سوريا: الأسد يحكم مصر!

0

يبدي الأخوة المصريون استياءهم إذا ما قارن أحد أحداث رابعة وما جرى بعدها بما يحصل في سوريا، مع أن نسبة كبيرة ممن تزعجهم المقارنة لا يستنكرون أفعال النظام السوري، بل يُظهرون التأييد للأخير على أرضية المقارنة ذاتها إذ يرون فيما يحدث حرباً بين النظام والأصولية،

 

 وفي أحسن الأحوال ثورة شعبيةً انحرفت عن مسارها في اتجاه التطرف الديني. ومع أن الموقف من ليس المعيار الأخير إلا أن اتفاق المرشحيْن “السيسي وصباحي” وقاعدتهما الشعبية على السكوت على جرائم النظام السوري، أو على النظر إليها بعين الرضا، لا يمكن اعتباره شأناً ثانوياً. لا يجوز مثلاً تجاهل تحية صباحي للفيتو الروسي الصيني الأخير، فامتداحه الموقفين الروسي والصيني يضمر موافقته على الجرائم في حق الإنسانية، وجعلها شأناً داخلياً سيادياً أينما وقعت؛ ذلك ليس على سبيل الافتراض فبعضها واقع في مصر أيضاً.

 

اعتقال الناشطين المصريين، من غير الإخوان، لم يعد يثير تلك الحساسية السابقة في الأوساط المصرية، مع أن أحداً لن يجرؤ على اتهام شباب حركة 6 أبريل أو الاشتراكيين الثوريين بالإرهاب الأصولي. مع ذلك ستنبري النخبة الثقافية للقول بأن ما يحدث ليس دلالة على عودة الاستبداد القديم، شأنها في هذا شأن مؤيدي العسكر كافة الذين لا يرون غضاضة في انتهاك الحقوق تحت يافطة المصلحة الوطنية، أو بالأحرى تحت الفاشية التي تستخدم الوطن لمحو المواطن. مصر السيسي ليست مصر ثورة يناير، بل ليست مصر التي كانت في عهد مبارك، هي أقرب لأن تكون مصر الأسد، فالسادات ومبارك لم يحلما بتلك الأوصاف الإلهية والنورانية التي تسبغ اليوم بسخاء قل نظيره على الفرعون الجديد.

 

موطن العلة ليس في المواطن المصري البسيط الذي يبحث عن لقمة العيش، ويتوسلها من خلال استقرار يؤمّنه العسكر، ووعود اقتصادية سيكتشف زيفها عاجلاً. النخبة الثقافية والإعلامية هي المتهم الرئيسي في الكذب والدجل الحاليّين، فهذه النخبة تتجاهل تماماً السؤال عن مصير المساعدات الاقتصادية الخليجية المقدمة لمصر، وهي فاقت خلال السنوات الأخيرة مبلغ العشرين مليار دولار، معظمها بعد انقلاب السيسي. عملياً تتجاهل النخبة أن هذا المبلغ الضخم أُهدر تحت ستار العمليات الأمنية، واستُغل قسم كبير منه لإعادة الاستبداد، بينما في الوقت نفسه كان الاقتصاد المصري يتراجع على كافة مؤشرات النمو والتنمية بسبب المناخ الأمني المتردّي أيضاً.

 

النخبة أيضاً لا تبدو في وارد التفريق بين الاستبداد والديكتاتورية، فالاستبداد مغاير كلياً للديكتاتورية بوصفها تفويضاً واضحاً ومحدداً بهدف معلن، ينتفي وجودها بتحقيقه أو يُسحب التفويض في حال الفشل. الديكتاتورية مصدرها سلطة أرضية منتخبة، لا مستبد يزعم أنه رأى الله ونال منه البركة على أفعاله؛ مستبد يلوّح قبل توليه السلطة بربع قرن من الاستبداد، وكأنه يقول إنه باقٍ حتى تنقضي هذه المدة. التعيين القانوني المعاصر للديكتاتورية هو إعلان حالة الطوارئ من قبل سلطات منتخبة، وبحيث لا يجوز تمديدها إلى ما لا نهاية كما فعل نظام مبارك، وكما يبدو أنه سيحدث في النظام الجديد. مع التنويه بأن إعلان حالة الطوارئ هو لهدف محدد، وإذا لم يتحقق الهدف تُحاسب السلطة بالوسائل الديمقراطية على فشلها وبالوسائل القانونية على انتهاكاتها وتجاوزاتها، أما أن تكون حالة الطوارئ أو المحاكم الاستثنائية أداة لمنع الديمقراطية ولانتهاك الحريات فتلك سمة الاستبداد لا الديكتاتورية.

 

الثورات تترافق غالباً بالفوضى، وقد تعقبها فترة قصيرة من الديكتاتورية “الضرورية” لضبط الفوضى العامة، وقد تحظى بشعبية حقيقية باعتبارها شراً لا بد منه. كل ذلك يختلف عن الإتيان إلى الحكم بالنظام القديم الذي تسبب بالثورة، فهذا يعني عملياً ضرب كافة المكتسبات المأمولة من الثورة، بل وضع الأخيرة في مرتبة الخطأ التاريخي الذي يجري التكفير عنه. شعبية المستبد، المكتسبة في هذه الحالة حتى من قبل ثوريي الأمس، هي تعبير عن الاستقالة التامة من المساهمة في صنع التاريخ تحت خدعة المنقذ كليّ القدرة، الذي سيعالج بلمسة سحرية كافة الأزمات وصولاً إلى علاج مرض الإيدز.

 

في ما مضى كانت النخبة الثقافية السورية ترى لمصر أسبقية على سوريا بنحو عقد من الزمن، فالانفتاح النسبي والتساهل في قضايا الحريات بدآ في مصر قبل سوريا بنحو عشر سنوات، حتى عندما تقاطع البلدان على مفترق توريث الحكم نُظِر إلى مصر كرائدة في محاولة رفض التوريث. ما لم ينتظره أحد أن يتم التوريث “بمعناه العميق” في مصر بعد الثورة، وأن يأتي “مبارك الابن” هناك محمولاً على دعاية وتواطؤ ثقافي قل نظيرهما. الأصح ربما أن نعكس الترتيب، فيصبح حسني مبارك هو الابن الذي حكم قبل أبيه السيسي!

 

عمر قدور كاتب سوري

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.