هوليوود وواشنطن: تشكيل صورة العربي في ذهنية الشعب الأمريكي

0

تتشكل الآراء والأفكار النمطية في الفراغ. فجماعات المصالح الخاصة، تنفق مبالغ طائلة من المال لفرض آرائها (الدعائية) على الجمهور الغافل، الذي لديه القليل من الوقت للقيام بتحليل نقدي لكل قضية يتم مناقشتها خلال 24، لمدة 7 أيام في الأسبوع على الشاشات. وتزرع هذه الآراء في وسائل الإعلام عن طريق دفع الأموال “للمتحدثين الرئيسيين” وفئة الصحفيين غير المؤهلين لإجراء تحقيق شامل في كل قضية بشكل يسمح بألا تختلط الآراء مع الحقائق.

إدوارد سعيد، قال في كتابه” تأملات في المنفى ومقالات أخرى” إن: “اليمين في أمريكا، ومؤسسات الفكر والرأي التابعة للمحافظين الجدد وصناع السياسات في واشنطن، يخفون الحقائق التاريخية والسياسية، مثل الطموحات الإمبريالية للولايات المتحدة في الأوسط عن طريق تصوير “الحرب على الإرهاب”، بأنها صراع الحضارات، الذي يعتبر المرحلة الأخيرة في تطور النزاع في العالم الحديث”.

هوليوود تلعب دورها أيضًا، ففيلم: “كيف يبدو العرب: كيف تشوه هوليوود الناس” هو فيلم وثائقي يستند إلى كتاب لجاك شاهين يحمل نفس العنوان. ويوضح كيف أفسدت أو عالجت هوليوود صورة العرب في السينما والتلفزيون. فالعرب، هم ضحايا ما يسمى “ الـ B الثلاثة”. حيث يتم تصويرهم على أنهم (Bombers) مفجرون،(Belly dancers) راقصات، و(Billionaires) مليارديرات.

ويقول منتجو الفيلم الوثائقي: “هذه الصورة التي تتميز بإظهار العرب على أنهم إما لصوص أو في شكل وحشي، وأنهم بدو رحل، أو تظهر المرأة العربية على أنها راقصة ضحلة تخدم الشيوخ العرب الأشرار، السذج، والجشعين. والأهم من ذلك، هو صورة البندقية في يد العرب “الإرهابيين”. كما يشرح الفيلم، الدوافع وراء نشر هذه الصور النمطية عن العرب، وتنميتها في الوعي الأمريكي، ولماذا يعتبر ذلك من المهم جدًا اليوم.

ونظرًا لأن أقل من أربعة في المئة من الأميركيين يسافرون إلي الخارج، فالأرجح هو أن غالبية الأمريكيين قد شكلوا آراءهم حول الشرق الأوسط على أساس الدعاية التي يعمل على نشرها الجناح اليميني، والمحافظون الجدد، ومؤسسات الفكر والرأي المؤيدة لإسرائيل، وهوليوود، أو مزيج من الاثنين معًا. حيث تتيح هذه الآراء مساحات لصناع السياسة الأمريكية للمضي فيما يسمى “الحرب على الإرهاب” نيابة عن أولئك الذين يمولون الحملات الانتخابية لصانعي السياسات في الولايات المتحدة، مثل: شركات الأسلحة، والمقاولون العسكريون، وشركات النفط، واللوبي الإسرائيلي.

وكتب إيلا شوهات في مقال بعنوان “الجنس في هوليوود الشرق” جاء فيه: “على الرغم من أن رأي هوليوود في الشرق يعبر عنه بأنه “الصورة العربية”، لم يكن هناك نقاش كاف بشأن تقاطع الخطابات الإمبريالية والمساواة بين الجنسين. فالشكل الذي تصور به هوليوود المشرق ليس مجرد عرض للخيال الاستعماري، ولكنه أيضًا نتاج للنظرة (الغربية) للذكور. حيث كانت الفروق الجنسية عنصرًا أساسيًا في بناء صورة ذهنية بأن الشرق هو “الآخر” والغرب هو “الأنا” المثالية”.

ويقول شوهات إن “تصوير هوليوود للعرب، يتماشى مع الرغبات الإمبريالية للدولة. وبعبارة أخرى، فإن هناك تناغم بين رؤية النخبة في أمريكا للغنائم الاقتصادية في الشرق الأوسط، وطريقة تصوير هوليوود للعرب”.

في كتاب “العرقية، والأميركيين العرب قبل وبعد 9/11“، يرى المؤلفان أن إنقاذ “الغربي المتحض” للنساء البيض العذارى، وأحيانًا النساء السمر، من الرجال السمر، هو موضوع ثابت في هوليوود خلال القرن الماضي. ويقول شوهات إن “خيال “الاغتصاب والإنقاذ” يرسخ صورة المحرر الغربي كجزء لا يتجزأ من خيال الإنقاذ الاستعماري. وفي حالة المشرق، فإنه يحمل أيضًا إيحاءات لاهوتية دونية تجاه العالم الإسلامي الذي لديه تعدد الزوجات مقارنة بالعالم المسيحي، الذي يكتفي فيه الرجل بزوجة واحدة”.

ويعتبر شوهات أن “التحولات في طموحات الولايات المتحدة الاستعمارية في الشرق الأوسط، كانت متوازية مع التحولات في ” تصوير وسائل الإعلام لـ”العرب”. ففي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، تم استخدام الراقصات الكاسيات العاريات من قبل هوليوود لدغدغة مشاعر الأميركيين”.

ومنذ السبعينيات، أصبحت صورة الشيخ الملياردير في بلاد النفط صورة شعبية. وكان ذلك بعد أن عانت أمريكا من “الصدمة النفطية الأولى” لها عندما عاقبت الدولة العضو في أوبك أمريكا لدعمها إسرائيل خلال حرب أكتوبر عام 1973. ثم كانت الصدمة الثانية في عام 1979 بعد تداعيات الثورة الإيرانية.

ومنذ الثمانينيات، أصبحت صورة الإرهابي هي الصورة النمطية السائدة. ويوضح شوهات أنه “منذ السبعينيات، صورت هوليوود على نحو متزايد، العرب بأنهم ليسوا فقط متخلفين ثقافيًا وغير متحضرين، وغريبين، ويحتمل أن يكونوا خطرين؛ بل إنهم أيضًا هم الأعداء المحتملون للولايات المتحدة”. كما يذكرنا رونالد ستوكتون في كتابه “النموذج الأصلي العرقي وصورة العرب”، بأنه “في الثمانينيات، ظهرت الرسوم المتحركة التي صورت الفلسطينيين على أنهم فئران تتسلل إلى المنزل أو تقع في فخ، أو أنهم كالبراغيث التي تصيب منطقة ثم تتم إبادتها”.

كريس هيدجز، الصحفي الحائز على بوليتزر، والمدير السابق لمكتب الشرق الأوسط لصحيفة نيويورك تايمز، حذر من أن نفي الإنسانية عن المسلمين في الثقافة الاجتماعية للولايات المتحدة: “تسمح لنا بتمجيد وهم تفوقنا الأخلاقي والثقافي الخاص”، والذي هو الهدف الدقيق لأولئك الذين يستفيدون أكثر من أحلام الولايات المتحدة الإمبراطورية.

ويضيف: “لا، إن تصوير الغرب المستنير الذي ينشر الحضارة في عالم وحشي من المتعصبين الدينيين هو مغالطة تاريخية، فقد ارتكبت أبشع جرائم الإبادة الجماعية والمذابح التي شهدها القرن الماضي من قبل الدول الصناعية؛ بل إن المسلمين، بما في ذلك نظام صدام حسين الوحشي، ما يزال لديهم طريق طويل ليقطعوه قبل أن يصلوا إلى عدد القتلى الذين قتلتهم الأنظمة العلمانية، مثل: النازية والاتحاد السوفيتي، أو الشيوعيون الصينيون.

نحن ليس لدينا حرمة للحياة أكبر من أولئك الذين نتحدث عنهم. فهناك ناجون من مأساة هيروشيما وناغازاكي الذين يمكنهم أن يحكوا لنا عن قيمنا الأخلاقية العالية وقلقنا العاطفي تجاه حياة البشرية البريئة، ويمكنهم أن يحكوا لنا أيضًا عن أعمالنا الإرهابية”.

العرب اليوم يعانون من الطريقة نفسها التي تناولت بها وسائل الإعلام الأمريكيين الآسيويين في منتصف القرن العشرين. فالصور النمطية وتكثيف التركيز على “الآخر” يعتمد على من تعتبره الدولة العدو الأجنبي. وقد تحولت الصور النمطية للأمريكيين الآسيويين أيضًا وتغيرت خلال عقود. حيث تم تصوير الأمريكيين الآسيويين، كعدو أجنبي دائم، خاصة في عصر الحرب العالمية الثانية. ولكن، تصوير وسائل الإعلام الحالية للآسيويين الأمريكيين يمكن اعتباره أكثر “إيجابية”؛ لذا، فلا يمكننا اليوم، الفصل بين ما تنشره هوليوود وبين دوافع الولايات المتحدة الأمريكية الإمبريالية.

ميدل إيست آي – التقرير

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More