“خاص-وطن”-حاوره عبد الحليم الجريري”-الأستاذ عبد السّتار المسعودي هو محام وقياديّ بارز في حزب ، عرف بشراسة تصريحاته وبجرأته فيها، وهو من الشقّ الذي اختار مواصلة العمل السياسي في إطار حزب النداء تحت مظلّة السيّد الباجي قائد السبسي إثر خروج عليه وتأسيسه لحزبه “حركة مشروع تونس” حاملا معه العديد من القياديين البارزين في الحركة.

التقينا بالأستاذ المسعودي في حديث صحافيّ وسألناه عن رأيه في مؤتمر حركة العاشر ليؤكّد لنا أنّه متشبّث بمعرفة مصادر تمويل الحركة ومن أين تأتي بالأموال الطائلة حسب تعبيره، كما اعتبر فصلها بين السياسي والدّعوي محض ذرّ رماد على الأعين وهو يدخل في إطار التقية السياسية وازدواجيّة الخطاب التي تمارسها حركة دائما، مؤكّدا أنّ أفكار الحركة لا تختلف عن أفكار حزب التحرير أو “داعش” في الحلم بإعادة أمجاد الخلافة لكنّها تبطنها.

وبسؤالنا له عن رأيه في استقبال السيّد “روني طرابلسي” ابن كبير الجالية اليهوديّة بتونس لـ”رفائيل كوهين” المعروف بعنصريته وكرهه للفلسطينيين، قال السيّد المسعودي إنّه يتبرّئ من “روني”، مدينا في الوقت نفسه الوفد البرلماني الذي استقبل “كوهين” في المطار مضيفا أنّه يتبرّئ حتّى ممّن يمارس العنصريّة ضدّ اليهود التونسيين، ومشيرا إلى أنّه لا وجود لاختلاف بين اليهوديّة والصهيونيّة في المطلق وأن اليهود التونسيين لا يفرقون بين دينهم والصهيونيّة، وفي ما يلي نصّ الحوار كاملا:

أوّلا ما تعليقك على ما حدث في حزب نداء تونس؟؟

بالحساب السياسي فإنّ حزب نداء تونس ولد بطريقة مستعجلة لأنّ أصحابه وجدوا أنفسهم في مواجهة مع الإسلاميين الذين لم يكونوا ممثلين لشريحة كبيرة من التونسيين خاصّة الديمقراطيين منهم والأهمّ منهم النساء المعروفات بالتحرّر وبالخروج عن الصورة النمطية للمرأة العربيّة والخليجيّة خاصّة، فحزب النداء وجد نفسه في مواجهة الإخوان الذين هم عبارة عن مدرسة رهيبة.

رهيبة على أي صعيد بالضبط؟

رهيبة في تمنطقها السياسي لأنها تعود في أدبياتها إلى السّلف الصّالح كما يسمونه أو السلف الطّالح كما أسميه أنا، والإخوان المسلمون يحلمون بإنشاء الخلافة التي يعتبرون جذورها مرتبطة بالتاريخ الإسلامي من جديد، والحال أنه لا القرآن ولا السيرة النبويّة تحدّثت عن وجود هذه الخلافة وأن هذه الخلافة وجدت بعد حادثة سقيفة بني ساعدة التي جمعت عمرا وأبا بكر اللذان لم يدفنا الرسول بسبب جدالهما في من سيخلفه، ومن ثمّ أتت الدولة الأمويّة التي أسست لمنطق الخلافة الذي مرّ إلى الدولة العباسيّة إلى غير ذلك.  فالإخوان إذن ظلّوا يحلمون بهذا التاريخ الذي حققوا فيه فتوحاتهم التي يعتبرونها فتوحات ربّانيّة أعطتهم الشرعيّة للسبي وغيره، وأعادت لهم الفكر الوهابي الذي يرتكزون عليه منذ مدرسة الإخوان، واعتقدوا أنّ تونس حلقة ضعيفة يسهل اختراقها وأنّ المجتمع يمكن تركيعه بأدوات معيّنة.

ولكن حركة النهضة لم تتكلّم مطلقا عن أنّها تريد إرساء حكم الشريعة في تونس فضلا عن تصريح زعيمها السيد راشد الغنّوشي الذي اعتبر مجلة الأحوال الشخصيّة وموضوع المرأة مكسبا لن يمسّه أحد، بالعكس، الذي تكلّم عن الخلافة كان حزب التحرير الذي أعلن مشروعه بصراحة.

لا فرق بين النهضة وحزب التحرير ولا تجوز تجزأتهما لأنه بعد انتصار النهضة في انتخابات 23 أكتوبر أوّل كلمة قالها حمّادي الجبالي في محافظة سوسة هي “نبشّركم بالخلافة السادسة وهذا انتصار رباني”، يعني أن منطق الخلافة متجذّر في ذهنه، والإخوان عامّة معروفون بازدواجيّة الخطاب إذ أن ما يظهر منهم مخالف لما يبطنونه وعليك أن تكون مختصّا في علم النفس الإجتماعي حتّى تفهم مثلا هل أنّ راشد الغنوشي بصدد ممارسة التقيّة أم أنه صادق في ما يقوله أمامك، وانظر كم استغرق الفصل الأوّل الذي يتناول الهويّة من وقت والسيّد راشد يناقشه ويناقش هل أنّ تونس عربيّة إسلامية أم إسلاميّة عربية وهل يقع التنصيص على الشريعة أم لا، حرب كاملة الأركان شنت لأجل هذه المواضيع ولو لم يلتئم اعتصام باردو للرحيل لما كانوا نكصوا على أعقابهم ولما تراجعوا.

بالعودة إلى أصل السؤال قلت إنّ حزب النداء بني بسرعة.

نعم تشكّل بسرعة لمجابهة أخونة البلاد وأسلمتها، ولو تقرأ أدبيات الغنوشي سوف تجد أنّه يقول إنّ الوحي نزل على الرسول صلّى الله عليه وسلّم على امتداد عشرين سنة ونحن لدينا الوقت الكافي لأسلمة المجتمع كما قال إن المجتمع التونسي ما زال في جاهليّة وإيمانه صوري وليس حقيقيا، فالمجتمع المسلم بالنسبة للغنوشي هو أن تكون المرأة في منزلها لا تبرحه وأن يباح للرجل الزواج بأربع نساء “وما ملكت أيمانكم” وأن تقام الحدود وهذا هو الإسلام الحقيقي بالنسبة له، فحزب نداء تونس جاء لمجابهة هذا المدّ الإخواني قائما على شخصيات نقابية وسياسيّة من دستوريين وغيرهم اجتمعوا على شخصيّة الباجي قائد السبسي الكاريزماتيّة وهو الرّجل الذي لديه في السياسة باع وعلم، وقد جمّع حوله هذه الشخصيّات ثمّ خاض الإنتخابات وفاز في التشريعية وبعدها الرئاسيّة وأصبح رئيس دولة.

الإشكال الكبير الذي حصل في حزب نداء تونس شعرنا به وتحدثنا فيه قبل مغادرة السبسي للحزب، وهو أنه توجّب عليه قبل المغادرة التي يمليها عليه الدستور أن يعدّ من سيخلفه، الإشكال كان في ضيق الوقت فضلا عن المشاكل المتتالية التي تعانيها البلاد، وشعرت شخصيات من الصفّ الأول في الحزب أنها لم يعد مرحّبا بها في حين التفت شخصيات أخرى حول الرئيس بعد أن ضمنت مناصبها قبل حتى فوزه بالإنتخابات الرئاسيّة، في حين ظلّت المجموعة الأخرى متخبّطة ولم تجد زعيما في حجم الباجي قائد السبسي واعتقدت أنّه باستطاعتها خلافته في الرئاسة خاصّة باعتبار سنّه الذي حسب اعتقادهم قد لا يطول وهو ما فجّر الحزب وشطره شطرين.

يعني هل يصدق المثال القائل “بزوال السبب يتصدّع البنيان”؟ يعني حزبكم جاء لضرب الإخوان فقط وبإزالة الإخوان تصدّع بنيانكم؟

نعم صحيح، ولكن علينا أن نقول إن العمل الجبّار الذي قام به نداء تونس لا يستهان به ولا يمكن لحزب ولد منذ عامين أن يأخذ السلطة بهذه السرعة، ثمّ أنه لا يمكنك أن تطالب حزبا ولد بهذه السرعة بالتماسك والوحدة.

طيّب ما رأيك في تحالف الباجي قائد السبسي مع راشد الغنوشي بعد أن قال إنّه إذا التقى حزباهما “فلا حول ولا قوّة إلا بالله” ؟

هو تحالف إجباري ومأزق حقيقي لأنّ الدستور الذي لدينا ينصّ على برلمانيّة النظام، والنظام البرلماني يقتضي أنّه لا وجود لحزب فائز بنسبة 100% لذلك فلا بدّ أن تكون لديك تحالفات لتستطيع سنّ القوانين وتمريرها، أردنا التحالف مع الجبهة الشعبيّة ولكنّ أعضاءها رفضوا لأنهم مازالوا يعيشون في منطق بدائي قوامه “هؤلاء أزلام وهؤلاء تجمّعيّون” فوجدنا أنفسنا مجبورين على التحالف مع النهضة ليصبح لدينا عدد مقاعد يفوق الـ 109 في البرلمان وهذا هو سبب التحالف معها.

أمّا الرئيس الباجي قائد السبسي فمن خلال احتكاكي به ومعرفتي الشخصية له فهو مكره على ذلك ولم يكن يريد التحالف مع الإخوان والتحالف بينه وبين الإخوان يدخل في إطار “اتقي شرّ من يريد لك الإساءة” كما يقولون، واليوم نجد أنفسنا نحكم مع البحيري ومع غيره ونتجادل معهم، على العموم أنا شخصيّا كنت أفضّل عدم قبول هذه النتائج الإنتخابيّة وأن نفعل كما فعل أردوغان عندما لم يحصل على الأغلبيّة.

ماذا تعتبر الذي قامت به حركة النهضة من فصل بين الدّعوي والسياسي؟

أوّلا هل أعلنت حركة النهضة عن مأتى العشرة مليارات أو أكثر التي أنفقتها على مؤتمرها؟ ثانيا الفصل بين الدعوي والسياسي هو محض ذرّ رماد على الأعين وهو مناورة من مناورات الإخوان مثل موضوع الشريعة وموضوع الخلافة السادسة والإخوان لا يؤتمنون أبدا.

ولكنهم أعلنوا صراحة أنّهم حزب مدنيّ لا علاقة له بالشأن الديني.

فرق بين أن تقول إنك تخليّت عن الدعوي وبين أن تقول إنّك فصلته عن السياسي، فالخطب لا تكفيني بل صياغة هذا المبدأ في مواثيق هو الأهمّ بالنسبة لي، لقد وجد أعضاء حركة النهضة أنفسهم في مأزق ولم يجدوا مخرجا لهم من علاقتهم مع ولذلك قالوا للشعب التونسي إنهم حزب مدني.

السيّد لطفي زيتون يقول إن النهضة لم تكن في يوم ما على علاقة مع التنظيم الدولي للإخوان المسلمين.

إذن ما معنى أن يرفعوا شعار رابعة؟

هنالك من رفع شعار رابعة تضامنا مع الذين أبيدوا في حادثة ميدان رابعة العدويّة وهم ليسوا إخوانا.

لا هذا ليس صحيحا، كلّ الذين رفعوا شعار رابعة هم من الإخوان، وفي اعتبارهم انقلابيّ وبشار الأسد مجرم وهذا هو منطق الإخوان وليس منطقي أو منطقك أو منطق القوى الديمقراطيّة.

كأنّك لا تفرّق بين النهضة و”داعش”.

–وما الفرق بينهما؟ تنظيم “داعش” متخصص في القتل والدّم وهو متناغم مع نفسه، أمّا النهضة فهي تمارس التقيّة لأنّها وجدت نفسها أمام مكوّنات مجتمع مدني صلب صنعه بورقيبة، ونحن عانينا من تخوينهم ومن ضربهم ومن اعتدائهم وانظر ما فعلوه بلطفي نقّض الذي سحلوه ومن ثمّ يقولون لك إن قتلاهم شهداء، هل رأيت صورة “دقّة” المتسبب في تفجيرات المنستير والذي يسوّقونه على أنّه شهيد؟

على ذكر السيّد “دقة” هنالك من صرّح اليوم أن اعترافاته بالقيام بالتفجيرات التي ذكرتها كان تحت التعذيب وأنّ السلطات أجبرته آنذاك على ارتداء ملابس شتويّة حتى لا تظهر على جسده آثار التعذيب والإكراه على قول ما قال وقد أكّد أن ابن علي رأسا كان واقفا بجانبه لدى تسجيله لذلك الإعتراف.

دعك من التسجيل، القاضي الذي حكم عليه وعلى المجموعة التي معه بالإعدام في الدائرة الجنائية بمحكمة سوسة كان فرحات الراجحي الذي حمل حقيبة الداخليّة بداية الثورة، عد إلى تسجيلاته في موقع “يوتيوب” وانظر إلى تصريحاته على قناة حنّبعل في أوت (أغسطس) 2012 على ما أعتقد التي قال فيها إنّه استنطق “دقّة” بنفسه وحكم عليه بناء على وثائق وأدلّة كانت موجودة أمامه.

ما رأيك في مؤتمر النهضة العاشر الذي التأم قبل أيّام ؟

عندما سئلت هذا السّؤال قلت مباشرة اسألوا حركة النهضة من أين أتت بهذه الأموال؟

وحسب رأيك من أين أتت بها؟

حسب رأيي أتت من قطر ومن تركيا أرض السلطان العثماني أردوغان والجمعيّات الإخوانيّة الأخرى التي تموّلهم منذ زمن ولازالت تموّلهم إلى حدّ الآن، يعني أنّهم يتلقّون أموالا من الخارج.

ولكنك كمحام تعلم أنّ قانون الأحزاب في تونس يسجن من يثبت عليه تلقّي أموال من الخارج مدّة خمس سنوات.

كما قال الرئيس الباجي قائد السبسي، من يستطيع مسك قنّاص فليأتيني به، يعني لا يمكن إثبات هذا بالأدلّة، ولكن أنظر إلى المهرجان الذي أقاموه وانظر إلى الحجوزات في الفنادق والسيارات والحافلات المكتراة وستعلم أنّهم يتلقّون أموالا من الخارج، وإلا فليستظهروا لنا من أين تأتي أموالهم.

بالحديث عن التمويل الخارجي، حتّى حزب نداء تونس متّهم بأنّه يتلقّى أموالا من الإمارات وبأنّه صديق للإمارات.

يجب إيجاد حلّ لموضوع التمويلات هذا، لن أقول إنّ نداء تونس ليس متورّطا في مثل هذه المشاكل، ولكني أعتقد أنّ التمويل الخارجي هو من أخطر ما يكون على بلد معيّن خاصّة في بداية تحوّله من نظام إلى نظام آخر، والخاصيّة التي يتمتّع بها حزب نداء تونس هو أنّه حزب مفتوح وليس كليانيّا ويمكن أن تكون له تمويلات ذاتيّة.

يعني أنت مع مساءلة حزب النهضة عن مصدر أموالها؟

لو كانت الظروف طبيعيّة ولو كانت دائرة المحاسبات وغيرها قائمة بواجبها لظهر كلّ شيء للعيان ليس مع حزب النهضة فقط بل مع عديد الأحزاب.

وهل أنت مع مساءلة حزب نداء تونس؟

بالطبع، أنا مع الشفافيّة المطلقة إن تعلّق الأمر بنداء تونس أو بغيره من الأحزاب.

السيّد محسن مرزوق أسس حزبا جديدا، ما رأيك في المشهد ككلّ منذ انشقاقه عنكم إلى حدّ اليوم؟

محسن مرزوق كانت لديه فرصة ليكون رجل سياسة شديد في تونس في السنوات القادمة وله مؤهلات في الخطابة والحضور لا يستهان بها، ولكن تصرفاته ومعاملاته ليست في المستوى المطلوب، ولم يكذب من أسماه محسن “مزروب” لأنّه صار عبارة عن “ذئب منفرد” يقرر بمفرده ثمّ يدعو الجميع للمصادقة على ما قرّر، ومشروعه الذي أسسه هدّم به أولا كتلة نداء تونس  النيابيّة ولوى به ثانيا ذراع الرئيس الباجي قائد السبسي عندما أنقص عدد النواب التابعين للنداء وجعله الثاني من حيث عدد النوّاب ما أهّل النهضة لتصدّر المشهد البرلماني من جديد، ومشروع مرزوق ذاهب إلى زوال تماما كما زال مشروع المنصف المرزوقي الذي بلغ القمّة في وقت من الأوقات بسبب تعاطف الناس معه ومع خطاب المضطهدين الذي كان يستعمله، وبمجرّد وصوله إلى قصر الرئاسة فتح أبوابه للدواعش و”المنقوبات” وتسبب لنا في المآسي التي أسقطته.

المنقوبات وليس المتنقّبات؟

لا أنا أسميهم المنقوبات وليس المتنقّبات.

ألا تعتبر النقاب حرّية شخصيّة؟

لا يمكن لها أن تكون حرّية شخصيّة ومن تريد التحجّب عن الناس فلتجلس في منزلها لأن الشارع مجعول لكي نكشف وجوهنا لبعضنا ليس لكي نخفيها، كنّا لدينا لباس تقليديّ موجود لم يقلقنا يوما ولكن يقلقنا أن نرى اللباس الأفغاني “والهركة” والرداء الأسود الذي يريد أن يقول إنّ المرأة عورة رأسا وصورة وصوتا وكلّ شيء، وفي الحقيقة هو تكتيك من السيّد الغنوشي الذي يؤمن بما يسمّيه سنن التدافع، وهو أن يجسّ نبض الشارع بإطلاق العنان للمتنقبات ولكلّ مظاهر التديّن بصفة عامّة ثمّ يقرّر الخطوة الموالية.

طيّب وما رأيك في جمعيّة شمس التي تريد تقنين الشذوذ الجنسي في تونس؟

أنا أدنت الحكومة عندما قدّمت لهذه الجمعيّة ترخيصا، الشواذ أحرار في ما يفعلون ولكن أن نجعله مقنّنا فهذا مرفوض، وقبل كلّ شيء نحن مجتمع إسلامي وعربي وفيه من التقاليد والعادات ما فيه وليس من الضروريّ أن تظهر معاصيك للناس.

بالعودة لموضوع السيّد محسن مرزوق قلت إنّه سيسقط كما سقط المنصف المرزوقي.

نعم، أين هو محسن مرزوق الآن؟ هل مازلت تراه في السّاحة السياسيّة؟ لقد اندثر منذ فضيحة panama papers

وما رأيك في ورود اسمه في وثائق بنما؟

تورّطه بلا شكّ أمر خطير خاصّة وأنه حدث في فترة الحملة الإنتخابيّة للسيد الباجي قائد السبسي أيام كان لا بد لنا من إقناع الناس بحزبنا، فالسيد مرزوق ارتكب خطأ سياسيّا لا يغتفر لأنه لو كشف أمره عندها لكنّا خسرنا عديد الناخبين، تماما كما حدث مع فلم persepolis الذي قلب المعادلة رأسا على عقب وجلب للنهضة 30% من الناخبين عوض أن يأخذهم منها، تصوّر لو أنّ أمر مرزوق كشف أيام الحملة الإنتخابيّة، كان الحزب لينفجر تماما وكنّا سنخسر الإنتخابات ولن ترى السبسي رئيسا كما تراه اليوم وكانت مجهودات أناس ستذهب سدى بسبب تصرّف شخصيّ غير مسؤول، لو كان مرزوق شفافا ومسؤولا وهو كما تعلم يطمح لمناصب كبيرة في البلاد، لكان استثمر أمواله لخدمة بلاده عوض الإنتفاع بها في الخارج.

هل تشكّ في أن مرزوق على علاقة بقوى خارجيّة؟

محسن مرزوق كان على علاقة بقطر لصاحبتها “موزة”.

ولكن مرزوق قال صراحة إنّه يشرفه العمل مع قطر ومع موزة.

أنا لا يشرّفني ذلك، فقطر هدّمت بمالها شعوبا وبلدانا فقيرة مثل موريتانيا والصومال وتونس وسخّرته في تدمير سوريا وفي تدمير العراق وفي مؤازرة الإخوان في وفي تمويل الأعمال التي تقع في سيناء الآن، ولو منحتنا هذه الأموال لكنّا في وضع آخر ومسار آخر، ومرزوق يتباهى بعلاقته بقطر وبالأمريكان ويقول عندما يدخل إلى إذاعة ما إنّه كان في لقاء مع “سعادة السفير الأمريكي” بكلّ فخار واعتزاز ويفاخر بعمله سابقا في المشروع الإقليمي “لفريدوم هاوس” وباختصار فإنّ علاقاته عامّة مشبوهة.

ولكن لماذا لم نسمعك تقول عنه هذا من قبل وقد كان يعمل معكم في نفس حزبكم؟

السيد الباجي قائد السبسي اختاره كما اختارني واختار غيرنا، وفي خضم هدفنا الذي كنا نصبو إلى تحقيقه من خلال تأسيس نداء تونس لم يكن لدينا وقت لتناول مثل هذه المواضيع، ثم لم نكن نستشرف أن محسن مرزوق سيصل إلى ما وصل إليه اليوم لأنّه كان أمينا عامّا وممثّلا لنداء تونس وقتها، ونحن إلى اليوم لا نقبل أن يكون حزب نداء تونس تحت هيمنة أمريكانيّة أو هيمنة قطريّة أو هيمنة خليجيّة، فتونس حتى في وقت ابن علي كانت لديها استقلاليّتها ومواقفها التاريخيّة وكان نظامها وطنيّا بأتمّ معنى الكلمة ولم تكن مرتهنة لأي جهة كما تراها الآن.

يقال إنّ حزب نداء تونس تأسس من أجل حماية رجال الأعمال والسياسة الفاسدين، والدليل على ذلك قانون الذي يقترحه السيد الرئيس وهو الموازي لما تقترحه هيئة الحقيقة والكرامة، ما رأيك؟

هذا لم يحدث بتاتا، نداء تونس تأسس بـ 14 شخصيّة تقريبا لم يكن لديهم أية علاقة بأصحاب المال الفاسد بل كانت علاقتهم بمن يريدون إزاحة الإسلاميين عن الحكم، حتى مموّلي نداء تونس الواضحين ليسوا من أصحاب المال الفاسد وهم معروفون أمام الجميع وأنا كنت داخل الماكينة السياسية لنداء تونس ولم يكن لدينا أي فاسدين.

أنا تحدثت عن كون البعض يقول إنّ الحزب تأسس لكي يحمي الفاسدين من بعد وليس الفاسدين الذين  بداخله، رأينا مثلا شيبوب عاد للبروز على الساحة من جديد.

شيبوب أتت به هيئة سهام بن سدرين ولم يأت به حزب نداء تونس، ونظرة السبسي لموضوع المصالحة هي كونها ضرورة لا بدّ منها عوض أن تبقى البلاد في معاناتها من تعكّر حالتها الإقتصاديّة، ولا يمكن لنداء تونس أن يكون قد تأسس من أجل حماية الفاسدين لأنّه أصلا ليس فيه فاسدون من الدّاخل، ومن قبل أتى العديد من رجال الأعمال لتمويل نداء تونس لكن الباجي قائد السبسي لم يقبلهم ولم يقبل منهم ملّيما لأنهم كانوا فاسدين.

السيّد سليم الرياحي اعتبر أنّ انتقال ثلاثة أعضاء من كتلته إلى كتلتكم صفقة سياسيّة بإشراف رجل الأعمال شفيق جراية، ما رأيك؟

سليم الرياحي ليس لديه حزب بل لديه شركة تجاريّة استعمل ماله لكي يكوّن كتلة من 14 نائبا أو 16 ومن العاديّ أن يباع نوّابه ويشتروا لأنّ ما لديه لا يمكن اعتباره حزبا سياسيّا.

ولماذا ذكر اسم رجل الأعمال شفيق جراية حسب رأيك؟

شفيق جراية لم يكن عضوا في نداء تونس ولا مؤسسا له، ولكن في خضم المعركة داخل نداء تونس دخل المقاولون على الخطّ واستعملوا أموالهم الفاسدة وصار الكل يشتري ويبيع تماما كما يحدث في سوق عكاظ.

ماذا تعتبر ما حدث في مصر؟

أنا زرت مصر في عهد الإخوان تحديدا أيام محاكمة حسني ، وفهمت أن مصر قد انتهت، إذ أن حالة الفوضى والأوساخ والتسيّب و”الهركة” واللحي المطلقة تدلّ على ذلك، كأنني زرت أفغانستان أو قندهار وليس مصر، عدت بعدها في عهد السيسي فوجدت الإنضباط  المطلوب في شعب من 90 مليون نسمة، وأعتقد أنه من العناية الإلاهيّة أن وجدت مصر رجلا ينقذها كالسيسي، ومصر الآن لديها 4،5 نسبة نموّ، وهي النسبة التي لم تبلغها حتى في عهد .

ولكن ما أعرفه هو أن الدولار بلغ 11 جنيها.

السبب في هذا هو تأصّل السوق الماليّة الموازية في العقل المصري.

يعني تعزو انخفاض سعر الدولار في مصر إلى وجود سوق ماليّة موازية وليس شيئا آخر؟

هذه السوق موجودة منذ عهد حسني مبارك ويعرفها الدّاني والقاصي وقام المتخصّصون بعديد التجارب للتخلّص منها ولكنها مازالت موجودة.

يعني ماذا تعتبر ما حدث في مصر تحديدا، أليس انقلابا؟

لا طبعا، أعتبره تصحيحا للمسار الثوري والديمقراطي.

يعني أتؤمنون ببعض الديمقراطيّة وتكفرون ببعضها؟؟ لماذا تريدون من الشعب التونسي أن يرضى بالسبسي رئيسا في إطار الديمقراطيّة ولا تعطون الفرصة للشعب المصري في اختيار رئيسهم ديمقراطيّا؟

ليست الديمقراطية هي الصالحة في مثل هذه الحالات بل الأداء.

سوء الأداء يخرج صاحبه من الحكم بعد أربع سنوات أو خمس حسب الديمقراطيّة.

أؤكّد لك أنّ الشعب الذي خرج ضدّ مرسي لو صبر أربع سنوات لانهارت مصر ولكان من المستحيل تدارك الوضع فيها، الديمقراطيّة شيء ضروريّ لكنه غير كاف، بإمكانها أن تكون شرطا من الشّروط ولكن يجب أن تكون موسومة بشرط النجاح أيضا، مصر عرفت في عام واحد الفوضى الهدّامة والإجرام وركود الإدارة وأخونة المجتمع وخطابات التقسيم والإعتداءات على الأقباط وحرق كنائسهم، كما أنّ المرشد العام للإخوان المسلمين هو الذي كان يحكم مصر وليس مرسي.

أنا أذكر في ما أذكر أنني قابلت الأديب نجيب محفوظ وسألته كيف يمكن التخلّص من فكرة الإخوان وإخراجها من أذهان الناس، وقد كانت إجابته عندها: “جرّبوا تسليم السلطة لهم وسيضربون أنفسهم بأنفسهم”، وهذا ما حدث معهم بالضبط.

وما رأيك في ما يحدث في سوريا؟

هي مؤامرة صهيو-أمريكيّة تركيّة قطريّة مخطط لها من قبل، والأمريكان هم الذين خططوا لقلب هذه الأنظمة التي تراها تتهاوى.

ولكن هذا اعتبار ضمني بأن ما حدث في تونس أيضا هو انقلاب مخطط له أمريكيّا.

أجل، ما حدث في تونس ليس ثورة بل انقلابا، اعتقدنا في البداية أنها ثورة ولكن بعدما كشف المستور فهمنا أنها ليست ثورة.

يعني أنتم اليوم في الحكم بفضل مؤامرة أمريكيّة؟

لا ليس بفضل مؤامرة، لأن المؤامرة كانت مخططة للبلدان العربيّة ككلّ والأمريكان عندما يخططون فهم لا يخططون لتونس فقط، وربّما كانت الجزائر الشقيقة هي المستهدفة أكثر لأنها هي صاحبة الثروات الكبيرة وصاحبة الأرض الأوسع، فالتخطيط يهدف في الأصل لإقامة مشروع إسرائيل الكبرى وإنهاء الحديث عن القضيّة الفلسطينيّة إلى الأبد عبر القضاء على القوى الإقليميّة الكبرى الموجودة على الساحة بداية من صدّام حسين ثمّ سوريا ثمّ اليمن، وكانت مصر هي الحلقة الرابعة ولكنها استعصت عليهم بفضل السيسي الذي أنقذ الموقف، ولكن الإتجاه الموجود هو القضاء على الأنظمة العسكرية المهددة لإسرائيل.

يعني تعتبر السيسي معرقلا للمشروع الإسرائيلي؟

طبعا معرقل.

ولكنّنا رأينا وزير الخارجيّة الإسرائيلي يقول إن السيسي حليفنا الإستراتيجي في مكافحة الإرهاب.

ذلك كان في البداية، ولكن أنظر عندما أمسك السيسي مقاليد الحكم كيف قالت كونداليزا رايس إنّهم سيقبلون بالسيسي رئيسا على مضض.

يعني والسيسي يلتقيان في معارضتهما للمدّ الإسرائيلي؟

نعم هما يعرقلان التمدد الصهيوني وخاصّة المشروع الإمبريالي الذي يريد الإستحواذ على المنطقة وخيراتها.

ولكن سوريا خراب اليوم سيّد عبد السّتار، ألا ترى أن سقوط بشّار الأسد والإتيان بغيره أفضل لسوريا؟.

إذا سقط بشّار الأسد سيكون مصير سوريا أنكأ من مصير العراق وستتحوّل إلى ملل ونحل، وأعتقد أنك إذا ذهبت إلى سوريا وسألت الشعب ماذا يختار بين الخراب وبشّار الأسد بما يقال فيه من أنّه دكتاتور أو مجرم أو أي شيء لقال لك إنه يفضل “بشار” عن “داعش” وخرابها.

ولكنك كنت مع ثورة الحريّة في تونس، لماذا استكثرت على الشعب السوري أن يطالب بحرّيته؟

أنا أساند مطالبتهم بالحرية ولكن بلا سلاح، وإذا أردت أن تقول إن النظام قتل المتظاهرين حتى أيام لم يكن هنالك سلاح فسأقول لك إنه حتى في تونس سقط ضحايا ومع هذا لم نحمل سلاحا، هل تتصوّر أنه إذا لم يتدخل تمويل قطري وتركي في سوريا ستصير سوريا إلى ما صارت عليه اليوم؟

على ذكر الصهيونيّة والإحتلال الإسرائيلي، ما رأيك في حضور “رافائيل كوهين” إلى حج الغريبة بجزيرة واستقباله من طرف ابن كبير الجالية اليهوديّة في تونس “روني طرابلسي”؟

أنا كتبت في كوهين وقلت إنه من نكد الدّهر أن يستقبل وفد برلمانيّ في مطار جزيرة جربة صهيونيّا نكّل بالفلسطينيين خاصّة وأن كرهه للمسلمين والعرب معروف ومفضوح لدى الجميع واعتبرت هذا الإستقبال عارا سياسيّا.

وماذا علّقت على صورة مرافقة روني طرابلسي له رغم أن اليهود في تونس يؤكّدون أنّ هنالك فرقا بين اليهوديّة والصّهيونيّة؟

في اعتباري فإنّ يهود تونس لا يفرّقون بين اليهوديّة والصهيونيّة، وفي المطلق وإلى حدّ ما لا يوجد فرق بين اليهوديّة والصهيونيّة، وأنا أتبرّئ من روني طرابلسي الذي يعتبر نفسه يهوديّا تونسيّا تماما كما أتبرّئ من الذي يمارس العنصريّة ضدّ اليهود في تونس وأقول له إنه من حق اليهود أن يكونوا يهودا أو نصارى أو على أي ملّة أخرى لأنّهم في النهاية تونسيّون، ولكن عندما يستقبل هذا اليهوديّ عنصريّا مثل كوهين ويكون صاحب ازدواجيّة في الخطاب مثل الإخوان فهو مدان.