ما زال الوجود الإماراتي في المدن اليمنية يثير حفيظة المؤسسات الحقوقية؛ نظراً لما تقوم به جماعات موالية لأبوظبي من انتهاكات ضد المدنيين تصل إلى القتل الجماعي والإخفاء القسري، منذ دخولها في الحرب الدائرة بالبلد الفقير منذ 2015.

 

وقال موقع “ديلي بيست” الأميركي، الجمعة 9 يونيو/حزيران 2017، إن مسلحة تابعة للإمارات اختطفت مئات الرجال في اليمن، وفقاً لأقاربهم ونشطاء حقوق الإنسان المحليين، في خطوةٍ أثارت مخاوف الكثيرين بشأن اختيار الولايات المتحدة لحلفائها في الحرب ضد ما تسميه التطرُّف الإسلامي.

 

وللإمارات وجود عسكري في محافظة عدن ، وبعض المحافظات الأخرى، بعدما نجحت القوات الموالية للرئيس عبد ربه منصور هادي، المدعوم من ، في السيطرة على بعض المدن الجنوبية وطرد الحوثيين منها.

 

شهادات عن الأوضاع الإنسانية

ويقول اليمنيون إنَّه خلال العام الماضي، اقتحم رجالٌ في زيٍ عسكري بيوت المواطنين واقتادوهم إلى جهةٍ غير معلومة، ولم يُستدل على مكان معظمهم من حينها. وصرَّح الأهالي اليائسون لمكتب الصحافة الاستقصائية بأنَّهم لا يمتلكون أي معلوماتٍ عن مصير أبنائهم وليس لديهم جهةٌ يُمكنهم طلب العون منها، بحسب ما ذكر الموقع الأميركي.

 

وتتوافق النتائج التي توصَّل إليها مركز الصحافة الاستقصائية مع تقريرٍ أصدره فريق خبراءٍ تابع للأمم المتحدة في وقتٍ سابقٍ من عام 2017، وهو ما دق ناقوس إنذارٍ بخصوص حالات الإخفاء القسري بمنطقة جنوب شرقي اليمن التي تُسيطر عليها .

 

ويقول ديلي بيست إن الرجال ذوي الزي العسكري ينتمون إلى ميليشيا تُدعى قوات النخبة الحضرمية التابعة للإمارات. واتُّهمت قوات النخبة باقتياد الأشخاص لمجمع سجونٍ سريةٍ في مطار الريان الدولي بمدينة المكلا جنوب شرقي اليمن، حيث يجري تكديسهم داخل حاويات الشحن وتركهم في درجات حرارةٍ تتجاوز الـ50 درجةً مئوية، وفقاً لأحد نشطاء حقوق الإنسان.

 

معتقل غوانتانامو وأبو غريب

الممارسات التي تقوم بها القوات التابعة للإمارات، شبَّه الناشطون في مجال القاعدة الجوية بمعتقل غوانتانامو وسجن أبو غريب، السجن الأميركي سيئ السمعة في العراق. وقال أحد الأهالي: “لا نعلم ما إذا كانوا أحياءً أم أمواتاً. هل هذه هي حقوق الإنسان؟!”.

 

وتمارس الإمارات العربية المتحدة عملياتها في اليمن منذ عام 2015، وأتى تدخُّلها في البداية بهدف مساعدة الحكومة في معركتها ضد الحوثيين. ومنذ ذلك الحين، تعمل الإمارات –بالتنسيق مع الولايات المتحدة- لقتال الفرع اليمني لتنظيم القاعدة.

 

وتُعتبر الإمارات العربية المتحدة حليفاً رئيساً للولايات المتحدة بالشرق الأوسط، وعملت الدولتان جنباً إلى جنب في كثيرٍ من المجالات. واستجابةً للتقارير التي تُشير إلى عمليات الإخفاء ومزاعم الإيذاء الجسدي، قال المراقبون الدوليون إنَّ هناك أسئلة يجب طرحها بشأن مدى تورط الولايات المتحدة، وما إذا كانت تستخدم المعلومات التي تجمعها الإمارات من المعتقلين لتوجيه ضرباتها وغاراتها في اليمن، بحسب ديلي بيست.

 

وكان موقع “justsecurity” الأميركي، التابع لجامعة نيويورك، نشر تقريراً مطولاً عن الانتهاكات المتورطة فيها أبوظبي بحربها في اليمن والتي أهمها حالات الاختفاء القسري.

 

وقال الموقع في تقرير، إن الأمر لا يتعلق بالغارات الجوية فقط، إنما بالاختفاء القسري وسوء معاملة محتجزين في العمليات البرية.

 

ويشير الموقع إلى مقابلات أجراها مع العديد من الخبراء، بالإضافة إلى المعلومات التي حصل عليها من أرض المعارك، تعطي صورة مثيرة للقلق عن القوات المسلحة الإماراتية في قدرتها على التعامل مع ضربة قوية للقاعدة، فضلاً عن تطلعات أبوظبي الشخصية والانتهاكات التي تقوم بها عند الاحتجاز.

 

وقال رجلٌ طلب من موقع ديلي بيست الإشارة إليه باسم أبو علي للمكتب، إنَّه سمع طرقاتٍ على باب منزل العائلة في يومٍ من الأيام العام الماضي. وعندما فتح الباب، فُوجئ بمجموعةٍ من الرجال المسلحين في زيٍ عسكريٍ بُني، يُعتَقد أنَّهم تابعون لقوات النخبة، يبحثون عن ابنه.

 

وأضاف أبو علي الذي لا يزال مذهولاً من مدى عنف الاقتحام: “لم يكن ابني مختبئاً. لم يكونوا بحاجةٍ إلى تنفيذ الأمر بهذه الطريقة!”. واقتاد الرجال المسلحون ابنه بعدها إلى جهةٍ غير معلومة.

 

وبعد أن سأل أبو علي في الأرجاء، حصل على معلوماتٍ تُفيد باحتجاز ابنه داخل السجن الموجود بالقاعدة الجوية. وبعد مرور عدة أشهر، لا يعلم حتى الآن الإجراءات المتبعة في مطار الريان ولا حتى ما سيحدث لابنه. وأضاف: “لقد اختفى القانون في اليمن”.

 

قوات النخبة الحضرمية

ووفقاً لتقريرٍ نشرته الأمم المتحدة عن اليمن في يناير/كانون الثاني، فإنَّ قوات النخبة قد تشكَّلت لمواجهة “القاعدة” في مدينة وميناء المكلا الواقعة جنوب شرقي البلاد بمجرد أن أعادت الحكومة اليمنية سيطرتها على المدينة في أبريل/نيسان.

 

وتتألّف هذه القوات من جنود ينتمون إلى عشائر ويؤيدون الدولة اليمنية في المنفى، بالإضافة إلى مجندين محليين من حضرموت، عمل بعضهم في السابق مع أبناء حضرموت لإرساء الأمن في المحافظة. تتميّز هذه القوات بكونها مشكّلة ممن ينتمون إلى محافظة حضرموت فقط؛ ما يعني أنّه لا يُسمح لليمنيين من مناطق أخرى بالانضمام إليها. ويتولّى ضباط الأمن الإماراتيون تدريب القوة الأمنية الجديدة التي تدير المنطقة العسكرية الثانية في النواحي الساحلية، وقد تمّ تزويدها بالدبابات والأسلحة والأمور اللوجيستية، والتي غالباً تم تأمينها من قِبل المملكة العربية السعودية.

 

وكانت المكلا في السابق واقعةً تحت سيطرة تنظيم القاعدة لمدة عامٍ تقريباً. وقادت الإمارات العربية المتحدة العملية التي أسفرت عن تحريرها، ولا يزال الإماراتيون يُشكِّلون قوةً ضاربةً داخل المدينة.

 

وجاء في تقرير الأمم المتحدة: “بينما تُعتبر قوات النخبة رسمياً تحت سيطرة الحكومة الشرعية للبلاد، لكنَّها تخضع فعلياً لقيادة عمليات الإمارات العربية المتحدة”.

 

ومن المفترض أن تكون اعتقالات قوات النخبة جزءاً من محاولات جمع المشتبه في انتمائهم إلى تنظيم القاعدة. ولا تزال التنظيمات المتشددة تُشكِّل تهديداً كبيراً في اليمن، وهو ما دفع بعض السكان المحليين لإظهار دعمهم لقوات النخبة في محاولاتها لإعادة الأمن.

 

ويقول موقع ديلي بيست إنَّ النشطاء والأهالي يدَّعون أنَّ معظم المعتقلين لم يرتكبوا جرماً سوى ممارسة وظائفهم الطبيعية بالمكلا في أثناء فترة حكم “القاعدة”. وعمل العديد من سكان المكلا لصالح التنظيم عملياً في وقتٍ من الأوقات؛ لأنَّه كان بمثابة الحكومة المُسيِّرة لأمور المدينة.

 

ويقول أبو علي إنَّ هذه هي الحال مع ابنه: “لقد كان متزوجاً وبحاجةٍ إلى العمل، لذلك مارس عمله. كانت (القاعدة) وقتها تُسيطر على كل شيء”.

 

وحقَّقت لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة في 6 حالات إخفاءٍ قسريٍ على يد قوات النخبة في المكلا بين شهري أبريل/نيسان ونوفمبر/تشرين الثاني العام الماضي. واتضح أنَّ 5 من هذه الحالات لم يكن لها أية علاقةٍ بتنظيم القاعدة، بينما كان السادس تاجراً محترفاً أنجز بعض الأعمال لصالح التنظيم.

 

اعتقال أعضاء التجمع اليمني للإصلاح

وتُشير تقاريرٌ أخرى إلى اعتقال العديدين نتيجة كونهم أعضاءً في التجمع اليمني للإصلاح، وهي حركةٌ سياسيةٌ مرتبطةٌ بالإخوان المسلمين.

 

وتوجد العديد من الجهات المسلحة الفاعلة داخل اليمن الآن، ولا يعلم الأهالي إلى من يتوجهون لطلب المساعدة عند القبض على أبنائهم. وكان الأهالي الذين تحدثوا إلى المركز يرتعدون خوفاً، وأضافوا أنَّ مسؤولي الحكومة اليمنية عاجزون، بحسب ديلي بيست.

 

وقال أحد الأهالي للمركز: “لا توجد سلطات رسمية يمكنك التحدث إليها. لا أعلم ماذا حدث!”.

 

وأضاف رجلٌ آخر، طلب عدم ذكر اسمه مثل بقية الأهالي، أنَّ ابنه قد اختفى منذ عدة شهور بعد أن أتت قوات النخبة بحثاً عنه. وحاول بشدةٍ التعرُّف على مصير ابنه من حينها، لكنَّه فشل في الحصول على إجاباتٍ من المسؤولين اليمنيين.

 

وتابع: “طرقنا كل أبواب السلطات المختصة، لكنَّ الإماراتيين هم من يحكمون ولهم الكلمة العليا للأسف”.

 

ويُقدِّر نشطاء حقوق الإنسان أعداد المخفيين قسرياً في المكلا والمناطق الأخرى بالمئات. ويُقال إنَّه جرى الإفراج عن بعضهم بعد عدة شهور، لكنَّ الأغلبية ما يزالون مفقودين.

 

ويُعتقد أنَّ الحوثيين أيضاً متورطون في عددٍ من الانتهاكات، بعد أن اتهمتهم جماعات حقوق الإنسان بالقصف العشوائي والاختطاف على نطاقٍ واسع.

 

ومن الصعب الحصول على معلوماتٍ عن الأوضاع في الريان، لكنَّ نشطاء حقوق الإنسان يقولون إنَّ هناك العديد من الانتهاكات الخطيرة تحدث هناك.

 

طبيعة الانتهاكات

وصرَّح رجلٌ يتابع الأوضاع في الريان من قرب، للموقع الأميركي، وطلب إخفاء هُويته، بأنَّ الانتهاكات تبدأ بـ”حفل استقبالٍ” يتعرَّض خلاله المعتقلون للعنف والإهانات. ومِن ثَمَّ يجري تكديسهم داخل حاويات الشحن الحديدية، التي تصل درجة حرارتها إلى 53 درجة مئوية في منتصف اليوم أحياناً. ووفقاً للناشط، كان أحد المعتقلين الذين أُفرِج عنهم ينزف دماً من قدميه نتيجةً للضرب المبرح.

 

وشبَّه الناشط الأوضاع بما يحدث في معتقلي “غوانتانامو” و”أبو غريب”؛ نظراً للمزاعم التي تقول إنَّ المعتقلين يُجرَّدون من ملابسهم في أثناء استجوابهم.

 

ويُنظر عادةً إلى الإمارات على أنَّها الحليف العربي المُفضَّل للولايات المتحدة في الحرب. ويُشير وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، إلى الدولة الخليجية الصغيرة بتبجيلٍ على أنَّها “إسبرطة الصغيرة”، مُقارناً بينها وبين المدينة اليونانية القديمة التي كانت مولعةً بالحرب. وجرى تطوير نظام الجيش في الإمارات ليتماشى بشكلٍ سلسٍ مع نظام الجيش الأميركي، وسبق أن عملت الدولتان معاً في أفغانستان.

 

وقد استثمرت الإمارات العربية المتحدة بشكلٍ كبيرٍ لتعزيز صورتها داخل واشنطن في السنوات الأخيرة. وتُشير التقارير إلى أنَّ غاريد كوشنر، صهر الرئيس ، ومستشاره السياسي لشؤون الشرق الأوسط، طلب المشورة من السفير الإماراتي لدى الولايات المتحدة، يوسف العتيبة. ويتدرَّب حرس الرئاسة الإماراتي على يد قوات مشاة البحرية الأميركية. كما تحصل الإمارات العربية المتحدة على معظم أسلحتها من الولايات المتحدة، وفقاً لمركز السياسة الدولية ومقره واشنطن.

 

وعملت الدولتان من قربٍ في اليمن أيضاً. وتُشير التقارير إلى مشاركة القوات الإماراتية في هجومٍ على تنظيم القاعدة نفَّذته قوات الكوماندوز الأميركية في يناير/كانون الثاني الماضي، وهو الهجوم الذي أشار مركز الصحافة الاستقصائية إلى تسبُّبه في مصرع 9 أطفالٍ دون سن الـ13، بالإضافة إلى مجند في القوات الخاصة التابعة للبحرية الأميركية. ووفقاً لوكالة رويترز، تبادلت الإمارات مع أميركا معلوماتٍ نجحت في الحصول عليها من عمليات مكافحة الإرهاب باليمن.

 

وقال أليكس مورهيد، وهو مدير أحد المشروعات في معهد حقوق الإنسان التابع لكلية الحقوق بجامعة كولومبيا، إنَّه في حال ثبوت صحة ادعاءات الانتهاكات بالسجون التي تشرف عليها الإمارات، يجب التأكد مما إذا كانت المعلومات التي جرى الحصول عليها تحت تعذيبٍ يجرى تبادلها مع الولايات المتحدة وتستخدمها القوات الأميركية في عمليات مكافحة الإرهاب أم لا.

 

وأضاف مورهيد: “نظراً لهذه المزاعم، على الولايات المتحدة أن تكون مهتمة للغاية بشأن مصدر المعلومات التي تحصل عليها من الإمارات. وهناك أسئلةٌ جادةً تحتاج إجاباتٍ عن مدى تورُّط الولايات المتحدة في عمليات الاعتقال الإماراتية باليمن. ويجب أن تكون الولايات المتحدة واضحةً بشأن ما تقدمه من مساعداتٍ للإمارات وقواتها الوكيلة في اليمن. لا بد أن يحققوا في هذه الادعاءات”.

 

وعندما وجَّه المركز أسئلته بشأن ادعاءات الانتهاكات في السجون التي تسيطر عليها الإمارات والمخاوف من علاقتها بعمليات الاستهداف الأميركية، أجاب المقر الأميركي المسؤول عن العمليات في اليمن، والتابع للقيادة المركزية الأميركية: “يجري التعامل مع تقارير الانتهاكات بحق قوانين الصراع المسلح بكل جدية. ومثل هذه الأفعال لا تتوافق مع سياسة الولايات المتحدة”.

 

وتقول ندوة الدوسري، الزميلة غير المقيمة في مشروع ديمقراطية الشرق الأوسط ومقره الولايات المتحدة، إنَّ الإخفاء القسري قد يؤدي إلى نتائج عكسية على الولايات المتحدة، ويُقلِّل الدعم المحلي لمهمات مكافحة الإرهاب.

 

وأضافت: “إنَّ الكثير من السكان المحليين مصدومون وفي حالة ذهولٍ مما يحدث. وللمجتمع المحلي دورٌ أساسي في هزيمة (القاعدة)”. وتابعت قائلةً إنَّ تدخُّل القبائل المحلية هو ما أقنع “القاعدة” بمغادرة المكلا العام الماضي، وأضافت أنَّ “هذه التدخُّلات لن تكون مجديةً إلا في حالة وجود التأييد المحلي. وإذا كانت الولايات المتحدة تنوي متابعة عمليات مكافحة الإرهاب بالمكلا، فهي بحاجةٍ إلى الاستثمار في إعادة الإعمار والنظام القضائي.. فهناك حاجةٌ ماسةٌ لحكم القانون بالمكلا”.

 

ورغم خوفهم من العواقب، يقول أهالي المخفيين إنَّهم شكَّلوا لجنةً ونظَّموا بعض التظاهرات الصغيرة، وفي حركةٍ يائسةٍ بعض الشيء، وأرسلوا خطاباتٍ مفتوحة للسلطات اليمنية والإماراتية.

 

ووَرَد في إحدى هذه الرسائل: “نطالب مرةً أخرى بمعرفة مصير أبنائنا المعتقلين. فالجهة التي قامت بتوقيفهم لم تبدِ أسباباً واضحةً لاعتقالهم ولم تقدمهم للمحاكمة”.

 

ويتردد اسم ضابطٍ إماراتيٍ بعينه في شهادات الأهالي؛ إذ تمكنوا من الحصول على رقم هاتفه. لكنَّهم يدَّعون أنَّ الحديث إليه لم يقربهم إطلاقاً من حل لغز قضايا أبنائهم.

 

ورفضت حكومة الإمارات الاستجابة لطلب المركز بالتعليق على هذه القصة.

 

المصدر: ترجمة وتحرير هافنتغون بوست عربي