون الجيش السوري.

أما في العراق، فربما يبدو الأمر أقل قتامة، خاصة وأن التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد «داعش» في العراق، وبما يشنه من هجمات ضد التنظيم، قد تكون داعمة للمليشيات الشيعية التي تواجه التنظيم على الأرض من الناحية العملية.

مترجم عنIn the Middle East, our enemy’s enemy must be our friendللكاتب PATRICK COCKBURN
طارق فرحات
(ساسة بوست)

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.