عادت الاحتجاجات الفوضوية الى تونس، بشكل عنيف، منذ بدايتها، ودون مقدمات تمهيدية سلسة، كأن المحتجين أعدوا العدة مسبقا، وحددوا اهداف تحركاتهم. وقد فتحت هذه الاحتجاجات أبواب هذا الوطن، على مصراعيه، للمجهول، للحرق والنهب والإرهاب، والخسائر الاقتصادية الفادحة لاقتصاد منهار أصلا. وكأن شعب تونس، المحتج، قرر بأن يلتهم وطنه، باسم الحرية والمطالبة بالعدالة الاجتماعية. وسوف لن تتحقق المطالب الشرعية لأهل تونس الا إذا سمحت طبقتها السياسية بذلك. فساسة تونس، هو من يلتهمون الوطن، ويكذبون على شرائح كبيرة من الشعب بتبني قضاياهم ومطالبهم والدفاع عنها، وفي الحقيقة، كل ما يفعلونه، هو العمل على بقائهم في سدة الحكم، أو محاولة اسقاط من يحكم لاحتلال مكانه. وستستمر هذه الدوامة، ووهم الحكم في بلد غارق في انانية أبنائه.

فمالذي دفع حكومة السيد الشاهد الى اقتراح قانون مالية بمثابة اعلان حرب، ليطبق في شهر يناير بالذات؟ ويعلم الجميع بان تاريخ تونس، وكل الاحداث الكبرى فيها حدثت في هذا الشهر، وآخرها ثورة يناير 2011 التي غيرت واقع تونس، من دكتاتورية مطلقة الى حرية مطلقة؟ ألم يعلم السيد الشاهد بأن لا أحد من الشعب المقهور سيعترض وسيحتج، وستدخل على الخط كل النوايا السيئة. لا اشك لحظة واحدة بان السيد الشاهد كان، بحكم موقعه، على علم تام بما سيحدث في تونس. إذا لماذا فعلها، وأعلن الحرب على شعبه؟ لعل حسابات السيد الشاهد ستظهر قريبا، ولن تكون خارج إطار بقائه على رأس السلطة، الآن أو لاحقا.

ومالذي دفع البرلمانيين، الذين في أغلبهم من أبناء الطبقة الوسطى، وحتى المعدمة، الى الموافقة على إقرار قانون المالية الذي سيحارب عائلاتهم، وأهاليهم، وأبناء حاراتهم، ومن انتخبوهم ليكونوا عونا لهم امام سطوة السلطة التنفيذية، بتقييم القوانين وتعديلها واقرارها لتخدم الناس، لا ان تكون سوطا يلهب ظهورهم، ويرهق حياتهم؟ بعض النواب يؤخذون بجهلهم، وبعضهم ليس سوى دمية وآلة رقمية في يد سيد حزبه، يطلب منها الضغط على زر الموافقة فيوافقون، ومنهم من تواطئ من أجل أن يثير مشكلا في البلد، ويسقط الحاكم، ليس لفائدة الشعب، بل لكي يحكم هو. والا كيف نفسر منطق هؤلاء الذين وافقوا على قانون المالية داخل قبة البرلمان، وأباحوا ذبح شعبهم بزيادات وضرائب لا يقدر عليها، ثم خرجوا للمطالبة بإسقاط هذا القانون الجائر. التفسير الوحيد، هو انهم دفعوا الى تمرير القانون المجحف لكي يحركوا المحتجين، ليس لفائدة المحتجين، وانما لإسقاط الحكومة، ولما لا أن يحكموا هم.

دوامة اسقاط الحكومات سوف لن تنتهي في تونس، لأن الطبقة السياسية أنانية، لا تعترف بالآخر، لا تؤمن بالديمقراطية. كل ما يهم الساسة في تونس هو أن يكونوا في سدة الحكم، او لا استقرار في البلاد. والمصيبة الكبرى، غباء هذا الشعب، الذي ظل على مدى اكثر من ستين عاما، وسيظل، أداة في يد ساسة، لم يرتقوا بعد!