قيل الكثير عن سبب توجه الشباب التونسي نحو المعسكرات الجهادية في الشام والعراق أو في القريبة التي تحولت لتهديد أمني، خاصة بعد محاولة التنظيم إقامة “إمارة” في بلدة بنقردان، وفقا لتصريحات الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي.

 

فمن الأسباب التي تدعو الشباب التونسي إلى التوجه للمعسكرات الجهادية هي البطالة وزيادة معدلات التشدد، خاصة بعد استفادة الجماعات السلفية من أجواء الحرية وغياب الأمل بحصول تغيير قريب على الأوضاع الاقتصادية في البلاد، وفشل الكثيرين في عبور المتوسط مع موجات اللاجئين نحو أوروبا.

 

وهذه من أعراض المشكلة العميقة التي حاول الكاتب “جورج باكر” البحث عنها في تحقيق طويل نشره موقع مجلة “نيويوركر” الأمريكية.

 

وبدأ رحلته من “دوار هيشر” البلدة التي لا تبعد سوى أميال شمال غرب العاصمة ، وهي بلدة تعاني من الفقر شوارعها ضيقة وبيوتها قريبة من بعضها البعض من أجل أن تبعد الغرباء عنها. ولكنها فتحت أبوابها في عام 2011 لأبنائها للخروج والتظاهر ضد حكم الديكتاتور زين العابدين بن علي الذي أجبر على مغادرة البلاد لمنفاه الجديد في السعودية القديمة وظهرت ما بعد الثورة.

 

ففي تونس الجديدة تحول “دوار هيشر” إلى مركز احتجاج وتبشير وأحياناً عنف مارسه الإسلاميون المتشددون. ويقول إن تونس قبل الثورة كانت علمانية بشكل متشدد أما اليوم فأعلام المتشددين الإسلاميين السوداء ترفرف فوق المباني حيث استفادت الجماعات السلفية من الحرية الجديدة وحاولت فرض الشريعة في الأحياء الناشطة فيها.

 

ومن بين هذه الجماعات “أنصار الشريعة” التي تعارض الانتخابات والديمقراطية وتريد القيام بثورة إسلامية. وبدأت الجماعة السلفية هذه باستهداف القوات الأمنية، وفي عام 2012 قتل الأمن أحد الأئمة السلفيين عندما حاول المشاركة في كمين ضد الحرس الوطني في “دوار هيشر”. وفي عام 2013 بدأت الجماعة بالعمل تحت الأرض، وبدأ الشباب والشابات يختفون من الأحياء الفقيرة في “دوار هيشر”.

 

وفي نوفمبر من العام الماضي، زار “باكر” البلدة وتجول فيها مع دليله محمد، المهندس المدني، الذي قال له إن “الأصدقاء الذين نشأت ولعبت الملاكمة معهم، غادر 90٪ منهم إلى وسوريا”.

 

ولاحظ “باكر” مظاهر الفقر والبطالة في الحي، مشيراً إلى أن 13 شخصاً من عمارة واحدة قتلوا في العراق وسوريا، حسبما أخبره محمد الذي أشار إلى شارع صغير، وقال إن 30 شخصاً اختفوا منه قبل أسبوعين وكانوا مطلوبين من الشرطة، ويعتقد أنهم سافروا للانضمام إلى تنظيم “الدولة” في ليبيا.

 

ولا تبلغ عائلات السلفيين عن غياب أبنائها خشية تحرش السلطات الأمنية بها. ويقول محمد إن أهم سبب يدفع الشباب لمغادرة بيوتهم والانضمام للسلفيين هو “التهميش” و”البطالة”. فمثلا، سافر صديق لمحمد اسمه نبيل السليتي، وهو مهندس اتصالات إلى ، وينقل الكاتب أسامة رمضاني محرر موقع “أراب ويكلي”، قوله إن معظم الذين ينضمون للجماعات الراديكالية هم أصحاب التخصصات في المجالات التقنية والعلمية وممن لم يتلقوا دروساً في التخصصات الإنسانية.

 

وقبل سفره سأل محمد صديقه عن السبب الذي يدفعه لمغادرة بلاده، فأجابه: “لا أستطيع بناء أي شيء هنا، ولكن الدولة الإسلامية تعطينا الفرصة لصناعة القنابل واستخدام التكنولوجيا”.

 

وفي يوليو 2013، نفذ السليني عملية انتحارية في العراق. ومر الكاتب مع دليله على مقهى يجلس فيه رجال يدخنون النرجيلة ويقضون وقتهم فيه. وهو المقهى الذي كان يرتاده شخص اسمه محمد المغراوي قبل سفره إلى سوريا للقتال مع جبهة النصرة. وعاد في عام 2013 إلى “دوار هيشر”، حيث تحدث عن الحرب وعاد للتدخين الذي تحرمه القاعدة. ولكن غادر من جديد إلى سوريا وانضم هذه المرة لتنظيم “الدولة”. وفي فبراير 2015، اشتهر لظهوره في فيديو حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة. وقتل المغراوي في غارة أمريكية في سبتمبر 2015.

 

وفي مقهى آخر، التقى الكاتب صديقاً آخر لمحمد وهو “كمال”، وكان يعمل دليلاً سياحياً للجماعات السياحية الأجنبية، لكنه الآن من دون عمل بعد عملية سوسة في يونيو 2015، والتي قتل فيها 37 سائحاً. وشارك كمال في “ثورة الياسمين”، لكنه ظل غاضباً لأنها لم تؤد لتغير في حياة الشباب التونسيين من أمثاله.

 

وعمل شهوراً عدة في ورشة لطائرات إيرباص جنوب البلاد، ولأن الراتب كان متدنياً قرر ترك العمل والبحث عن عمل في قوات الأمن ورُفض من دون إبداء أسباب. واليوم، أصبح كمال يتحدث عن “المشروع” و”الدولة الإسلامية التي ستحكم العالم تحت راية الله.. وسيكون هناك عدل وسلام في العالم”، وحصل التحول لدى كمال عندما شارك في تظاهرة عام 2013 نظمتها “أنصار الشريعة في “دوار هيشر”. وكان يعرف الإمام الذي قتل في معركة مع الأمن، فيما سافر كل أصدقائه إلى سوريا. ولم يكن نفسه جاهزاً للقتال أو السجن كما حصل مع أصدقائه الذين عادوا واتهموا بالإرهاب، ولم يكن أيضاً يريد البقاء في تونس التي يقول إن “الأغنياء أصبحوا أكثر ثراء فيها والفقراء زاد فقرهم”.

 

وبالنسبة لكمال، فلا تجدي المبادرات الشبابية التي يقوم بها البعض مثل مبادرة أسلم الصولي، الذي ينتمي لعائلة متعلمة، والده كان أستاذ أدب في الجامعة، ويدرس ليتخصص في الأشعة. وعندما حدثت مجزرة سوسة قرر هو وزملاؤه البدء بالمبادرة الوطنية الشبابية ضد الإرهاب.

 

والهدف منها توفير النشاطات الترفيهية للشباب الفقير وعقد ندوات حول الجهاد. وعندما وصف الصولي المبادرة رفضها كمال، وقال إنهم مجموعة من أبناء الأغنياء يبحثون عن الشهرة.

 

وأضاف أن “الشباب ضائع” و”لا يوجد هناك عدل”، وهذا هو مفتاح الحل: “فلو أردت حل مشاكل تونس، فعليك أن توفر المدارس والنقل والوظائف للشباب، بحيث يصبح دوار هيشر مثل بقية مناطق تونس التي يأتي إليها الغربيون ويستمتعون”.

 

ولا يزال كمال يحلم بالانضمام إلى قوات الشرطة “معرفته بالإسلام بدائية وولاؤه لتنظيم “الدولة” يبدو مشوشاً وغير واضح، تعبيرا عن الغضب لا الأيديولوجية”. وفي “دوار هيشر”، يكون الغضب كافياً كي يسافر الشباب ويقاتلون. وعندما سألت كمال عن مستقبله قال إنه “مظلم”.

 

ويشير تقرير إلى مجموعة “صوفان للاستشارات الأمنية” في نيويورك إلى أن حوالي 6- 7 آلاف تونسي سافروا للقتال في العراق وسوريا مع أن وزارة الداخلية التونسية تقول إن الرقم هو نصف العدد المتداول.

 

وبحسب التقرير الّذي ترجمته مجلّة “العصر” فإنّ هناك ما يقدر عددهم 1.500 متطوع يشاركون في ليبيا، ويمثل التونسيون نصف الجهاديين في هذا البلد، وعاد منهم إلى تونس حوالي 700 شخص. وتقول السلطات إنها منعت 16.000 من السفر إلى الخارج.

 

ويعلق الكاتب أن تونس التي يبلغ عدد سكانها 11 مليون نسمة تعتبر وبناء على هذه الإحصائيات أكبر بلد منتج للجهاديين في العالم وتتفوق على السعودية وروسيا ذات الكثافة السكانية الأعلى وسافر عدد من أبنائهما إلى سوريا والعراق.

 

ويفسر جهادي تونسي سابق الظاهرة بربطها بالطبيعة التونسية “نحن نحب المخاطرة”. وقال إن هناك مليون تونسي يعيشون في أوروبا “والكثير من مهربي المخدرات هم تونسيون ومن المهربين للاجئين بين تركيا واليونان هم تونسيون، والكثير من مهربي البشر في بلغراد هم تونسيون”…

 

ويعرف عن الجهاديين التونسيين نزعتهم نحو العنف ونفذ عدد كبير منهم عمليات انتحارية في العراق. ونقل موقع “دايلي بيست” عن هارب من منطقة دير الزور شرق سوريا قوله إن التونسيين أكثر شراسة بين عناصر تنظيم “الدولة”، وقال إنهم “يعاملون الناس بطريقة سيئة”، ووصفهم بالفاسدين.

 

وينقل عن باحثة تدير منظمة “البوصلة” في تونس قولها “إن التونسيين الذين يذهبون للقتال في الخارج هم الأكثر دموية ويظهرون وجهاً لا إنسانياً عندما يذهبون إلى مناطق الجهاد”، وترى أن الظلم عامل مهم في هذا الميل، خاصة عندما يشعر الفرد بأنه لا يمت لبلده.

 

وهنا يتساءل الكاتب إن كان نقص التعليم الديني وراء هذه الشدة. ويشير إلى أن التعليم الديني وإن كان إلزامياً إلا أنه ليس عميقاً. ويعلق رمضاني من موقع “أراب ويكلي” أن “السرد المتشدد يقول لك إن كل ما تعلمته عن الإسلام هو خطأ ويجب رميه، ولدينا بضاعة جديدة. فالإسلام القديم التقليدي والمعتدل لا يقدم له السرد المغامر مثل تنظيم الدولة”، أي لا يعطي الوحشية التي لدى تنظيم “الدولة”.

 

ويعود الكاتب إلى قصة الثورة التي بدأت بوعزيزي وكيف خرجت منها بديمقراطية فاعلة ودستور تقدمي عام 2014 و3 جولات انتخابية ناجحة. ومررت الحكومة قوانين عادلة للإصلاح الاقتصادي والعدالة الانتقالية بعد مناقشات حادة في البرلمان. وأضافت تونس ما بعد الثورة كلمة “كرامة” للشعار الوطني ووضعت صورة بوعزيزي على الطوابع البريدية.

 

ولعل من عوامل تجنب تونس المصائب التي حلت ببقية دول الربيع العربي هو عدم وجود انقسام طائفي وغياب الثروة النفطية التي كانت سبباً في التدخلات الخارجية بالدول العربية، وفيها تقاليد اعتدال إسلامي ونسبة التعليم العالية ومؤسسة عسكرية صغيرة غير مسيسة.

 

وأصبحت تونس أول دولة عربية تتلقى وصف دولة “حرة” من قبل “فريدزم هاوس” الأمريكي، الذي يرصد وضع الحريات في العالم. كما منحت لجنة نوبل رباعية الحوار التونسية جائزة نوبل للسلام لعام 2015. والمفارقة هنا أن تونس هي أكبر أمل في العالم العربي من ناحية الديمقراطية، لكنها في الوقت نفسه أكبر منتج للجهاديين في العالم.

 

وهنا يقول الكاتب إن الديمقراطية التونسية لم تحول الشباب إلى ، ولكنها أعطتهم الحرية للتعبير عن استيائهم. فسقف التوقعات الذي رفعته الثورة هيأ الظروف للنزوع نحو التشدد. وكشفت الثورة عن صدام بين القيم الجديدة للثورة والقديمة التي استشرت في عهد الدولة البوليسية. فقد لاحقت الشرطة الشبان الذين رغبوا بالتعبير عن رؤيتهم عندما لم يجدوا فرصاً للعمل.

 

وترى مونيكا ماركس، باحثة الدراسات العليا المتخصصة في الحركات الإسلامية: “لديك الكثير من الناس أصحاب الأحلام ولا تستطيع تحقيقها”. ومن هنا، يجد الشباب عزاء في الأيديولوجية السلفية الثابتة والبسيطة كما يقول برنارد هيكل من جامعة برنستون و”يمكنك تعلمها في جلسة مسائية واحدة”.

 

ويقوم من يدعمون فكرة الجهاد بقراءة انتقائية للنقاش العقدي والفقهي لتبرير ضرب أعدائهم الذين لا يتغيرون: الغرب واليهود والشيعة والحكومات العلمانية والقوى الأمنية في الدول الإسلامية والقادة الإسلاميون الذين يعتبرون منحرفين.

 

ورغم بساطة الرسالة، إلا أن العوامل التي تدفع الشبان والشابات نحو السلفية متنوعة وتختلف من سياق لآخر، ففي العراق يندفع البعض نحو السلفية المتشددة بسبب الهيمنة “الفارسية”، وفي السعودية يسافر الشاب إلى سوريا بعد استماعه لخطاب تبسيطي في المسجد. ويجد شاب مسلم في أحياء الفقر بباريس السلفية متنفسا لوضعه الهامشي. وقد نجح تنظيم “الدولة” في اجتذاب قطاعات متعددة من الشباب من خلال تلقينهم رسالة متعلقة بظروفهم.

 

* ظاهرة اجتماعية:

في تونس، تحولت المشاركة في الجهاد إلى ظاهرة اجتماعية، فكل واحد يعرف عن شخص سافر للقتال. وهناك عائلة كاملة من جربة قررت السفر إلى سوريا وباعت ممتلكاتها: سيارة ومزرعة لتربية النحل. وقال “أسلم الصولي”، طالب الأشعة، إنه يعرف عن تونسي على كرسي متحرك سافر إلى سوريا للقتال مع جبهة النصرة ثم عاد وسجن.

 

ويحاول الكاتب ربط ظاهرة التشدد التونسية بتجربة العلمنة المفروضة من فوق التي بدأها الحبيب بورقيبية بعد الاستقلال: منع الحجاب وفرض خطب الجمعة على الأئمة وتحجيم دور جامعة الزيتونة في تونس وإصدار تشريعات تساوي بين الرجل والمرأة.

 

ولم يعرف التونسيون عن الدين سوى كيفية الوضوء والصلاة كما يقول كمال. وفي عهد بن علي الذي تولي السلطة عام 1987 دفع بحملة قمع ضد الإسلاميين وسجن قادة حركة النهضة وأجبر راشد الغنوشي، زعيم الحركة على المنفى في لندن عام 1989.

 

وأكد الغنوشي الذي عاد إلى بلاده عام 2011 أن “الراديكالية هي ميراث بن علي وليست ثمرة الثورة”. ورغم اتهام الكثيرين للنهضة بمحاولة أسلمة المجتمع، إلا أن “مونيكا ماركس” تقول: “أنا متأكدة من رغبة النهضة بأسلمة المجتمع” و”لكن النهضة حركة سياسية براغماتية تتحدث عن إقناع الناس وليس إجبارهم”.

 

وينقل عن الغنوشي قوله: “كان هناك فراغ في الدين في عهد بورقيبة وبن علي وحاولت النهضة ملء الفجوة، إلا أن بن علي وبورقيبة حاولا سحق الحركة”، وكان فعل الحكومة عنيفا وكذا طبيعة الرد وانجذب بعض الشباب التونسي إلى القاعدة وغيرها.

 

ويرى الكاتب أن محاولة بن علي التخلص من الإسلاميين أدت إلى تصدير المشكلة للخارج، حيث شارك التونسيون في حرب أفغانستان والبوسنة وأنشأوا الجماعة التونسية المقاتلة التي تهدف للإطاحة ببن علي.

 

ويشير هنا للدور الذي لعبه أبو عياض التونسي في نشر التشدد في السجن بعد الحكم عليه في عهد بن علي، وكذا الدور الذي لعبه أبو بكر الحكيم الذي أنشأ شبكة لإرسال المتطوعين الفرنسيين للعراق. وكان هناك عدد كبير من التونسيين الذين جاؤوا من .

 

المهم في قراءة “باكر” للتشدد السلفي في تونس أن السلفيين التونسيين، سواء في بن قردان أو جربة أو دوار هيشر، كانوا جاهزين ومتجذرين مع الثورة التونسية، واستغلوا الفراغ الذي حدث بخروج بن علي وسيطروا على المساجد وأصبحوا مع ولادة الحكومة الديمقراطية مشكلة أولاً لحكومة النهضة التي حاول زعيمها “عقلنة” موقف السلفيين أو الحكومات اللاحقة وتطورت للمواجهة.

 

ويكشف “باكر” عن الدور الذي لعبته كتابات المنظر السلفي أبو محمد المقدسي في تشكيل جيل من السلفيين التونسيين.

 

وعلى العموم، تعبر قراءة “باكر” عن حالة الثورة التونسية وجيل الآمال الضائعة وعودة الحرس القديم وخيبة الأمل لدى البعض بتجربتهم في سوريا.