كنتُ أراقب باحترام منذ أيام فتاة تركية وهي تقف أمام مجموعة من العرب لتعلمهم قواعد التحدث بلغتها في محاضرات تتدرج من الألف للياء، كما نقول في العربية.

   الفتاة غير محجبة، لكنها لا تضع مساحيق تجميل على وجهها، على النقيض من بعض الفتيات العربيات الجالسات أمامها في أحد فصول مدرسة، وعلى المناضد أيضًا جلس مجموعة من الملتحين الكبار السن والشباب، وكذلك تجلس خلفهن فتيات من سوريا، وتونس والجزائر.

   ورغم امتلاء واكتظاظ الفصل المدرسي، المستخدم لتعليم الكبار الوافدين على الدولة لغتها، رغم أن العدد يقارب الثلاثين، والأسئلة كثيرة، والاستهجان كثير منهم لما يرونه غرابة في اللغة التركية، إلا أن الفتاة كانت مستمرة في الابتسام والرد على الأسئلة وإن تكررت وتشابهت بلهجة واثقة ونبرة ودودة حيية.

والمفاجأة أن الدورة كلها مجانية لا يدفع فيها مشارك قرشًا تركيًا، والفتاة تعتذر عن عدم توفر كتب للجميع .. وتعد بتوزيعها عليهم فور توافر النسخ، وترجو مَنْ يفهم كلماتها الترجمة للذين لا يفهمون.

   وفي مستشفى خاص أو حكومي لمحتُ ملتحيًا يلحق بالمصعد وفيه فتاة أو امرأة بالغة التبرج لا يعرفها، لاحظتُ أنها لا ترفع عيناها إلى وجهه مستنكرة شعر لحيته الطويل الذي يصل إلى حدود صدره، وكذلك لا ينظر هو إلى مظهرها مستهجنًا، فهما يدركان في أقصى نقطة من شعوريهما أنهما يتعايشان وينبغي أن تستمر حياتهما فوق رقعة بلديهما دون أدنى مشكلات.

   ربما كان هذا الشعور الممتلئة به نفوس الأتراك نابع من المعاناة الطويلة من الفرقة الناتجة عن الانقلابات العسكرية عبر عشرات السنوات من القرن الماضي، وما فعله حكم بعض العسكريين فيهم من قتل وتشريد ومطاردة وقطع أرزاق، حتى استقر في أعمق أعماق أنفسهم أن ما فات يكفيهم وأنهم لن يذوقوا لذة للحياة إلا إذا تعلموا أن يقبلوا التعايش معًا ومع الآخرين دون مشكلات.

   أعرف أن القاعدة ليست على إطلاقها، وأن هناك حالات من التجاوز هنا وهناك بالغة الفجاجة، سواء في معاملة الأتراك لبعضهم البعض أو في معاملتهم الآخرين، ولكني أحمد الله أنها نماذج قليلة متناثرة لا تؤثر على المشهد العام.

   سألتُ الفتاة التي توسطتْ لتأجير الشقة التي أقيم فيها بعد أيام من وصولي إلى إسطنبول:

ـ هل تحبين “أردوغان” .. وهل انتخبتِهِ؟

    فقالت دون تمهل:

ـ لا أحبه، ولكنني أعطيتُه صوتي، وسأعطيه ما دام وحزبه يعمران تركيا، فأنا أحب حياتي في بلادي وأحب لها أن تستمر جميلة فيها.

  إنها تفرق بين المحبة والميل للذين يشاركوننا الآراء والمبادئ أو حتى عدمهما، وبين تفضيل الإنجاز وأهله على أرض الواقع، وتقر وتعترف أن تحضر وتقدم بلادها أولى لديها وأهم!

  أعجبتني إلى حد ما الطريقة البرجماتية التي تفكر بها لأنها آمنة تقي البلاد مخاطر أصحابها من صديقات الفتاة المتجاوزة الثلاثين وأصدقائها في نفس المنظومة الفكرية.

  ولكن الذين أعجبني أكثر وما يزال هو قدرة الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” وفريقه الرئاسي وكامل حزبه على احتواء حتى المعارضين في الرأي والتوجه .. وتقديم نموذج عملي للنجاح على أرض الواقع يملء العين ويجعل الفم يستحي قبل ان ينطق، والجوارح تلتفت في حذر للحفاظ على إرث الدولة المحترمة للإنسان خوفًا من انقضاض انقلابي عليها.

   لكن الأمر إذا اقترن بمؤازرة المستضعفين في الأرض ومحاولة الأخذ بأيديهم بخاصة أصحاب القضية الأولى في وطننا العربي الإسلامي، وأعني وأقصد الفلسطينيين تأخذ التجربة الديمقراطية التركية آفاقًا وأبعادًا أخرى، تربط طريقة الحكم الغربية بأصولنا الإنسانية الحضارية، وتعيد الآمال في عودة الحضارة الإسلامية إلى حيز الوجود .. ولو بعد حين!

   قد تكون للتجربة التركية أخطاء، ككل التجارب البشرية، بخاصة مع الانحيازات في خضم عالم اليوم المتضارب الذي لا يرحم الذين لا يجيدون التعامل مع متناقضاته وحماية أنفسهم منها، ولكن هل كل ما سبق يأخذ من الدور التركي في الدفاع عن القضية الفلسطينية؟!

  السبت 31 من مارس/آذار الماضي وعقب اندلاع مظاهرات “يوم الأرض” المباركة، واستشهاد نيف وعشر من أزكى وأطهر الرجال والشباب الفلسطيني، في اليوم التالي لم تجد هيئة علماء فلسطين في الخارج سوى تركيا لجمع علمائها من مختلف أرجاء الدولة ولقائهم لاستنكار القتل والاستبداد والغشم الصهيوني في معاملة أهلنا العزل في غزة وغيرها من المناطق الفلسطينية.

   أما مقدار الغيرة على القضية وزفرات الألم الممزوجة بالمحبة للأقصى وكامل التراب الفلسطيني فمن النادر أن تلقاه برعاية رسمية عربية حاكمة في مدينة تتحدث لغة الضاد الآن، شاب يرأس وقفًا خيريًا يقدم بالخرائط والشرائح الإلكترونية الدالة كيف يتطور اغتصاب العدو الصهيوني للأرض الطاهر المباركة، مع تطور إقراره داخل الأراضي المحتلة أن على أصحابها الهجرة ومغادرتها وإلا فإن النصيب الذي ينتظرهم غير جيد ولا حسن، والمهاجرون في نفس الوقت لم يعودوا يملكون حلم العودة كما يخطط بعض قادة الأنظمة العربية وصاروا يعلنون الآن دونما حياء.

   شاب تركي آخر يرأس وقفًا خيريًا، أيضًا يعرض لأحوال الشباب الفلسطيني: التعليم، الزفاف، الرباط حول الأقصى، الاحتفاظ بالحانوت التجاري، وإفطار الصائمين وسحورهم، ويطلب في غيرة ولهفة شديدين مساعدة أهلنا هناك بما نستطيع من أموال.

   أما الدرس العملي في كيفية الأداء السياسي التركي بمفردات دهاة الساسة وعمالقة إيصال الرسائل فتولاها في نفس الاجتماع، وبعيد افتتاحه الشيخ “محمد قرماز”، رئيس الشئون الدينية التركية السابق، إذ يقول وهو لا يعبر عن منصب رسمي في الدولة، إن خادم الحرمين مصطلح عثماني كان يعني الحفاظ على الحرمين المكي والمدني في المقام الأول، كوحدة واحدة، ثم الحرم المقدسي أول القبلتين، لا الاقتصار على الحرمين المكي والمدني، فحسب.

وأضاف الرجل:

ـ كيف يكون خادمًا للحرمين مَنْ لا يحافظ على أول القبلتين؟!

   وفضلًا عن عمق الكلمات، وطلاوة وجمال وعمق المعنى الآخاذ، فإنه يصدر عن صاحب غير منصب سياسي الآن، وعلى قسوته على المُستحقين للقسوة لا تُسأل تركيا عنه بشكل رسمي.

   كل ما سبق وأكثر هو ما جعل تركيا جديرة بالتعايش الجيد بين أبنائها والمقهورين من أبناء الأمة، والاشتهار بالسعي علو وارتفاع الهمة في الخارج، لتكون نموذجًا ديمقراطيًا فريدًا في عالمنا الإسلامي، ولا تكتفي بما وصلت إليه، بل تتطلع ونتطلع معها للمزيد، ولو بعد حين يسير بإذن الله.