قد لا ينتبه الكثيرون الى الدور الذي تمارسه بعض الاطراف التركمانية في توظيف المشاكل القائمة بين بغداد واربيل وتعميقها بالشكل الذي يؤدي الى ديمومتها تناغما مع اجندات دول اقليمية , وبشكل عام فان مرد عدم الانتباه هذا يعزى احيانا الى ان الاحزاب التركمانية تمثل مكونا صغيرا لا يمكن اعتباره مؤثرا على معادلات القوى داخل العراق , واحيانا اخرى يكون متقصدا كونه يصب في صالح الاحزاب الحاكمة في بغداد .

لا نبالغ اذ نقول بان الاحزاب التركمانية هي من اكثر الاحزاب العراقية قدرة على التكيف , والتشكيل وفق المعطيات , والانتقال السريع بين التحالفات الداخلية والخارجية السنية والشيعية ,وترجع هذه القدرة الى جملة من الاسباب من بينها : –

الاول – احساسهم بالانتماء الى قومية تتجاوز حدود العراق والتبعية لها والدوران في فلكها , فهم يمثلون نبض التوجهات التركية في العراق وينفذون اجنداتها على حساب الاجندات الوطنية الداخلية  .

الثاني – التنوع المذهبي للتركمان بين سنة وشيعة لا يشكل عامل ضعف عندهم كما هو عند العرب بل استطاعوا توظيفه لمصالحهم القومية . فان كان انتمائهم القومي سببا في تقاربهم مع تركيا , فان وجود شيعة تركمان مكنهم من التقارب مع الاحزاب الشيعية الحاكمة في العراق وبالتالي مع ايران . 

الثالث – ان اساس توطين التجمعات التركمانية في المنطقة اتى وفق رؤية عثمانية في خلق فاصل بشري على شكل حزام بين القوميتين العربية والكوردية . هذا الحزام العثماني يستخدم اليوم كورقة رهان متبادلة بين الاحزاب التركمانية والاحزاب الحاكمة في بغداد للضغط على الكورد , وطالما ابتزت الاحزاب التركمانية الاطراف الشيعية العراقية بهذه الورقة للحصول على مطالبهم .

مكنت النقاط الثلاث اعلاه الاحزاب التركمانية من اكتساب الميزات التالية : –

– توزيع الادوار فيما بينها للتواصل مع الاطراف الاقليمية المتصارعة كايران من جهة وتركيا والدول العربية من جهة اخرى .

– التمتع بمساحة مناورة اوسع من تلك التي تتحرك فيها الاحزاب الشيعية او السنية العربية وحتى الكوردية .

– اما على الصعيد الداخلي فقد مكنتها للعب على التناقضات العراقية ( السنية والشيعية والكوردية) بسهولة .

من المفارقات التي تواجهنا في الموضوع التركماني  هي سياسة التظلم التي دابت عليها هذه الاحزاب في الفترة الاخيرة , واقحام انفسهم في مظلوميات جميع المكونات العراقية سواء قبل الالفين وثلاثة او بعدها . فهم شركاء مظلومية الكورد والشيعة في زمن صدام حسين , وشركاء مظلومية السنة العرب بعد الالفين وثلاثة , ويزعمون مظلومية مختلقة لدى حكومة اقليم كوردستان , ولا يفوتهم اشراك انفسهم في مظلومية المسيحيين والكورد الايزيديين عند داعش . وواقع الحال يقول بانهم اقل المكونات العراقية مظلومية في كل هذه المراحل السياسية .

بعد القضاء على داعش في العراق واحتلال القوات العراقية لكركوك بدعم ايراني غيرت الاحزاب التركمانية (بشقيها السني والشيعي ) بوصلتها السياسية للتوجه نحو تركيا تاركة التقارب مع ايران ياخذ منحى عسكري تمثل بتشكيل مليشيا الحشد التركماني . وكانت باكورة هذا التوجه الجديد هو المؤتمر الذي عقد مؤخرا في تركيا وجمع الاحزاب التركمانية بشقيها السني والشيعي , وكذلك مشاركة مليشيا الحشد التركماني الجهد الايراني العراقي في احتلال المناطق الكوردستانية في كركوك وغيرها من جهة اخرى .

في خضم تلك التطورات بدات الاطراف التركمانية السياسية والمليشياوية العمل في اتجاهين : – 

الاول – تنفيذ اجندات تركية في انهاء اي تواجد كوردي في تلك المناطق ليس من الناحية الامنية او العسكرية فحسب بل وحتى من الناحية السياسية , من خلال تلفيق اتهامات كاذبة بحق حكومة اقليم كوردستان واحزابه , واعلانهم الرسمي عن رفضهم لاي تواجد كوردي امني في تلك المحافظة الكوردية  .

الثاني – استغلال الانقسام العربي السني – الشيعي للتحكم بالوضع في محافظة كركوك .

الثالث –  تازيم الوضع الامني في كركوك من خلال عمليات اغتيال وتفجير مقرات حزبية ( لاحزاب غير كوردية) كي يتهم بها الطرف الكوردي ودفع بحكومة بغداد لاتخاذ مواقف متصلبة من اي تواجد سياسي كوردي في المدينة .

الرابع – قيام مليشيات الحشد التركماني في كركوك بقتل وتهجير المدنيين الكورد والعرب السنة والسيطرة على مناطق سكناهم  .

ممارسات هذه الاحزاب التركمانية وساساتها لم تقف عند هذا الحد بل وصلت احيانا الى مستوى هابط من الاسفاف , فمشهد الفديو الذي ظهر فيه ارشد الصالحي زعيم الجبهة التركمانية وهو يتحدث بشكل حماسي داخل مدرسة في كركوك , ويتهم الادارة السابقة في المدينة (االكوردية) بالتقصير في نقاط  اقل ما يقال عنها انها سطحية , كان مشهدا مسرحيا فاشلا , الغرض منه النيل من اي شيء يتعلق بالادارة الكوردية للمدينة .

اما اخر ما تفتقت به ذهنية الاحزاب التركمانية هو التصريح العبثي الذي صرح به ارشد الصالحي  وادعى فيه الى انتشار قوات البيشمركة في مناطق من محافظة كركوك مطالبا حكومة بغداد بالكشف عن ماهية هذا الانتشار ومهددا اياها بان الاحزاب التركمانية ستتخذ مواقف اخرى في حال عدم الافصاح عن حقيقة هذا الانتشار خلال 48 ساعة .

وحسب المثل العراقي فيبدو ان ارشد الصالحي ( نايم ورجليه بالشمس) , فقبل تصريحه هذا بساعتين نفت حكومة العراق وحكومة كوردستان ومعهما وزارة الدفاع العراقية ما تردد عن هذا الانتشار ووصفوها بانها عارية عن الصحة تماما , لكن يبدو ان الصالحي يابى الا ان يجسد دور دونكيشوت الذي يحارب طواحين لا وجود لها .

بالطبع فان لهذا التصريح خلفيات معروفة تصب في ذات الخانة التي دابت عليها هذه الاحزاب , وتمرست عليها , وهي اثارة المشاكل بين حكومة العراق وحكومة اقليم كوردستان , خاصة بعد التطورات الايجابية الاخيرة بين الطرفين والتي تشير الى بداية ذوبان جليد العلاقات بينهما واقترابهما من حل المشاكل االعالقة على مدى الاعوام السابقة .