إنه الأضخم على الإطلاق ، لم يبخل صانعوه عليه بالمال أو الدعايات ، قلما تجد عملا في تاريخ السينما المصرية أو العربية يضاهيه في سخاء الإنفاق ، بإنتاج إسرائيلي – مصري مشترك ، يبدو هو الفيلم الأول من نوعه بتلك المواصفات، سبقته بالطبع تجارب عدة ، أحدها في سوريا في ستينات القرن الماضي، لكنها لم تحظى أبدا بمثل هذا النجاح ، وعلى الرغم من رداءة الإخراح المصري ، وضحالة الفكرة وبشاعة الصورة وغباء “المونتاج” ، إلا أن المُنتِج الإسرائيلي ، ومعه معاونوه من الأمريكان ، قدموا أفضل ما لديهم ، وحقق الفيلم حتى الآن -والذي يندرج تحت فئة الكوميديا السوداء- نجاحاً غير مسبوق من ناحية الأهداف والغايات ، وبحملة دعائية مصرية مكثفة ، وصلت فيها اللافتات و(الأفيشات) لكل شبر على أرض مصر ، في الصحاري والمزروعات ، في الشوارع و الميادين والطرقات ، فوق الكباري وداخل الأنفاق ، بل لم يكتف منتجوه باللوحات القماشية و(البوسترات) ، حيث تم صنع مقطع دعائي مصور (تريلر) يظهر فيه البطل وهو يتحدث عن دوره في الفيلم الحالي وخططه لصنع جزءٍ ثانٍ ، وجِيء بمخرجة شابة لتنسج معه خيوط الحوار،

تحدث عبد الفتاح السيسي عن فيلمه الأول “المنقلب والساعة الأوميجا” وعن نيته في صنع جزء جديد بعنوان”جعلوني رئيسا” ، يستكمل فيه ما بدأه من حرب ضروس ضد من أسماهم بـ”الأشرار” ،

والذي يؤكد عدد من النقاد أن تلك الكلمة التي يحرص السيسي على ترديدها ،وذكرت عشرات المرات في الكتاب المقدس لدى اليهود “التوراة” ، بينما لم تذكر سوى مرة واحدة في كتاب المسلمين “القرآن” ، إنما جاءت تأثرا بميلاد ونشأة السيسي في حارة اليهود بحي الجمالية بالقاهرة ، وعلاقته المريبة بالصهاينة، والتي جعلت من السفير الإسرائيلي بالقاهرة يصفه في عام 2013 خلال اتصال هاتقي مع وزير الزراعة المصري بـ «البطل القومي ليهود العالم».

إلا أن معناها في هذا الفيلم -كما يقول أيضا النقاد- متطابق مع الآية القرآنية ، التي قال تعالى فيها على لسان رؤوس الكفر ” أبو جهل بن هشام والوليد بن المغيرة” وهم في النار {وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الْأَشْرَارِ (62)} (سورة ص) يقصدون بهم ضعفاء المسلمين الذين كانوا يسخرون منهم في الدنيا ويعذبونهم ويضطهدونهم، مثل صُهيب الرومي وَ ياسر بن عَمَّار وخباب وسلمان.

يظهر السيسي في الجزء الأول من فيلمه الواقعي (أو فترته الانتخابية الأولى) على صورة آلة قتل وتدمير وتخريب ، لا تقابل شيئا في طريقها إلا حطمته، تبدأ الأحداث بحلم يراود البطل، وهو يرتدي ساعة أوميجا ، وحلم آخر يرفع فيه سيفا مكتوب عليه بلون الدم شعار التوحيد “لا إله إلا الله” ،وهو ما ترجمه السيسي  لاحقا بقتله الآلاف من المسلمين الموحدين في مجازر عدة ، وتنتهي أحداث هذا الجزء بتخريب دولة كاملة ، وافقار شعبها وتدمير اقتصادها ورهن مستقبلها وإثقال عاتقها بـديون تحتاج لسدادها عشرات السنوات ،

وفي الوقت الذي يعِد فيه بطل الفيلم متابعيه باكمال دوره في الجزء الجديد “جعلوني رئيسا” ، ويسرد في المقطع الدعائي المصور مع المخرجة “ساندرا نشأت” وتحديدا في الدقيقة الـ 17 منه ، قصته على من انقلب عليهم واتهمهم بالإرهاب ، يفضح نفسه ويصدم مؤيديه، حيث يقول أن ما حدث في الثالث من يوليو لم يكن مؤامرة ولا طمعا في السلطة ولا حتى سوء تقدير ، لكنه رد فعل لقرار جماعة الإخوان والرئيس المنتخب بالبقاء في الحكم والتمسك بالشرعية ، يؤكد «السيسي» أنه لو وافق «مرسي» على انتخابات رئاسية مبكرة ، لما حدث انقلاب عسكري، وقال نصاً “كان ممكن وقتها الشعب ينتخبه تاني وهيكون ده اختيار الناس” ، أو يظل الإخوان مشاركين معهم في السلطة (يقصد طبعا بجانب الجيش) ثم يشير إلى أن تمسك الإخوان بالحكم المدني، وبفترة انتخابية كاملة للرئيس مرسي (وهو بالمناسبة حقه الذي كفله له الدستور) هو ما جعل الانقلاب يتم ويُنكل فيه بالجميع!!

ما يعني ببساطة : أن مرسي لم يكن جاسوسا، والاخوان لم يكونوا إرهابيين،

وإلا ، فكيف بالسيسي يكتشف خيانته وخيانة الجماعة ، ثم يعرض عليه انتخابات رئاسية مبكرة قد تأت به ثانية ، أو التنازل عن شرعيته في مقابل إشراك جماعته بنسبة في الحكم؟!!

الأمر الذي يهدم تماما النظرية التي تنضح بها مجارير الإعلام المصري ويقتات عليها أتباعه ومؤيدوه ، من كون السيسي أنقذ مصر من مخطط بيعها على يد جماعة الإخوان!!!

الواقع يقول : أن من باع مصر فعليا ومستمر في ذلك هو “عبد الفتاح السيسي” نفسه، وأن الرئيس المُنَكّل به والمسجون الآن ، كان يمكن أن يكون جزءا من السلطة الحالية ، أو يقضي ربما ما بقي من عمره ، مستجمَّا متنعماً ، في حديقة منزل أنيق بـ”سويسرا” يطل على نهر “الراين” ، لو أعلن فقط تنازله عن شرعيته كرئيس مدني اختاره الشعب ووضع في عنقه أمانة الحفاظ على مصر وأرضها وشعبها وثورته في الـ25 من يناير المجيد.

لكنه اختار أن يُعلم أبناءه أن آباءهم وأجدادهم كانوا رجال ، لا يقبلون الضيم ولا ينزلون أبداً على رأي الفسدة ولا يعطون الدنية أبداً من وطنهم أو شرعيتهم أو دينهم.

مازلنا مع أحداث الجزء الثاني من هذا الفيلم الكئيب، والذي بدأ بمشهد الانتخابات الكوميدي الهزلي ، وننتظر أن تُكتب له النهاية على أيدي الأحرار والشرفاء من الثوار المصريين.

جعلوني رئيسا

شرين عرفة
كاتبة صحفية مصرية