تتفق أو تختلف مع سيرة الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر ، فلا يمكنك إلا أن تعترف بأن الناس كانت (وما تزال ، وستبقى) ترى فيه شخصية قيادية تاريخية جدلية ، وعادةً ما كانت أقواله وأفعاله محل رصد وسجال وتفكيك وتحليل أصدقاءه وأعداءه على حد سواء ، والأمر ينسحب (مثلاً ، لا حصراً) على الرئيس العراقي الراحل وكذا الرئيس الفلسطيني الراحل والملك الأردني الهاشمي الراحل الحسين بن طلال ، فهؤلاء الزعماء العرب ، بغض النظر عن موقفك من كلٍّ منهم ، كان لهم من الكاريزما والحضور والتاثير ما يتجاوز حدودهم الوطنية والقومية إلى العالمية .

 

مناسبة إستحضار هذه الشخصيات التاريخية هي في إستحضار عبدالله بن زايد وزير خارجية الإمارات عبر صفحته التويترية لبيت المتنبي الشهير (أنام ملء جفوني عن شواردها … ويسهر الخلق جرّاها ويختصمُ) وإسقاطه هذا البيت الأكثر من حماسي على ذاته في خضمّ المعركة الإعلامية التي فتحها مع الرئيس التركي أردوغان حين أقدم على أعادة تغريدة تنال منه ومن التاريخ العثماني في شخص الوالي آخر الأمراء الأتراك على ، والسؤال الذي يطرح نفسه على خلفية هذا البيت الشعري يقول : ما هي شوارد عبدالله بن زايد التي يسهر الخلق جرّاها ويختصم ؟! ، فمقارنة بسيطة بين عبدالله بن زايد وأي من الشخصيات التاريخية أعلاه ستخلص بنا إلى الرد على السؤال المحتال الآنف بتساؤلٍ إستنكاريّ : ما هذا الإجحاف ؟! .

 

في الواقع ، ورغم الجهد الذي قد يبذله أحدنا لكبت إنفعاله المازح، فإن ابتسامته المريرة ستغلب جهامته الكبيرة لا فحسب حين يتفرج على شوارد الغافي عبدالله بن زايد ، ولكن كيفما ولىّ وجهه نحو جهات العرب الأربع في راهن بؤسنا الجماعي ، فلقد حرمتنا الأقدار الساخرة الماكرة حتى ممن يرى بعضنا فيهم ديكتاتوريين كباراً مستبدين ، لكنهم كانوا بشواردهم ومواردهم محل سهر الخلق واختصامه ، بل مهابته واحترامه ، أما الآن فقد أصبحنا دونهم محل توافق الخلق وانسجامه في نظرته الدونية إلى حالنا العربي المزري ، وهذه بحد ذاتها مفارقة مؤلمة ، وما يزيدها إيلاماً هو أن الفراغ الهائل الذي تركه الكبار ما برح يتزاحم على مَلئهِ أصغر الصغار ، لكن هؤلاء عبثاً يحاولون ، وكطفل يلبس جلباب أبيه تبدو صورة كل واحد منهم محض كاريكاتورية ، غير أنها ، سواءً أعجبتنا أم لم تعجبنا ، تكاد تكون الصورة الوحيدة المكرورة من حولنا ، ولن نتوقع في الأفق المنظور إلا أن نرى تجلياتها الأكثر فجاجة والأشد إيذاءً لحواسنا من قطعان الشوارد التي يفاخر راعيها عبدالله بن زايد بأنها تملأ الدنيا وتفتتن الخلق وتؤرق الكوكب ، فكان الله في عوننا أجمعين .