سلطت مجلة “نيوزويك” الأمريكية الضوء على الكتائب والذباب الإلكتروني التابع للنظام السعودي بمواقع التواصل، مشيرة إلى أمر جديد لفت الانتباه قبل أيام وأثار جدلا واسعا بعد الاختفاء المفاجئ لهاشتاغات نشطة دشنها معارضون سعوديون بتويتر لمهاجمة النظام.

 

واستندت المجلة في تقريرها الذي نقلته صحيفة “هافينغتون بوست عربي” إلى شهادة عدد من المعارضين السعوديين حول الأمر، منهم المعارض السعودي عمر عبدالعزيز طالب العلوم السياسية، الذي مُنِحَ لجوءاً سياسياً في كندا، والذي تساءل بدوره عن سبب اختفاء هاشتاغ أطلقه من على موقع تويتر بعد انتشاره على نطاقٍ واسع تحت عنوان “#اوقفوا_عبث_ال_الشيخ_بمال_الشعب”.

 

وقال “عبدالعزيز”  الذي يتابعه أكثر من 270 ألف متابع على تويتر، إن عدداً من الهاشتاغات المكتوبة باللغة العربية كانت قد اختفت من على الموقع بعدما بدأت في الانتشار على نطاقٍ واسع -على حدِّ قوله- خاصةً تلك التي تُوجِّه انتقاداتٍ للمملكة ووليّ عهدها الأمير .

 

وأضاف لمجلة نيوزويك الأميركية: “أطلقتُ هذا الهاشتاغ على رجلٍ وثيق الصلة بوليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، واسمه تركي آل الشيخ. هذا الرجل ينفق الملايين من الأموال على فعالياتٍ وحفلاتٍ غبية في ”.

 

وآل الشيخ هو رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للرياضة في المملكة، وهو مسؤولٌ عن تنظيم فعالياتٍ رياضية رفيعة المستوى. أما الهاشتاغ الذي أُطلِقَ عليه فهو: #اوقفوا_عبث_ال_الشيخ_بمال_الشعب.

 

وتوجَّه مستخدمو شبكات التواصل الاجتماعي في السعودية بالسؤال لموقع تويتر عن السببِ وراء حذف الشركة للهاشتاغ فور أن بدأ في الانتشار الواسع، لكن من الواضح أنهم لم يتلقوا أي إجابة.

 

وعبدالعزيز واحدٌ من الكثيرين المعارضين والناقدين السعوديين الذين يقولون إن منشوراتهم على شبكات التواصل الاجتماعي، التي يعارضون بها قيادة المملكة، قد اختفت أو استُهدِفَت من قِبَلِ قراصنة يدافعون عن العائلة الملكية السعودية.

 

ومن غير الواضح ماهية الدور الذي تضطلع به شركات التكنولوجيا في هذه الأحداث. ويقول بعض الخبراء إنَّه من المُحتَمَل أنَّ قراصنةً سعوديين يخترقون منصات شبكات التواصل الاجتماعي، أو أنَّ شركات شبكات التواصل الاجتماعي تتعرَّض لضغوطٍ من أجل الامتثال للقوانين المحلية في البلدان التي تعمل بها، بما فيها بلدانٌ لا تحمي حرية التعبير.

 

وتفيد سياسات موقع تويتر بضرورة تقديم “إشعار مباشر بطلبات الحذف للمستخدمين المُتضررين”، فيما يدَّعي مُمَثِّلو تويتر أنهم لا يحذفون الهاشتاغات.

 

لكن الهجمات التي تتعرَّض لها الحسابات على شبكات التواصل الاجتماعي، والجهود المبذولة من أجل إسكات الأصوات الناقدة للنظام السعودي، تُعد جزءاً من عملٍ مُنظَّمٍ تقوم به الحكومة السعودية لاستخدامِ شبكات التواصل الاجتماعي كسلاحٍ لها، وذلك بحسب مُحلِّلين في مجال الأمن الإلكتروني.

 

وقال ديفيد فيدلر، وهو زميلٌ كبير في مجال الأمن الإلكتروني بمجلس العلاقات الخارجية في نيويورك، لمجلة نيوزويك: “نحن نرى أنَّ الحكومة السعودية تستخدم هذه التقنيات والتكتيكات بصورةٍ أكثر استراتيجية. الحكومات التي تقلق بشأن المعارضين الذين يستخدمون البريد الإلكتروني وشبكات التواصل الاجتماعي تراقب هذه الشبكات وتُرسِل شكوى رسمية إلى الشركة من أجل حذفِ التغريدة أو المنشور”.

 

وأضاف أنَّ ويوتيوب وتويتر عانت للعمل مع حكوماتٍ ترغب من الشركات الامتثال للقوانين المحلية، مُتحجِّجة بالمخاوف المُتعلِّقة بالأمن القومي.

 

وتابع فيدلر: “الحكومة السعودية منخرطةٌ في هذا تماماً. فمثل الحكومات السلطوية الأخرى، تستخدم الحكومة السعودية الشبكات الاجتماعية كسلاحٍ ضد هؤلاء الأفراد”.

 

وغرَّد حسابٌ يحمل اسم “بداية النهاية”، مُتحدِّثاً لحساب الدعم الخاص بتويتر: “هل من رد بشأن حذف هذا الهاشتاغ (#أوقفوا_عبث_آل_الشيخ_بمال_الشعب)؟ لقد أنشأنا هاشتاغاً آخر، من فضلك لا تفقدوا مصداقيتكم (#أوقفوا_عبث_ال_الشيخ_بمال_الشعب2)”.

 

ولم يرد مُمثِّلو السفارة السعودية في العاصمة واشنطن على طلباتٍ مُتعدِّدة من مجلة نيوزويك من أجل التعليق.

 

كما أدلى المعارض والإعلامي السعودي المعروف ، بشهادته للمجلة في هذا الأمر، مؤكدا نَّه أيضاً كان ضحيةً للهجمات الإلكترونية السعودية.

 

وأوضح إنَّه منذ أطلق قناته المُسمَّاة “غانم شو” في 2015، اختُرِقَت كل مواقعه الشخصية، وقناته على يوتيوب، وحساباته على تويتر، وإنستغرام، وفيسبوك.

 

وصرَّح الدوسري لنيوزويك قائلاً: “منذ بدأتُ قناتي على يوتيوب، حاولت الحكومة إغلاقها. وتلقَّت يوتيوب شكوى من الحكومة بشأن قناتي. وقد اخترقوا موقعي ووضعوا صورة الملك سلمان هناك. وأرسلوا رسائل غير مرغوبة (spam) إلى حسابي على تويتر وأغلقوه”.

 

وقال الدوسري إنَّه سعيدٌ بالطريقة التي تعاملت بها شركتا يوتيوب وتويتر مع الحادثتين، واستُعيد حسابه على يوتيوب في مايو/أيار 2016 بعد فحصٍ وجيز. لكن لم يكن حظه جيداً بنفس الشكل مع فيسبوك، التي -كما يدَّعي- لم تسمح له بالدخول إلى حسابه لتسعة أشهر.

 

وأكد لنيوزويك: “أنشأتُ صفحتي على فيسبوك وكان بها نحو 90 ألف إعجاب، لكن فجأةً جُنَّت فيسبوك ومنعتني من الدخول إلى حسابي. وقالوا إنَّني لستُ غانم”.

 

وبحسب رسائل بريد إلكترونية اطَّلعت عليها نيوزويك، أرسل الدوسري إلى فيسبوك نسخةً من بطاقة هُويته الشخصية، التي قال إنَّها لم تتغيَّر منذ فتح حسابه. لكنَّ الشركة لم تُعد فتح حسابه قط.

 

وقال مُمثِّلٌ عن شركة فيسبوك لنيوزويك إنَّ الشركة كانت تبحث في الحادثة، لكنَّ فيسبوك لم تُقدِّم أي سببٍ يُبرِّر استغراقها فترةً طويلة لإعادة حساب الدوسري.

 

ويرى محترفون في الأمن الإلكتروني أنَّ الطريقة التي تتخذ بها شركات التكنولوجيا العملاقة قراراتها بشأن أي الطلبات الحكومية تتجاوب معها وأيها ترفضها ليست شفافة كما تدَّعي الشركات.

 

وأوضح فيدلر لنيوزويك: “تأتي الطلبات من الحكومات الأجنبية طيلة الوقت، وعلى الشركة أن تُقرِّر كيف سترد. ولا توجد شفافية حول ما تُقرِّره الشركات. إنَّها ترعى لتصبح شركاتٍ عالمية تعمل ضمن هذه الولاية القانونية الدولية، لكنَّ عليها أن تلتزم بالقوانين المحلية. وبذلك تحصل على حالة عدم الشفافية الغامضة تلك”.

 

وقد أُدرِجَت السعودية منذ فترةٍ طويلة ضمن مجموعةٍ من الدول التي تستخدم المُخترقين والهجمات الإلكترونية لقمع . وتستخدم بلدانٌ كروسيا، والصين، وإيران، وكوريا الشمالية أساليب مشابهة.

 

واستخدمت الولايات المتحدة أيضاً الحرب الإلكترونية لاستهداف الخصوم الأجانب، وفي عام 2012، منحت وزارة العدل الأميركية وكالة الأمن القومي تصريحاً لاستهداف المُخترقين الأجانب على وجه التحديد.

 

لكنَّ الحكومة السعودية أصبحت أقل تسامحاً مع الانتقادات في الأشهر الأخيرة في ظل عمل ولي العهد على ترسيخ سلطته في الداخل، وإعادة تنظيم الاقتصاد، وممارسة ضغطٍ على ، عدوتها الإقليمية. وتزامنت الجهود الرامية لوقف المعارضة في الداخل مع جهودٍ شبيهة لوقف المعارضين من انتقاد النظام.

 

فقال كينيث غيرز، وهو باحثٌ في الأمن الإلكتروني بالمجلس الأطلسي في واشنطن، لنيوزويك: “السعودية ككيانٍ سياسي مُغلقة، وحين تكون لديك ثقافة سياسية مغلقة يكون لديك ثقافة معلوماتية مغلقة تحميها. وتتجلَّى السيطرة السياسية من خلال مستوى مرتفع من السيطرة المعلوماتية؛ لأنَّك يجب أن تُبقي التركيز مُنصبَّاً على رسالتك”.

 

ويتحايل بعض مستخدمي الشبكات الاجتماعية على هذه الرقابة باستخدام الخوادم الوكيلة (Proxy servers) أو تبديل أسماء النطاقات (Domains) والكلمات المفتاحية (Keywords). لكن بشكل عام، يخضع مشهد الإنترنت في السعودية إلى رقابة مُشدَّدة. وقال غانم الدوسري إنَّه لم يتمكَّن من عمل برنامج على يوتيوب ناقد للأسرة السعودية المالِكة سوى لأنَّه مقيم خارج البلاد.

 

فقال لنيوزويك: “لا يمكنك إدارة برنامج مثل برنامجي في السعودية، ولا يمكنك حتى التغريد في السعودية، ولا يمكنك قول شيء يُزعِج الحكومة”، مُشدِّداً على أنَّه يشعر بالأمان في لندن.

 

لكنَّ عبدالعزيز يقول إنَّ الحكومة السعودية نجحت في حذف هاشتاغات تويتر، حتى حينما أُنشِئَت هذه الهاشتاغات خارج البلاد، ودعا تويتر لإصلاح المشكلة.

 

وأضاف عبدالعزيز أنَّ هاشتاغاً ضمن قائمة التريند، ينتقد نظام ولاية الرجل في السعودية – وهو قانون لا يسمح للمرأة بالسفر أو زيارة طبيب دون وليٍّ ذَكَر – قد حُذِف عدة مراتٍ. وبدأ مستخدمو الشبكات الاجتماعية إعادة إطلاق الهاشتاغ، #معاً_لإنهاء_ولاية_الرجل_على_المرأة، بإضافة أعداد تصاعدية لتمييز كلٍ منه عن سابقه المُختفي، ووصل آخر الإصدارات إلى أكثر من 530 تقريباً.

 

ودخل الهاشتاغ قائمة التريند من جديد في تويتر بالسعودية الأسبوع الماضي، لكنَّ عبدالعزيز قال إنَّ هاشتاغين كانا ينتقدان تركي آل الشيخ قد اختفيا، إلى جانب هاشتاغ يدعو إلى مزيدٍ من المساعدات الحكومية للمواطنين السعوديين.

 

وقال عبدالعزيز عن الهاشتاغات: “دخلت أيضاً قائمة التريند (في تويتر)، واختفت. ولا ندري إن كان تويتر يساعد النظام السعودي أم أنَّ بعض المخترقين لديهم القدرة على القيام بشيءٍ كهذا، لكن تساورنا شكوك”.