بينما احتفل العالم كله بإنهاء الحظر على قيادة النساء للسيارات في المملكة العربية ، والذي اعتُبر بمثابة هدية ملكية عظيمة للنساء السعوديات- فإن هذا الأمر الملكي، حسب ناشطة سعودية، له هدف آخر غير تحرير النساء.

 

“فالقرار الذي أصدره الملك سلمان بن عبد العزيز لا يبدو إلا محاولة لتجميل نظام مستبد يضطهد النساء والرجال معاً ويحاول استخدام هذه الإصلاحات الشكلية لإرضاء الغرب؛ ليتغاضى عن حقيقته”، وفقاً للكاتبة السعودية مضاوي الرشيد، الأستاذة الزائرة بمركز في كلية لندن للاقتصاد.

 

تلفت مضاوي الرشيد، في مقال نُشر بصحيفة الغارديان البريطانية، إلى محاولة تقديم نفسه على أنه المنقذ للمرأة والمدافع عنها في مواجهة ادعاءات بظلم المجتمع والدين الإسلامي لها.

 

والرشيد هي مؤلفة كتاب: “A Most Masculine State: Gender, Religion and Politics in Saudi Arabia” (الدولة الأكثر ذكوريّة: الجنس والدين والسياسة في العربية السعودية).

 

مفكرون معتقلون ونساء مقموعات

تقول الرشيد: “بعد إصدار مرسوم الملك سلمان، لم تعد المرأة بحاجة للحصول على موافقة وصيّ قانوني للحصول على رخصة قيادة، ولن يصبح وجوده معها في السيارة ضرورةً.

 

ورغم أنَّ العديد من النساء سيستفدن بالتأكيد من القيادة إلى العمل واصطحاب أطفالهن من المدارس، فلا بد من تقييم القرار في سياق دفاع نظام الحكم السعودي الملكي المطلق عن قضايا المرأة، بينما اعتقل النظام نفسه الأسبوع الماضي فقط أكثر من 30 شخصاً من المهنيين ورجال الدين والنشطاء دون سببٍ واضح إلا لنشر الرعب والتخويف”، وفقاً للرشيد.

 

وتلفت الكاتبة إلى أنه على الرغم من أنَّ حرية التنقل حقٌ عالمي، لا تزال النساء السعوديات مقيدات. فلا يمكنهن الزواج، أو العمل، أو الدراسة، أو السفر، أو طلب العلاج إلا بموافقة أوليائهن الذكور.

 

ولا يمكن أن تتزوج السعودية برجلٍ أجنبي إلا بموافقة وزارة الداخلية. كما لا يمكنها نقل الجنسية لأطفالها، الذين يصبحون حينها بحاجةٍ للحصول على تأشيرةٍ لدخول المملكة.

 

ولا يمكن للمرأة السعودية حتى أن تلجأ إلى الحكومة في حال تعرضت للإساءة من أفراد أسرتها، فالجهات الرسمية لا تتدخل في “الشؤون العائلية”. وإذا حدث، فغالباً ما تقف في صف المعتدين.

 

هاربات

تشير الرشيد إلى أنه في السنة الماضية 2016، سعت السفارات السعودية حول العالم لاستعادة الفتيات اللاتي وُصِفنَ بـ”الهاربات”، وهن فتياتٌ رحلن دون إذن أوليائهن بعد أن تعرضن للإيذاء.

 

وتعاونت السلطات في كلٍ من إسطنبول ومانيلا مع عملاءٍ سعوديين اختطفوا هؤلاء “الهاربات”، وأعادوهن إلى المملكة، حيث واجهن السجن. ولا يمكن إطلاق سراحهن إلا بظهور أوليائهن للتوقيع على أوراق الإفراج عنهن. وأحياناً يكون الوليّ هو المعتدي.

 

الأسوأ عالمياً

تقول مضاوي الرشيد: “تعد السعودية واحدةً من أسوأ الدول فيما يتعلق بسيطرة الذكور في العالم”.

 

“والآن، المملكة مضطرة إلى أن تُظهِر كما لو أنَّها تُعامِل المرأة بصورةٍ أفضل؛ لتحظى بتأييد المجتمع الغربي”، حسب قولها.

 

ونتيجةً لذلك، شرعت الحكومة في تنفيذ سلسلةٍ من الإصلاحات التجميلية، من ضمنها زيادة نسبة عمالة المرأة. ومؤخراً، سُمِحَ للنساء بالعمل كصرّافات في محلات البقالة أو طاهيات بالمطاعم، وهنالك خططٌ لتعيينهن في مناصب رفيعة المستوى.

 

غير أن الرشيد تستدرك قائلةً: “لكنَّنا نعرف مما حدث في بلدانٍ أخرى، أنَّه عندما تجرى هذه التعيينات دون تغييرٍ سياسي حقيقي، فلا يؤدي ذلك إلى تمكينٍ حقيقي للنساء. لا يمكن أن تحصل المرأة على المساواة إلا في ظل وجود عملية ديمقراطية حقيقية، وهذا ما لا تقدمه أيٌ من الإصلاحات السياسية السعودية”.

 

هذا ما فعله أتاتورك ومبارك

تقول الرشيد: “التاريخ مليء بالديكتاتوريين الذين رفعوا من شأن المرأة، مثل التركي مصطفى كمال أتاتورك، وشاه إيران، والتونسي الحبيب بورقيبة، والمصري حسني مبارك. وحاز دعمهم الظاهري للمرأة إعجاب الكثيرين حول العالم، خاصةً المجتمع الغربي، حيث أصبحت حقوق المرأة معياراً لتقييم الدول وأنظمتها السياسية.

 

لذلك، تحظى الأنظمة الحالية بالمزيد من الثناء حين تبدو وكأنَّها تحرر النساء المسلمات من قمع الإسلام، حسب تعبيرها، ولن تُستثنى المملكة من ذلك.

 

هنا، تُصوَّر النساء أنَّهن يحاولن الصمود أمام دينهن ووصايته الأبوية، أو محاربات يواجهن المجتمع ذا الثقافة البدائية المهيمنة. وُضِعَت النساء السعوديات في إطار هذه الصورة المزدوجة كنظيراتهن في أفغانستان، ومصر، وباكستان، ودولٍ أخرى.

 

ويُظهر الديكتاتوريون أنفسهم كمحررين لهؤلاء النساء المضطَهدات، بينما يبدو المجتمع في صورة الطاغية. وعلى الوجه الخصوص، في الآونة الأخيرة، يجري تصوير الإسلام والشريعة على أنَّهما سبب معاناة المرأة.

 

وهذه الرواية للأحداث تبدو مقبولة بالنسبة للديكتاتوريين وبعض الجماهير في الغرب. ولكنَّ السماح للنساء بالحصول على رخصة قيادة هو أكثر قليلاً من مجرد حيلة لتعزيز صورة النظام السعودي كمُحرِّر للمرأة.

 

على النساء الانضمام إلى الرجال

تقول الكاتب السعودية مضاوي الرشيد: “مثلت قضايا النوع، على مر السنين، ساحة معركة مهمة بالشرق الأوسط. فلطالما كانت تُذكر كسببٍ للتدخل العالمي في شؤون الدول الإسلامية، وساعدت كذلك في الحفاظ على بقاء الأنظمة الاستبدادية.

 

وستجد النساء السعوديات قريباً أنَّه بينما ستفيدهن القيادة للغاية، أنَّهن لن يتمكنَّ من الحصول على حقوقهن كاملةً كمواطنات إلا إذا انضممن إلى الرجال في الدعوة للمشاركة جميعاً في التمثيل بهذا النظامٍ الذي يعتقل منتقديه ومعارضيه لأجلٍ غير مُسمَّى، ولا يمثل المواطنين على المستوى السياسي، وليس به مجالس أو حكومة مُنتخبة”.

 

المصدر: هافنتغون بوست عربي