تسعة عشر عاماً على مجزرة الحرم الإبراهيمي

0

كي لا ننسى:

 

 

 

تسعة عشر عاماً على مجزرة الحرم الإبراهيمي

 

 

 

 

محمود كعوش

  عندما سُئل الدكتور الشيخ تيسير رجب التميمي، قاضي قضاة فلسطين ورئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي الفلسطيني، عن مجزرة الحرم الإبراهيمي بعد حدوثها في الخامس والعشرين من شهر شباط 1994 ميلادي الذي توافق مع الخامس عشر من شهر رمضان 1414 هجري قال أن “المجزرة يوم لا ينسى في تاريخ مدينة خليل الرحمن الباسلة التي خرجت غاضبة ثائرة، وخرجت معها جماهير شعبنا الفلسطيني في كل مكان في القدس والضفة وفي غزة، وامتدت الشرارة إلى داخل فلسطين المحتلة عام 48 في مسيرات ومظاهرات ومواجهات دامية، فتصدت لهم قوات الاحتلال وجنودها المدججون بالسلاح، وفتحوا عليهم النار فسقطت كوكبة جديدة من الشهداء غيلة وغدراً”. وأضاف التميمي أن “المجزرة كانت مخططاً مدروساً لتحقيق هدف مرسوم، هو تهويد الحرم الإبراهيمي الشريف، وقلب مدينة خليل الرحمن، فبعد انقضاء فترة حظر التجول الذي فرض على المدينة لأكثر من شهر، وبعد إغلاق الحرم في وجه المصلين المسلمين لأكثر من شهرين، فوجئ أهل المدينة بتقسيمه وتهويد الجزء الأكبر منه، وتحديد عدد المصلين وأوقات دخولهم إليه، بينما يسمح لليهود بالدخول والخروج متى شاؤوا، وبتشديد الإجراءات في قلب المدينة”. وأردف التميمي متابعاً “لكن هذه المدينة الصامدة، التي شهدت مذبحة الفجر، وعاودت الوقوف بثبات، ستبقى عربية إسلامية بجهود أبنائها المخلصين الأوفياء، الذين يعاهدون الله على التمسك بها والدفاع عنها، ومواصلة إعمارها والتسوق من أسواقها والمواظبة على الصلاة في مسجدها الإبراهيمي الشريف، ليبقى عامراً بالمؤمنين، يصدع من على مآذنه صوت الحق الله أكبر، فهو مسجد خالص للمسلمين بجميع بنائه وحجراته وأروقته وأبوابه، ولا حق لليهود فيه من قريب أو بعيد، فلن تزيدهم المجازر إلا إصراراً على رفض الانكسار، لأنهم موقنون بأن الحياة الطبيعية لمدينة الأنبياء والصالحين لن تعود إلا برحيل آخر مستوطن”!!يستذكر أبناء مدينة الخليل والفلسطينيون عامة هذا الأسبوعمذبحة الحرم الإبراهيمي الشريف بكثير من الحزن والأسى لفقدانهم معلماً دينياًإسلامياً هاماً ووداعهم شهداء أبرار سقطوا على مذبح الإرهاب الصهيوني المتواصل فوقأراضيهم المباركة على مدار ما يقارب أربعة وستين عاماً، هي عمر نكبة فلسطين الكبرىالتي حدثت في عام 1948.

  مع بزوغ فجر يوم الإثنين الموافق الخامس والعشرين من شهر شباطالجاري تحل علينا الذكرى التاسعة عشرة لهذه المجزرة الإجرامية التي اعتبرتواحدة من أبرز محطات الإرهاب الصهيوني ضد أبناء الشعب الفلسطيني منذ انعقاد المؤتمرالصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية في عام 1897 والتي نفّذها إرهابي صهيونيبحق أبرياء من أبناء مدينة الخليل في الضفة الغربية في مثل هذا التاريخ منعام 1994 ميلادي، الذي توافق معالخامس عشر من شهر رمضان 1414 هجري.

  فيفجر ذلك اليوم الأسود اقتحم الإرهابي الصهيوني الطبيب باروخ غولدشتاين الذي رضعحليب الحقد والكراهية من ثدي أمه حيث ولد وترعرع في أزقّة وشوارع بروكلين الأميركيةالحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل الواقعة في الضفة الغربية وشرع بإطلاق رصاص رشاشهالحربي على المصلين من خلف ظهورهم أثناء خشوعهم بين يدي الله وتأديتهم الصلاة، مما أسفر عن وقوع عشراتالشهداء ومئات الجرحى. وكما هو معروف فإن مدينة الخليل حيث وقعت المجزرةالرهيبة هي مدينة إسلامية عريقة بناها العرب قبل آلاف السنين، وتعود أغلب آثارهاومبانيها إلى العصر الأموي الذي أولى خلفاؤه قبور الأنبياء إبراهيم وإسحاق ويعقوبعليهم السلام وزوجاتهم الفاضلات اهتماماً ملحوظاً.وكان الحرم االإبراهيمي كماكل مدينة الخليل ملكاً خالصاً للفلسطينيين والمسلمين عامة إلى أن احتل الصهاينةبنتيجة عدوان الخامس من حزيران 1967 الضفة الغربية وسمحت سلطة الاحتلال بنتيجتها للمتطرفيناليهود بإقامة طقوسهم الدينية فيه وتدنيسه. 

  ومنذ ذلك الوقت اتخذت زيارات اليهودللحرم الإبراهيمي طابعًا استفزازياً متعمداً بلغ ذروته في السابع والعشرين من آب1972 مع قيام الإرهابي الصهيوني الحاخام مائير كهانا زعيم “رابطة الدفاع اليهودية” المعروفة باسم “كاخ” باقتحام مدينة الخليل على رأس زمرة من أتباعه الموتورينوإقامتهم طقوساً يهودية جماعية وعلنية. وفى الحادي والثلاثين من تشرين الأول من ذاتالعاماستدعى الحاكم العسكري الصهيوني مدير أوقاف الخليل والقائم على الحرموأبلغهما قراراً قضى بوضع سقف للمسجد المكشوف وتخصيصه لليهود كما قضى بزيادة عدد المقاعد في داخلهووضع خزائن لحفظ التوراة ومنع المسلمين من الصلاة على موتاهم وتقليص عدد الساعاتالمسموحة لصلاتهم فيه، الأمر الذي أدى إلى رفض الهيئة الإسلامية العليا في القدسللقرار واعتباره انتهاكًا لمقدسات المسلمين ولا قانونياً. 

  يُشار في هذا الصدد إلى أنسكان مستوطنة “كريات أربع” المجاورة لمدينة الخليل وجميعهم من اليهود الموتورينوالمتطرفين لم يوقفوا يوماً اعتداءاتهم على الحرم، بما في ذلك نهب محتوياته وتمزيقالمصاحف فيه وإنزال الهلال عن قبته وسرقة ساعاته الأثرية والاستيلاء على مخطوطاتإسلامية لا تقدر بثمن. وتجدر الإشارة إلى أنه في كل مرة كان أهل الخليل يتصدون فيهاللمستوطنين دفاعًا عن الحرم، كانت مطالب هؤلاء الخاصة بالإشراف على الحرم تزدادإصرارًا وإجراءاتهم تتصاعد في الاعتداء على السكان العرب. ومما لا شك فيه أن مذبحةالحرم حدثت ضمن سلسلة تصاعدية من الاعتداءات المتكررة التي لم تجد من جانب سلطاتالإحتلال الصهيونية غير التجاهل واللامبالاة. 

  تسببت مجزرة الحرمالإبراهيمي في حينه بإثارة الرأي العام العالمي الذي أدانها بشدة، مما اضطر الكيانالصهيوني إلى المبادرة بالاعتذار عن ما أسماه “الحادثة التي تسبب فيها رجل مختلعقلياً” بحسب تصريحات المسؤولين في تل أبيب. وقد ترافق الاعتذار مع قيام الكيانبتقديم تعويضات لأهالي الضحايا، كما ترافق مع اتخاذه خطوات وإجراءات سياسيةاستثنائية لطالما دأب على اتخاذها في مثل هذه الحالة. هذا ونجح بدهاء إعلامي في طيصفحة المذبحة، خاصة بعد أن تم قتل الإرهابي باروخ جولدشتاين على أيديالمصلين. لكن ذلك الاعتذار كان ضرورياً بالنسبة للكيان الصهيوني بعدما فشل في فبركةالمبررات والذرائع المنطقية والمقبولة لتلك الجريمة، إلا أنه بقي في إطار ذر الرماد في العيون. وما دعا للحزن والأسى بل للخزيوالعار أن العرب تعاملوا مع المجزرة الرهيبة بتهاون وغباء أضافا نقاطاً أخرى إلى سجل عجزهم في التعاملمع الإعلام العالمي وإمكانية استثماره لصالح القضية الفلسطينية ومجمل القضاياالوطنية والقومية العربية.


وبالطبع فإنه من غير الممكن لأي عاقل أن يتكهن باحتمال أن تخرج مجزرة الحرم الإبراهيمي من الذاكرة الفلسطينية، تماماً كما هو الحال مع كل المجازر والمذابح والجرائم البربريةوالوحشية التي تعرض لها الفلسطينيون داخل الوطن وخارجه على أيدي جلاوذة الإرهابالصهيوني الرسمي والفردي، أقله من ذاكرة من عاشوا أحداثها المفجعةوالكارثية التي ما تزال ماثلة للعيان. لقد كانت مجزرة رهيبة خُطط لها بمكر ودهاء وعناية بالغة ونُفذت بدقة متناهية. ودلل على ذلك أنه وبعد مرور تسعة عشر عاماً علىارتكابها لا يمكن لأي مواطن فلسطيني يدخل الجزء القديم من مدينة الخليل إلا ويخرجمنه بانطباع واحد مفاده أن المجزرة قد نجحت في تحقيق الأهداف التي ارتكبت من أجلهاوأن من خططوا لها نجحوا في ترحيل المواطنين الذين كانوا في هذا الجزء، إذ أن من لم يخرج منهمبالترغيب أجبر على الخروج بالترهيب. وبعد تسعة عشر عاماً أصبح الجزء القديم من الخليل بؤرةأشباح، فمَن يدخلها يعيش حالة من الذعر والخوف والترقب ومن يسكنها يعيش حالة منالرعب ومن يخرج منها لا يفكر بالعودة إليها بسبب ما يتعرض له من استفزاز وآلامواعتداءات منظمة ومبرمجة. 


لقد أثبتت جميع الدلائل والمعطيات التي توفرت بعيد ارتكاب المجزرة أن المتطرفالصهيوني باروخ غولدشتاين لم يرتكب المذبحة وحده بل شاركه فيها جنود من جيشالاحتلال الصهيوني كانت مهمتهم إغلاق باب الحرم الإبراهيمي لمنع المصلين من مغادرتهومنع سيارات الإسعاف من الوصول إلى المنطقة. فحين حاول بعض الفلسطينيين نجدةإخوانهم المصلين قابلهم الجنود المجرمون بإطلاق الرصاص بكثافة وغزارة. وقد لاقتمجزرة الحرم تأييداً من غالبية الصهاينة في كيان العدو الصهيوني، فعند سؤال أحدخامات اليهود عما إذا كان يشعر بالأسف والأسى على من قتلهم غولدشتاين رد قائلاً “إنمقتل العربي يؤسفني بالقدر الذي يؤسفني مقتل ذبابة”!!         وكما هو معلوم فإن الكيان الصهيوني حَوَلّالسفاح باروخ غولدشتاين إلى “بطل قومي يهودي”، بل جعل منه قدوة وحلماً لمن رضعوا منذات الحليب الذي رضعه إذ قام بدفنه في قبر عند مدخل مستوطنة “كريات أربع” وخصصللقبر عدداً من جنود حرس الشرف مهمتهم حراسته وتأدية التحية العسكرية لنزيله كلصباح. وليس من باب المبالغة القول أن الصهاينة أنزلوه حتى يومنا هذا “منزلةالقديسين”، فحولوا قبره إلى مزار يؤمونه في الذكرى وفي مناسباتهم الدينية والوطنية. وقد دأبوا مع اقتراب موعد الذكرى الأليمة في كل عام على ذرف الدموع المسمومة علىمقتل طبيبهم المجرم، في وقت يذرف الفلسطينيون دموع الحُزن والألم والأسى على فراقمعلمهم الديني وشهدائهم الأبرار. 

اليوم وبعد مُضي تسعة عشر عاماً على حدوث المجزرة البربرية يمكن الجزم بأنه لم يتبقَ للمسلمين والعربوللفلسطينيين قبل هؤلاء وأولئك من الحرم الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليلسوى إمكانية النظر إلى بنيانه عن بعد وقراءة يافطة مجاورة له تقول “ممنوع الصلاة في هذا المكان”  وإمكانية رؤيته في وسائل الإعلام المختلفة التي قد تاتي على ذكره بين الحين والآخر، ولربما أيضاً الحصول على صور تذكارية لهيشترونها من الأسواق الصهيونية لغرض تزيين جدران منازلهم بها!!!! وكما جاء في قولٍ حكيمٍلفلسطينيٍ عاقل فإن “مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف قد فتحت أمام الإرهابيين الصهاينة بابالغنائم على مصراعيه فنهلوا من الشريان الفلسطيني ما لم يكفهم على مدار خمسة وستينعاماً، وربما أنهم سينهلون منه ما لن يكفيهم في قادم الأيام، بحيث يُترك الجسدالفلسطيني ينزف حتى الموت تحت سمع وبصر “إخوة الكلام” في الضفة الغربية وقطاع غزةالذين يصرون على عدم الصلح ويمضون في خلافاتهم ونزاعاتهم  من أجل سلطة وهمية ليست موجودة إلا في خيالاتهم الساذجة، وتحت سمع وبصر “عرب اللسان” و”مسلمي التسمية”….ألا لا سامح الله كل من تهاون بحق هذا المَعْلَمِ الإسلامي والإنساني وبحق فلسطين والفلسطينيين !!

 

 

 

 

محمود كعوش

 

 

 

kawashmahmoud@yahoo.co.uk

كاتب وباحث مقيم بالدانمارك

كوبنهاجن في شباط2013

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.