/وطن/ كشفت وزيرة المالية عن رضوخ تونس لشروط واعتزامها تطبيق الإملاءات التي طلبت منها في ثوب ما أسماها بالإصلاحات الاقتصادية، في المقابل عبّر محافظ البنك المركزي عن غضبه من تصريحات الوزيرة التونسية.

وقالت الزريبي في تصريحات لوكالة الأنباء الرسمية إن “صرف القسط الجديد يتطلب استكمال بعض الاصلاحات التي تم الاتفاق بشأنها بين صندوق النقد الدولي والحكومة، ضمن برنامج يمتد بين سنتي 2017 و2018، وسيتم استكمال بعضها قبل انعقاد مجلس إدارة الصندوق، على غرار المصادقة على القانون المتعلق بنسب الفائدة المشطة وعلى القانون الأساسي لميزانية الدولة”.

وأكدت الوزيرة التونسية أن الاصلاحات التي طالبت بها بعثة الصندوق التي زارت تونس 7 إلى 18 أبريل الجاري تتعلق بالأساس، بالرفع في الموارد الجبائية للدولة وإصلاح الوظيفة العمومية بما يمكن من جعل نسبة الأجور في الناتج الداخلي الخام في مستويات معقولة علاوة على التقليص من الدعم الموجه إلى المحروقات وإصلاح أنظمة الضمان الاجتماعي.

وتوصلت بعثة الصندوق لدى تونس الاثنين إلى اتفاق مبدئي لصرف شريحة ثانية بقيمة 320 مليون دولار مؤجلة من إجمالي قرض قيمته 2.8 مليار دولار.

وتبلغ قيمة القسطين المتبقيين من القرض ما بين 650 و700 مليون دولار.

وكشفت وزيرة المالية عن أن الاتفاق مع صندوق النقد سيتيح لتونس الحصول على تمويلات لصالح الميزانية بقيمة 500 مليون دولار من البنك الدولي و500 مليون دولار من و150 مليون دولار من البنك الأفريقي للتنمية.

وتأتي موافقة صندوق النقد الدولي على تسريح القسط الثاني من القرض، بعد أيام من  تأكيد رئيس الحكومة التونسية ، أن حكومته أحرزت تقدمًا ملموسًا في تنفيذ الإصلاحات التي طالب بها صندوق النقد الدولي، مقرا بصعوبة الأوضاع الاقتصادية لبلاده خلال الفترة الراهنة.

وقال الشاهد خلال مقابلة بثّتها القناة الأولى للتلفزيون الحكومي التونسي الأجد الماضي “نحن لجأنا للصندوق لأن الوضع صعب وطلبت منّا إصلاحات مقابل تمويلات وتسهيلات مالية لكن الملف بقي معطلا منذ عام، وسعينا لحلحلة الوضع خلال 7 أشهر فقط من عمر الحكومة، وعاد الصندوق للتفاوض لأننا تقدمنا بشكل كبير في الإصلاحات التي طلبها ورفعنا مستوى التنسيق والتشاور معهم”.

ويرى مراقبون أن من شأن هذه الاجراءات الجديدة التي تنوي الحكومة تطبيقها مستقبلا، أن تزيد من إثقال كاهل الطبقة الوسطى والفقيرة في البلاد خاصة وأنها المعنية دون غيرها بهذه “الإصلاحات”.

وفي سياق متصل، أكدت الزريبي أن البنك المركزي التونسي قلّص من تدخله في تعديل قيمة الدينار مقابل العملات الأجنبية، وسيستمر في تقليص تدخله تدريجياً في الفترة المقبلة لتخفيض قيمة الدينار.

وأضافت لمياء الزريبي، في تصريحات لراديو “إكسبرس أف أم” أن العديد من الخبراء يعتبرون أن القيمة الحقيقية للعملة التونسية مقابل الأورو الواحد هي 3 دنانير.

محافظ البنك المركزي التونسي “مصدوم”

وعلى إثر تصريحات الزريبي، أكّد مصدر مطلع من داخل البنك المركزي لـ”وطن” أن محافظ البنك المركزي الشاذلي العياري عبّر عن صدمته وغضبه الشديد من هذه التصريحات الّتي أدّت إلى ارتفاع سعر الدولار في اليوم نفسه ليصل إلى 2.37 دينار.

وقال العياري إن وزيرة المالية لمياء الزريبي ليس من صلاحياتها التحدّث عن البنك المركزي وكشف معلومات خاصّة به للرأي العام، كما أنها لا تملك الصلاحيات للتتدخل في السياسة النقدية للدولة التي يطبّقها البنك المركزي.

وأضاف مصدر “وطن” أن “البنك المركزي التونسي ليس مستقلا في سياسته النقديّة بقدر ما هو أداة لتنفيذ قرارات رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي تطبّق حكومته إملاءات صندوق النقد الدولي”.

وشدّد المصدر على أن الرؤى الإصلاحية والدراسات التي يجريها البنك المركزي لم يتمّ تطبيقها نظرا للعراقيل والإملاءات السياسية المسلّطة على المحافظ الشاذلي العياري.

وتتّجه تونس تدريجيا نحو تطبيق سياسة تعويم عملتها “الدينار” نسجا على منوال ، بدعوى جذب المزيد من الاستثمارات ونمو الاقتصاد.

مخاطر

وكان الخبير الاقتصادي التونسي قد أكد في وقت سابق أن الدينار سيخضع لمنظومة التعويم وفق ما أكدته تقارير دولية وقدرته الشرائية ستنهار إلى ما لا يقل عن 30%، أما القدرة الشرائية ستتراجع  إلى نحو 40% بسبب ارتفاع الأسعار.

وأضاف الحطاب “نتوقع أن تشهد الأسعار انفلاتا كبيراً لا سيما المواد المستوردة، بسبب تداعيات هبوط سعر العملة المحلية التي قد تصل إلى 30%، وهو ما قد يفاقم الضغوط المعيشية التي يعاني منها التونسيون، ويؤدي إلى تدحرج سريع للطبقة الوسطى نحو دائرة الفقر”.

والمقصود بتعويم الدينار، هو تحرير العملة التونسية في تداولات سوق الصرف أمام العملات الرئيسية على غرار عملات الشرق الأوسط.

وكشفت وثيقة حكومية قدمت لصندوق النقد أن هناك نية لـ”تغيير نمط التدخل الحكومي في ما يتعلق بتعديل نسب صرف الدينار مقابل العملات الأجنبية واستعدادها لإعادة صياغة قانون صرف الدينار مقابل العملات الأجنبية”.

وأشارت إلى أن الحكومة ستعتمد قانونا جديدا الهدف منه هو تحرير المبادلات الخارجية الدولية، وذلك وفقا المعايير المعتمدة في أنظمة الصرف العالمية، وبموجب هذا الإجراء فإنه سيتم التخفيض في قيمة العملة تدريجيا مقابل العملات الدولية الأجنبية.

ارتفاع في

وتعاني تونس وضعا اقتصاديا واجتماعيا صعبا، حيث سجل الميزان التجاري خلال الشهرين الأوليين لسنة 2017 عجزا تجاوز 2.5 مليار دولار مقابل 1.35 مليار دولار في نفس الفترة من سنة 2016، مع استقرار نسبة التضخم لشهر فيفري بـ 4.6 % وفق نشرية حول تطور الظرف الاقتصادي والمالي أصدرها البنك المركزي التونسي بداية الشهر الجاري، كما سجل عجز الميزان التجاري الغذائي ارتفاعا بنسبة 78 بالمائة خلال الشهور الثلاثة الأولى من العام الحالي مقارنة بالفترة نفسها من عام 2016.

وأظهرت بيانات صادرة عن وزارة الزراعة التونسية أن هذا العجز بلغت قيمته 384 مليون دينار تونسي (نحو 192 مليون دولار أميركي)، أي ما يمثل 9.9 بالمائة من إجمالي عجز الميزان التجاري للبلاد، مقابل 215.4 مليون دينار، خلال الفترة نفسها من عام 2016.

وعزت الوزارة هذا العجز إلى الارتفاع الكبير في تكلفة الواردات الغذائية بنسبة 30.9 بالمائة، خاصة منها المواد الأساسية، مع الإشارة إلى أن الصادرات سجلت بدورها نموًا، لكن بدرجة أقل، بلغت نسبته 15.8 بالمائة.

وذكرت البيانات أن هذا الوضع أدى إلى تراجع نسبة تغطية تكلفة الواردات بعائدات الصادرات، حيث بلغت 67.1 بالمائة، مقابل 75.8 بالمائة خلال الفترة نفسها من عام 2016