تقرير أمريكي يقيم احتمال المواجهة بين إسرائيل و «حماس»

0

في الثلاثين من حزيران/يونيو عثرت القوات الإسرائيلية على جثت ثلاثة شبان إسرائيليين، كانوا قد اختطفوا في 12 حزيران/يونيو في الضفة الغربية، وهي مدفونة على عمقٍ بسيط في قاع نهرٍ جاف شمالي مدينة الخليل. وقد تعدّت عملية الانقاذ والمطاردة الضخمة حدود البحث عن المفقودين لتتحول إلى عملية قمع واسعة النطاق ضد أفراد حركة «» وبنيتها التحتية في الضفة الغربية، بما تضمنه ذلك من نشر ثلاثة ألوية إضافية من “جيش الدفاع الإسرائيلي” (وبذلك بلغ المجموع تسعة ألوية في الضفة الغربية)، وقوات خاصة، وطاقة جوية، ووحدات البحث والإنقاذ التابعة للشرطة. ومنذ وقوع حادثة الخطف، أُلقي القبض على ما يزيد عن 450 فلسطيني، يشتبه بأن غالبيتهم العظمى من أعضاء «حماس»، كما قامت القوات الإسرائيلية بمداهمة وتفتيش ما يقرب من 1400 موقع في جميع أنحاء الضفة الغربية. وفي الواقع أن “عملية عودة الإخوة” كما أُطلق عليها تعتبر حتى الآن أضخم حملة عسكرية تنفذها في الضفة الغربية منذ اندلاع الانتفاضة الثانية قبل ما يقرب من عشر سنوات. ولا يزال البحث جارياً عن المشتبهيْن الرئيسييْن – المعروفيْن كنشطاء «حماس» في الخليل.

والمأساة في ما حدث هي أن العثور على الشبان الإسرائيليين مقتولين لم يأتِ كمفاجأة: إذ كانت الأوساط الأمنية ووسائل الإعلام الإسرائيلية تتناقل معلومات استخباراتية قوية مفادها أن عملية الخطف تأزّمت سريعاً؛ وعلى الرغم من الأدلة [المحدودة التي كانت متوفرة] كان يحدو الأمل بأن يتم العثور على بعض الضحايا على الأقل على قيد الحياة. وعلى هذا الأساس تسنّى للحكومة الإسرائيلية و”جيش الدفاع الإسرائيلي” أكثر من أسبوعين لتحضير ردّهما الذي جاء في الأول من تموز/يوليو. ووفقاً لمصادر أمنية مختلفة في إسرائيل، بدأ “جيش الدفاع الإسرائيلي” بنشر قواته البرية في جنوب إسرائيل، وداخل وحولها، فضلاً عن نشره القوات البحرية قبالة سواحل الأراضي الفلسطينية. وعلاوة على ذلك، تم فعلاً نشر المزيد من نظم الصواريخ المضادة – المعروفة باسم “القبة الحديدية” – في المنطقة.

وبالفعل بدأت الحكومة بالرد على ذلك حيث وجّهت ضربات إلى 34 هدفاً في غزة في ليلة الثلاثين من حزيران/يونيو (معظمها على مجمع واحد)، لكن معالم الرد الأكثر صرامة الذي يتوقعه الشعب الإسرائيلي ليس واضحاً بعد. فرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كان جازماً بقوله إن “«حماس» مسؤولة، و«حماس» ستدفع الثمن”، إلا أن الاجتماع الذي عقده مجلس وزراء الأمن السياسي لإسرائيل في ليلة الثلاثين من حزيران/يونيو لم يكن حاسماً. وتشير التقارير الصحفية إلى أن وزراء اليمين الإسرائيلي يطالبون باتخاذ إجراءات شاملة – وليس فقط [القيام بعمليات] عسكرية ضد «حماس» في غزة بل في الضفة الغربية أيضاً – بما في ذلك بناء المستوطنات؛ ويقال إنّ وزراء آخرين وربما حتى كبار ضباط “جيش الدفاع الإسرائيلي” يوعزون بالاعتدال خوفاً من أن يؤدي أي تصعيد في غزة إلى اندلاع حربٍ بكل ما في الكلمة من معنى.

وقد عقد مجلس وزراء الأمن السياسي اجتماعاً آخر في الأول من تموز/يوليو لحسم قراراته بشكل نهائي. ومن المحتمل أن يكون رئيس الوزراء نتنياهو قد وضع خطةً لمسار وسطي تتضمن توجيه ضربات محدودة على غزة مع مواصلة التدابير المتخذة تجاه أفراد من حركة «حماس» والأصول المالية للجماعة فى الضفة الغربية، وتجديد الدعوة إلى إنهاء اتفاق المصالحة الأخير بين حركتَي «فتح» و«حماس».

ومع ذلك، إذا اختارت الحكومة الإسرائيلية المقاربة الأكثر تشدداً، سوف تنال على الأرجح تأييداً كبيراً من الشعب. فقد أظهر الإسرائيليون تضامناً واسع النطاق على مدى الأسابيع القليلة الماضية حين كانت حياة إخوانهم المخطوفين على المحك؛ وفي هذا الصدد تُزين وجوه المراهقين الثلاثة اللوحات الإعلانية والصفحات الأولى من الصحف. وقد شارك نحو 80 ألف مواطن إسرائيلي في تجمّع الصلاة الضخم الذي شهدته “ساحة رابين” في وسط تل أبيب في 29 حزيران/يونيو.

وما زاد من حدة التوتر هو أن البلدات الإسرائيلية المجاورة لحدود غزة شهدت تصاعداً في الهجمات الصاروخية على مدى الأيام القليلة الماضية وخاصة خلال اليومين الأخيرين من حزيران/يونيو، وقد استهدفت إحداها مصنعاً في مدينة سديروت بضربةٍ مباشرة. ووفقاً لتقارير الصحافة الإسرائيلية، شاركت وحدات إطلاق الصواريخ التابعة لـ «حماس» مباشرةً في هذه الهجمات – وقد تردد أن هذه الإجراءات هي الأولى من نوعها منذ عملية “عمود الدفاع” التي شنتها إسرائيل في تشرين الثاني/نوفمبر 2012.

ثمة احتمال أيضاً بقيام عملية أخرى بحجم حملة “عمود الدفاع” – التي استمرت ثمانية أيام وشملت شن هجمات قوية من قبل سلاحي الجو والبحرية الإسرائيليين فضلاً عن الهجمات الصاروخية، في حين أطلقت «حماس» 1400 صاروخاً على [عدة مدن] في إسرائيل، بما في ذلك تل أبيب وضواحي القدس -، ولكن الأرجح أن أيّاً من الجانبين لا يرغب في تصعيدٍ بهذه الضخامة. بيد، كما قال ضابط كبير في “جيش الدفاع الإسرائيلي” لكاتب هذه السطور في الأسبوع الماضي، “المرة الأخيرة التي اختطف فيها ثلاثة اسرائيليين [من قبل «حزب الله» على الحدود بين اسرائيل ولبنان عام 2006] أدت إلى اندلاع حرب استمرت شهراً.”

بالنسبة للسلطة الفلسطينية، وعلى وجه الخصوص الرئيس محمود عباس، جاءت هذه الأزمة في أسوأ مرحلة سياسية ممكنة. فحكومة “الوفاق الوطني” التي شُكلت بدعم «حماس» كانت قد أقسمت لتوها اليمين الدستورية في 2 حزيران/يونيو، إلا أن حملة القمع الإسرائيلية في الضفة الغربية أدت إلى اشتداد حدة التوتر وتسببت بمقتل ستة فلسطينيين وفقاً للتقارير، ناهيك عن بعض السخط الشعبي على السلطة الفلسطينية نفسها. ومما زاد الطين بلة هو أن شهر رمضان المبارك بدأ في نهاية الأسبوع الماضي – وتجري العادة خلال هذه العطلة الممتدة طيلة الشهر أن تجتمع العائلات وتتبادل الزيارات، إلا أن السلطات الإسرائيلية شددت تدابير الاستحصال على تراخيص الدخول إلى إسرائيل وفرضت بعض القيود على السفر داخل الضفة الغربية في أعقاب الأزمة. والأرجح أن الخطاب الشديد اللهجة والشجاع الذي أدان فيه الرئيس عباس عملية الخطف لن يكفي لمنع قيام حملة عسكرية أكثر صرامة من الجانب الإسرائيلي. لذلك فإنّ أفضل ما يمكنه تمنّيه هو عزل الضفة الغربية عن تبعات مثل هذا التصعيد من خلال نشر عناصر الشرطة التابعة للسلطة الفلسطينية إضافةً إلى قوات مكافحة الشغب والاستخبارات.

ومن الناحية السياسية، كان الرئيس عباس قد صرّح أن حكومة الوفاق الوطني بين حركتَي «فتح» و«حماس» ستتبنى مبدأ اللاعنف، لذلك يمكن اعتبار عملية الخطف انتهاكاً فادحاً لأحكام اتفاق المصالحة ولا بد للمسؤولين الفلسطينيين أن يعربوا عن ذلك علناً. وبالفعل، نظراً للتكهنات بأن عملية الخطف ربما لم تقرها جميع قيادات «حماس» أو جزء منها، قد يشكل ذلك فرصة أمام قادة «حماس» أنفسهم، سواء في غزة أو في الخارج، للتوقف عن التظاهر بالحياء والإعلان على الملأ بأنه في حين قد يكون مرتكبو هذا العمل من نشطاء «حماس»، إلا أن القرار لم يأتِ بأمرٍ من القيادة العليا. لكن احتمال أخذ هذه الخطوة ضئيلٌ بالطبع، لأن المقاومة المسلحة ما زالت هي السياسة الرسمية للحركة. بيد، إن ذلك قد يكون الأمر الوحيد الذي ينقذ «حماس» من قيام الجانب الإسرائيلي بأعمال انتقامية أكثر قسوة – لا بل الخطوة الوحيدة التي تستطيع إنقاذ اتفاق المصالحة الذي هي بأمس الحاجة إليه.

أما بالنسبة للمجتمع الدولي، فتؤكد هذه المأساة الأخيرة على الحاجة لإعادة التركيز على شروط “اللجنة الرباعية” بشأن مشاركة «حماس» في أي عملية سياسية، لا سيما الشرط المتعلق بنبذ العنف. وأقلّ ما يقال هو أن خطف هؤلاء الشبان الثلاثة وقتلهم يبيّن أن «حماس» لا تزال منخرطة في الإرهاب بصرف النظر عن ذرائعها أو مقتضياتها السياسية.

 

نيري زيلبر، هو باحث زائر في معهد واشنطن، وصحفي وباحث في مجالي السياسة والثقافة في الشرق الأوسط.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.