كيف توحشت سوريا؟

0

قبل ثلاث سنوات، وعندما بدا أن الرئيس بشار الأسد في قد أصبح أقل أمنًا، كان أبو صقار من بين الذين ينظر إليهم الغرب على أنهم متمردون “معتدلون”، وكان أحد الأشخاص الفاعلين للغاية في صفوف هؤلاء. لقد تمت الإشادة بتصدي لوائه، كتائب عمر الفاروق، للمتطرفين الإسلاميين. وحتى إن هذا اللواء اعتقل وأعدم زعيم مجموعة من الجهاديين الأجانب الذين كانوا قد ظهروا حديثًا حينها في الصراع.

أبو صقار
وكان أبو صقار، واسمه الحقيقي هو خالد الحماد، شخصية مرحة. وعدم ترددنا في أن نكون معه كان ينبع من حقيقة أن الرجل الذي كان قد أعدمه، وهو محمد العبسي، كان هو نفسه قاتلًا، ويعتقد بأنه كان مسؤولًا عن خطف الصحفيين، البريطاني جون كانتلي، والهولندي يروين أورليمانس، الذين تم إنقاذهما في وقت لاحق. وفي خريف عام 2012، عاد كانتلي إلى سوريا مع زميله الأمريكي جيم فولي. وفي تشرين الثاني، تم اختطافه مرة أخرى، وهو ما حدث لفولي أيضًا، وانتهى بهما المطاف في أيدي داعش.

فولي، والذي كان صديقًا للكثيرين منا، تم قطع رأسه. أما كانتلي، فهو يظهر الآن في أشرطة الفيديو الترويجية لداعش، التي يقدمها بالإكراه، وفقًا لما يعتقده الكثيرون.

ولكن في مايو 2013، وبعد سبعة أشهر من اجتماعنا معه لأول مرة، ظهر أبو صقار في شريط فيديو أدى إلى إحداث صدمة كبرى، وولد الاشمئزاز عبر جميع أنحاء العالم. لقد تم تصوير أبو صقار وهو يتناول قطعًا من رئتي جندي حكومي ميت، ويصرخ: “أقسم بالله أننا سوف نأكل قلوبكم وأكبادكم يا جنود بشار الكلب …“.

وعند رؤيتنا لهذا الفيديو كصحفيين، بدأ عدد منا بالاتصال ببعضنا البعض، والتساؤل: “هل كان ذلك الشخص حقًا هو؟ أبو صقار؟ ما الذي حدث؟“.

الرجل نفسه حاول شرح موقفه لمراسل بي بي سي، بول وود، في مقابلة أجريت بعد انتشار الفيديو، وقال: “ضع نفسك مكاني. أخذوا أباك وأمك وأهانوهم. ذبحوا إخوتك، وقتلوا عمك وعمتك. إنهم يذبحون جيرانك“. وأضاف: “يجب علينا ترويع العدو، وإذلاله، تمامًا كما يفعل بنا. لم أكن أريد فعل هذا، لقد اضطررت لفعل هذا. والآن، إنهم لا يجرؤون على أن يكونوا في أي مكان فيه أبو صقار“.

وقد استمر العنف في سوريا بلا هوادة منذ ذلك الحين، وارتفع عدد الجثث أكثر من أي وقت مضى. وحتى بمعايير هذا الصراع، كان حرق الطيار الأردني وهو على قيد الحياة مذهلًا في وحشيته. ولكنه تبع كل أنواع الإعدام المروعة الأخرى، من قطع الرأس، إلى الرجم، وحتى إلقاء الناس من أعلى المباني المرتفعة.

 

ولكن الذين ينفذون هذه الأعمال لم يظهروا فجأةً من العدم. ما نراه هنا هم أناس كانوا يعيشون حياتهم الطبيعية مثلنا منذ وقت ليس ببعيد، ولكنهم يحتضنون الآن العنف الشديد. وقد حدث هذا، بطبيعة الحال، في العديد من الصراعات عبر التاريخ الحديث، ولكن في مذبحة سوريا، كان الانزلاق إلى البربرية سريعًا بشكل ملحوظ.

وظهرت في شريط الفيديو الأخير لكانتلي، والذي صدر هذا الأسبوع، مشاهد قصيرة من بلدة الباب، قمت بدراستها بفضول. لقد أمضيت بعض الوقت في هذه البلدة بعد أن بدأت الانتفاضة، وأذكر الصداقة والحماية التي وفرها لي الشعب هناك في أوقات الخطر الكبير.

وبحلول صيف عام 2012، كانت بلدة الباب قد أصبحت نقطة محورية في الاحتجاجات ضد بشار الأسد. وقد كنت مع حشد من الناس، كثير منهم غير مسلحين، عندما اقتحموا قاعدة عسكرية تابعة للحكومة وتقوم بإلقاء قذائف المدفعية على السكان. ورافقت أيضًا مقاتلي البلدة خلال معركة شرسة في حلب في وقت لاحق من ذلك العام، وقد قدمت الباب حينها أكبر عدد من المقاتلين في صفوف المتمردين.

 

وسيطرت جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة على هذه المدينة في وقت لاحق، ومن ثم سيطرت عليها داعش، وكلا التنظيمين بدآ من خلال الاستيلاء على الثكنة العسكرية وقصف السكان، تمامًا كما فعلت قوات النظام، ومن ثم احتلوا المدينة. مقاومة المقاتلين المحليين أدت إلى تراجع المتطرفين عدة مرات، ولكنهم هزموا في نهاية المطاف نتيجة الفرق في الأعداد.

وتم فرض الحكم الإسلامي المتشدد على مجتمع المدينة المحافظ بالفعل. وأغلق مقهى الشيشة الذي كنا قد استرحنا به بعد يوم من الغارات الجوية ونيران الدبابات في حلب، وتحدثنا مع صاحبه الشاب والمضياف، محمد، الذي قال ضاحكًا إنه يفكر بفتح فروع في لندن. وكان إغلاق المقهى عملًا ثانويًا في عملية التنقية، مقارنةً مع عمليات الجلد، وبتر الأطراف، والشنق، التي تبعته. لقد اختفى الطلاب والمحامون والأطباء، الذين اعتادوا مناقشة شكل التحول الديمقراطي في سوريا المستقبل، حيث قتل من قتل منهم، وسجن من سجن، وهرب آخرون عبر الحدود إلى تركيا، وانضم عدد قليل إلى صفوف المضطهدين.

عبد الحميد البالغ من العمر 26 عامًا، والذي كان مساعدًا في متجر ومن ثم تحول إلى جهادي، كان قد قاتل مع مجموعة صغيرة تحمل الراية السوداء لجبهة النصرة، والتي كانت آنذاك تجري عملية دمج مع مجموعة غير معروفة قادمة من العراق تدعى داعش. والآن، وفي قرية بالقرب من بلدة مارا، يصف عبد الحميد بالتفصيل كيف أعدم “الروافض”، وهو مصطلح يستخدمه السنة لتحقير كل من الشيعة والعلويين.

وعندما ذكرت عبد الحميد بآرائه السابقة، وكيف كان يقول إنه يجب أن يكون هناك مكان لكل المنظمات الدينية والسياسية في بلاده، قال: “الناس في أوروبا وأمريكا يريدون منا محاربة بشار، ولكن أين هي المساعدة؟ كم عدد الأشخاص الذين لقوا حتفهم في انتظار هذه المساعدة؟ أنتم تتفرجون على ما يفعله بشار الأسد بنا، ومن ثم تأتون لتلقوا علينا المحاضرات“. والتقيت بعبد الحميد مرة أخرى في وقت مبكر من العام الماضي في بلدة غازي عنتاب الحدودية التركية. لقد قصر لحيته الطويلة، وكان يرتدي الجينز وقميص بدلًا من زي القتال.

وبرفقة عبد الحميد كان هناك شاب آخر، اسمه يوسف، وهو من إدلب. ادعى كل منهما حينها أنهما أصيبا بخيبة أمل من القتال، ويريدان التركيز على النضال المدني بدلًا من ذلك. وقبل ذلك، كنت قد قضيت فترة ما بعد الظهر في الاستماع إلى قصة مروعة لناشطة تعرضت للاعتداء من قبل مخابرات النظام السوري في مدينة حماة. وبعد أن أطلق سراحها، هربت الفتاة إلى تركيا، ولكن تم اعتقال أختها، التي تعرضت لاغتصاب جماعي، وكسور في الفك، والأضلاع، واليد، نتيجة الضرب المتكرر.

وقالت الناشطة: “ما زلت لا أستطيع أن أصدق أن كل هذه الأمور حدثت، وأن أشياء مثل هذه تحدث الآن“. وأضافت: “حماة لن تكون كما كانت مرة أخرى. بلدنا لن يكون كما كان مرة أخرى. لقد تم تدمير كل شيء“.

 

وقد قلت لعبد الحميد ويوسف إنه يمكنني، ربما، تفهم كيف يؤدي الغضب الذي تثيره مثل هذه الاعتداءات إلى ارتكاب المتمردين لتجاوزات. وقال يوسف، وهو طالب يبلغ من العمر 20 عامًا: “لو كنت أخ أو زوج واحدة من هؤلاء النساء، كنت سأود بالتأكيد أن أقتل جنود الأسد وشبيحته [الميليشيات العلوية]. لكنني لن أعذبهم، وبالتأكيد لن أقتل المدنيين لمجرد أنهم علويون“.

وفي النهاية، عاد عبد الحميد إلى سوريا، غير قادر على مقاومة إغراء القتال. وأما يوسف، فلا يزال في تركيا، ويحاول الوصول إلى دولة أخرى، قائلًا إنه لن يعود إلى سوريا حتى لو انتهت الحرب. وأضاف يوسف: “لن يكون هناك سلام حقيقي. ستحاول الأسر الانتقام من بعضها البعض. لقد تم فعل الكثير حتى الآن من خلال سفك الدماء“.

كيم سنغوبتا – الإنديبندنت (التقرير)

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.