لا ينقضي يوم إلا ونتذكر الشهيد وصفي التل القامة الشامخة والهامة المرتفعة ونترحم عليه حيث الأسباب متعددة منها ما يتعلق بشخصه ومنها ما يتعلق بنهجه وإدارته ومنها ما يتعلق بالحكومات اللاحقة ونهجها مقارنة بنهجه القائم على رفعة الوطن ورفاه المواطن. لن تنضب الأقلام مهما كتبت عنه ولن ينمحي من الذاكرة الأردنية مهما طال بنا العمر.

ولد رحمه الله ابنا لشاعر الأردن الأول مصطفى وهبي التل الملقب (عرار) الشاعر الوطني الذي أذاقته وطنيته مر العيش رغم تقلده العديد من المناصب في بدايات الدولة الأردنية. وقد سجن وحورب لعدم انصياعه للمناخ السياسي السائد آنئذ. فقد نشأ ابنه وصفي ببيت سياسي خطه عاكس التيار وترعرع على حب الوطن حتى الثمالة وتنقل مع والده في كردستان والمحافظات الأردنية وشاهد وأدرك كم يستحق المواطن الأردني من رعاية واهتمام تدفعانه للأمام ويرتقيان به كإنسان. وقد تم تسريحه والمئات من الفلسطينيين من جيش الإنقاذ الوطني لميوله القومية وعدم رضائه عما كان يحاك للمنطقة. لقد كان ضحية لوطنيته وإيمانه بأن العمل الوطني لا يتوقف عند استخدام السلاح بل يصاحبه الفكر والحرية ووضوح الرؤيا وبيان ذلك كله بالتنشئة والتربية.

كان يعمل بحماس الثائر وحكمة القاضي وله الكثير من المواقف التي تعبر عن حماس الثائر عندما قدم مشروعا عربيا لمساعدة الجزائر ويكون هو أحد المدافعين عنها. وعندما طلب من عبد الناصر الإشتراك بالقتال على أثر العدوان الثلاثي على مصر. ولم يقبل به كلوب باشا القائد الإنجليزي لأنه متعلم حيث كان كلوب يحرص على تجنيد الأميين ليكونوا طوع يده ما دفع به والكثيرين غيره لدخول جيش الإنقاذ.

كان تشبثه بالأرض وإيمانه أنها مصدر الثروات منقطع النظير. فهو عاشق للأرض كوطن ومصدر رزق وعاشق لتراب وطنه عشق لا يضاهيه به غيره. كان رحمه الله يعتني بحديقة منزله بنفسه يسمدها ويحرثها ويزرعها ويعزقها ويرويها بيده ولا يقبل أن يأتوا له بعامل يقوم بذلك. نزاهته وأمانته وصونها وخدمته لشعبه ووطنه ومليكه ترجمها قولا وفعلا وكما أقسم على كتابه.

لم يضعف أو يهن أمام الضغوط ولم يجامل أو يساوم على وطنه ولم يعبأ برغبات سفارة يرى بها ما يلحق الأذى بوطنه ومواطنيه. كان صاحب ولاية عامة بكل ما في الكلمة من معنى. وفي يوم أحرق ملفات المخابرات حتى يمنع ملاحقة أصحابها إيمانا منه بحرية الرأي والتعبير وأن الأردني لا أكبر من أن يلاحق ورصد خلجاته وأقواله وأفعاله. كما زار يوما سجن المحطة وحمله المساجين على أكتافهم وهتفوا له تقديرا وتعظيما لنهجه.

وفي أيلول “الأبيض” 1970 عندما اضطر الجيش مكرها وغير باغ لمواجهة الفصائل الفلسطينية التي خرجت عن خطها الثوري كمقاومة ضد اسرائيل المحتلة وانحرفت عن مسارها النضالي، انبرى لها وصفي التل حيث عمل بعبارة الشاعر والمسرحي الإنجليزي شكسبير الشهيرة بمسرحيته التراجيدية (Hamlet) هاملت:

“To Be or Not to Be, That Is The Question” نكون او لا نكون ذاك هو السؤال. وفي النهاية قد كنا.  وكان الجميع على قدر عال من المسؤولية والتفاني شعبا وقائدا وواليا عاما وجيشا واندحر الشر وعاد الأمن والحياة لطبيعتها. لم يكن لأحد أن تنتهي الأوضاع لما انتهت به، لكن مكره أخاك لا بطل.

ولمن لم يطلع على تلك الفترة بحكم العمر ربما يتساءل عن سبب المواجهة المسلحة بين نشامى وأشاوس جيشنا العربي والفصائل نجيبهم أن الفصائل المسلحة أصبحت تنهج نهج دولة داخل دولة وصاروا يحكموا بين الناس ولا يمتثلوا لقوانين الدولة حتى ضاق بهم الشعب ذرعا لكثرة المضايقات. وقد أقاموا نقاط تفتيش على الطرقات للتدقيق على الهويات حتى على الأطفال وكاتب هذه السطور أحدهم وقد كنت بالصف السابع حينها.

ثم ختموا ذلك بخطف الطائرات وتفجيرها بالمفرق وأطلقوا على المطار اسم (مطار الثورة). المرحوم الملك حسين تعرض لأكثر من محاولة اغتيال من قبلهم. فما كان يجري من زندقة وعدم احترام لقوانين البلد المضيف بالإضافة للفوضى والإستفزاز والوضع الأمني المتخلخل أعطى صورة لا تليق بأردن الحسين وشعبه مدعوما ذلك من الإعلام والصحافة الناصريتين المسيطرتان على الصحافة العربية في ذلك الزمن. وكانت النهاية خروج جميع الفصائل من الأردن إلى لبنان ثم قامت حرب لبنان الأهلية وكانت الفصائل الفلسطينية أحد أطرافها.

وفي 28/11/1971 وهو اليوم المشؤوم الذي خيم بالحزن على كل غيور وحر وذي لب يقرأ المعطيات بعقل منفتح وبمنطق القاضي والحكم وليس بهوس وانفلات من يؤمن بأن الغاية تبرر الوسيلة على نهج ميكافيللي، كان وصفي يحمل معه مشروعا لتحرير فلسطين ليعرضه على مؤتمر وزراء الدفاع العرب المنعقد بالقاهرة حيث توزع الأدوار على الدول ضمن خطة رسمت بعناية شديدة هدفها استرجاع الأرض المحتلة التي كانت هاجسه وشاغلة تفكيره. لكن القدر كان أسرع من أن يعرض ذلك المشروع حيث اغتالته أيادي من كان يعمل على إعادتهم لأرضهم. وكانت عصابة يرأسها المجرم المدعو محمد عودة (أبو داوود) أطلقت على نفسها “أيلول الأسود” نسبة للأحداث التي وقعت بشهر أيلول وبه خرجت الفصائل المسلحة من الأردن. هم يسمونه أيلول الأسود لما غشاهم من “سواد” في تلك الأحداث. التسمية الرسمية المتداولة هي (أحداث الأمن الداخلي) لكنه كان “أيلول الأبيض” لما “غشانا” من بياض وقد انفرجت أسارير الشعب والوطن.

ولا ننسى عدم توفير الحماية الكافية من قبل النظام المصري المتواطئ مع القتلة. وقد حوكموا بالقاهرة محاكمة صورية أقرب ما تكون للتمثيلية أخرجت بأسلوب استهتاري غير مسؤول. فقد ولد غريبا في كردستان العراق واستشهد غريبا في مصر رحمه الله.

ليس دافعي تشفيا ولكن أسفا على ثورة فصائلها أكلت بعضها وانقسمت على نفسها وتشتت هدفها شيئا فشيئا حتى اضمحل واختفى ظنا منها أن تحرير فلسطين لا يتحقق إلا من خلال المرور بقصر بسمان. والتعريج على هذه الأحداث لا بد منه عند الحديث عن الشهيد وصفي التل، فهي فترة مفصلية بتاريخ الأردن كوطن والأردنيين كشعب وهوية والهاشميين كحكام على حد سواء كما هي مفصلية بتاريخ المقاومة الفلسطينية كذلك.

فمن مثلك يا وصفي ونحن ما زلنا نستلهم منك كيف يكون الوالي واليا لا مستوليا!!! من مثلك وقد كان همك الأول الوطن والمواطن وهَمّ من خلفك جيبه ورصيده!!! غادرتنا مدانا ويغادرونا جيوبهم منتفخة وأرصدتهم من جيوب الوطن!!! كنت نزيها ولم يكونوا!!! كنت صادقا نقيا ولم يكونوا!!! عشقت الوطن وكرهوه!!! حياتك راحت فداءا لمثلك الأردنية وحياتهم أطاحت بالمثل!!! كنت تمشي بقامتك الممشوقة واثق الخطوة دون حرس وهم يمشون أقزاما يحيط بهم حرسهم لا تكاد تراهم مطأطئي الرؤوس!!! ما زال الغيارى يتغنون بك وهم من يلعنون!!! إسمك صار ذا جَرْسٍ موسيقي وأسماؤهم سبة!!!

لا أظن الزمان يجود بمثل وصفي.

حمى الله الأردن والغيارى على الأردن والله من وراء القصد.