ركائز الموقف الأمريكي من العدوان على غزة

0

لا نجادل في العلاقات الوثيقة التي تربط البيت الأبيض بغالبية الزعماء العرب، ولكننا نأسف عندما نرى بعض المحليين، والناشطين السياسيين، وقد كادوا يقعون في حب سياسات الولايات المتحدة ورئيسها أوباما، على أساس أن واشنطن باركت بعض ثورات الربيع العربي.

وقد بلغ الأمر حدّاً، أنه ومع كل ما قامت به أمريكا من مساعدة للأسد في تثبيت حكمه منذ العام 2000، ومحاربتها للثورة السورية، فقد أوشك بعض الكتاب السوريين أن يقع في غرامها، بعضهم من باب مجاملة القوي الذي يملك مفاتيح القوة، وبعضهم من باب أن أوباما طالب الأسد بالتنحي وزعم دعم الشعب السوري.

لقد غاب عن خاطر هؤلاء جميعاً أن الولايات المتحدة لم تقف مع الحق العربي أو الإسلامي ولو مرة واحدة منذ نشوئها إلى اليوم، من سومطرة و ونيجيريا إلى أفغانستان والعراق، غير متناسيين بالطبع سعيها لتثبيت الدكتاتوريات في الوطن العربي بما يخدم مصالحها، ضاربة بعرض الحائط تطلعات الشعوب بالحرية والتخلص من الاستبداد. وضاربة بعرض الحائط أيضاً الحدّ الأدنى من أخلاق الدولة العظمى التي يجب عليها المساعدة في حفظ الأمن والسلام الدوليين.

من فوائد العدوان الصهيوني على غزة، أنه أعاد البوصلة لبعض المتابعين فيما يتعلق بالسياسة العدوانية للولايات المتحدة تجاه القضايا العربية والإسلامية، إذ لم تبدأ غارات العدو الصهيوني على القطاع حتى سارعت أمريكا إلى تأييدها بكل الوقاحة السياسية والأخلاقية التي عودتنا عليها.

قام الكيان الصهيوني حتى الساعة بأكثر من ألف غارة على القطاع، وأطلق آلاف القذائف والصواريخ وقتل العشرات من المدنيين بما فيهم الأطفال والنساء، ودمر عشرات البيوت، وبدل من أن تقوم الولايات المتحدة بالضغط على الكيان الصهيوني، سارع البيت الأبيض لإدانة إطلاق حماس صواريخَ على أراض فلسطينية يحتلها العدو.

جوش إيرنست المتحدث باسم البيت الأبيض “أدان بشدة استمرار إطلاق الصواريخ على إسرائيل والاستهداف المتعمد للمدنيين من قبل المنظمات الإرهابية في غزة”. كما أكد التأييد الكامل لحق إسرائيل في الرد على الهجمات، وقال “لا يمكن لأي بلد أن يقبل بإطلاق صواريخ تستهدف المدنيين، ونحن ندعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها في وجه هذه الهجمات الشرسة”.

وهكذا، أصبح المدافعون عن أرضهم إرهابيين بينما أصبح الكيان الغاصب مظلوماً لا يعمل إلا الدفاع عن مواطنيه. وأصبحت الهجمات الحمساوية شرسة، وهجمات العدو الصهيونية دفاعية لا تسقط بيوتاً ولا تقتل مدنيين.

من جهتها، واستباقاً لأي طلب قد تقدمه الدول العربية لواشنطن، للضغط على الكيان الصهيوني، سارعت الخارجية الأمريكية، إلى دعوة الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، إلى الضغط على حماس لتتوقف عن “الاعتداء على الإسرائيليين”.

الموقف الأمريكي الواضح والصارم في الدفاع عن الصهاينة، وإدانته لأي نوع من المقاومة ضد المحتل، لا يعود فقط إلى السياسة الأمريكية المعروفة ضد العرب والمسلمين، ولكنه يرتكز أيضاً على ضعف المواقف العربية في الدفاع عن القطاع، وتبعية هذه المواقف للإدارة الأمريكية وعدم قدرة التابع على مجابهة البيت الأبيض أو الاختلاف معه. فالمتتبع لتصريحات المسؤولين في الدول العربية يلحظ درجة من التواطئ فيما يحدث من اعتداء سافر على قطاع غزة.

لم تفعل معظم الحكومات العربية شيئاً مقابل هذا العدوان، ولا مقابل الذي قبله، بل سكتت تلك الحكومات عن إدانة ما حدث، ذلك في الوقت الذي قامت به حكومة الانقلاب في مصر بإغلاق معبر رفح أمام المدنيين الفارين من الغارات الصهيونية، ولا شك أن هذا مساهمة صريحة من السيسي، في الاعتداء على أهل غزة وفلسطين عموماً، ومخالفة بينة لاتفاقيات جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب.

بل أبعد من ذلك وأنكى، ففي الوقت الذي يحاول فيه الصهاينة القضاء على الشعب الفلسطيني يحاول زعماء عرب القضاء على شعوبهم أيضاً، وفي الوقت الذي تنطلق فيه هجمات الطائرات الصهيونية على القطاع، تنطلق طائرات الأسد لتدمر المدن السورية، وينهمر الرصاص المصري على المتظاهرين السلميين، فما الذي يمنع الولايات المتحدة بعد ذلك أن تتخذ من المواقف ما تشاء، وأن تركب الحمار وتسبل قدميها.

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.