نشر موقع “فورين أفيرز” مقالا حول هجمات الأخيرة أشار فيه إلى أن تلك الهجمات تظهر أن قدرة التنظيم على توجيه ضربات في قلب أوروبا لا تزال قوية.

 

ويشير كاتب المقال إلى أن بلجيكا تظل مركزاً غير محتمل لنمو الخطر الإرهابي. فرعم صغر حجمها وكونها أمة مسالمة إلا أن صلتها بالتشدد المسلح قديمة وقائمة.

 

ففي التسعينيات من القرن الماضي وجدت أسلحة وذخائر طريقها من محتالين جهاديين في بروكسل إلى الجماعة الإسلامية للدعوة والقتال الجزائرية. وطوال العقد الأخير من القرن العشرين سافرت قلة من المواطنين البلجيكيين للمشاركة في عدد من النزاعات المسلحة بمن فيها الشيشان.

 

وشهدت بلجيكا في مرحلة ما بعد 9/11 سلسلة من المحاكمات الإرهابية قادت إلى إدانة 22 إسلامياً منهم نزار طرابلسي، لاعب الكرة التونسي المحترف والذي انضم لتنظيم القاعدة وخطط للقيام بهجمات ضد قاعدة عسكرية تابعة للناتو. وضمت أيضا طارق المعروفي المرتبط بعملية اغتيال القيادي العسكري الأفغاني أحمد شاه مسعود.

 

وفي الفترة الأخيرة وبعد تطور الحرب في سافر إلى هناك ما بين 5.000 ـ 6.000 متطوع أوروبي منهم 553 بلجيكياً، وهو ما يجعل نسبة المشاركين من البلد الأعلى بالنسبة لعدد السكان من بين كل الدول الأوروبية.

 

وتقدر تقارير عدد الذين عادوا من سوريا بحوالي مائة، ولكن يجب وضع المشكلة في السياق، فالجهادي العائد من سوريا يستفيد من حرية الحركة في منطقة “الشينغين”، ولهذا فالعائد إلى ألمانيا أو فرنسا يمثل تهديداً على بلجيكا بالطريقة نفسها التي يمثلها الذي ولد ونشأ فيها. فالتهديد واسع على القارة وهناك حوالي 2.000 مقاتل عادوا إلى بلادهم.

 

ورغم كل هذا، فقد عبر البعض عن دهشتهم من اختيار بلجيكا كموقع للضربة الأخيرة. فهي ليست محورية في الحرب الدولية التي تقودها واشنطن ضد التنظيم، بالمستوى نفسه الذي تلعبه فرنسا وبريطانيا.

 

لكن بلجيكا تظل محورية في إستراتيجية “الإرهابيين” للقيام بعمليات ترمي إلى إلهام وجذب متطوعين جدد، فبعد كل هذا كانت بروكسل أول مدينة أوروبية تعاني من هجوم نفذه عائد من سوريا ضد متحف يهودي.

 

وكانت بلجيكا أيضا مركز التخطيط لأول هجوم كبير في أوروبا عندما قامت خلية “فيرفييرز” شرق البلاد بإدخال جهاديين من سوريا وتسليحهم بأسلحة ثقيلة وبنادق إي كي -47 وحملتهم بمتفجرات وأجهزة لاسلكية وكاميرات.

 

وحسب المدعي العام الفيدرالي، فقد كانت الخلية تخطط لهجمات ضخمة. وأحبطت الشرطة الخطط، حيث كانت تلاحق أفرادها وقتلت اثنين واعتقلت واحداً.

 

كما إن معظم المشاركين في العملية الأخيرة وباريس وخلية “فيرفييرز”، كانت لهم صلات بحي مولنبيك الفقير في مدينة بروكسل. ومن لم يولد في الحي من الإرهابيين قضى وقتاً فيه كما في حالة أيوب الخزاني الذي حاول تفجير قطار سريع بين بلجيكا وفرنسا. وبعد هجمات باريس اختبأ في الحي صلاح عبد السلام الذي يحمل الجنسية الفرنسية وعاش قريباً من عائلته التي تسكن فيه.

 

ورغم نجاح المؤسسات الأمنية في مرحلة ما بعد هجمات سبتمبر 2001، إلا أن الهجمات التي ينجح التنظيم بتدبيرها أو يقوم بها متعاطفون معه في تزايد مستمر. وكل ما فعله القادة الأوروبيون لمواجهة الخطر هو التأكيد على أهمية التشارك في المعلومات الأمنية.

 

ولم ينتبهوا للأمور الأخرى التي يراهن عليها المهاجمون، وهي مظاهر القلق حول اندماج المسلمين داخل القارة وغياب الهوية الوطنية والحدود المفتوحة، وعدم قدرة المؤسسات الأمنية على مواجهة التحديات التي أصبحت فوق طاقتها.

 

وترى مجلة “إيكونوميست” أن تنظيم “” يتمتع بدعم وخبرة ومجندين، فبالرغم من وجود 18 جهادياً في 6 بلدان أوروبية في السجن بشبهة المشاركة في هجمات باريس إلا أن التنظيم استطاع توفير ما يكفي للقيام بعملية منسقة معقدة تحت أنف السلطات في بروكسل وربما خلال فترة إنذار بسيطة.

 

وترى أن التهديد ليس على وشك التلاشي فبعض من سيتحولون إلى إرهابيين سيتم تجنيدهم محلياً. وقد غادر أوروبا آلاف الشباب والشابات للالتحاق بما يسمى “الخلافة” في سوريا والعراق وتلقوا تدريبات عسكرية، مما يزيد فرص وقوع هجمات جديدة.

 

وتتساءل عن الرد الواجب على الحكومات الغربية فعله؟ وتقول إن نقطة البداية يجب أن تكون الوعي بأن هدف الإرهابيين هو الحصول على رد فعل مبالغ فيه. فهم يفرحون عندما يدعو سياسيون مثل دونالد ترامب لمنع المسلمين من دخول الولايات المتحدة وعندما يقول زعماء أوروبا الشرقية إنهم سيقبلون المسيحيين فقط من بين اللاجئين السوريين.

 

وعندما تقارن مارين لوبان، رئيسة الجبهة الوطنية في فرنسا بين صلاة المسلمين في الشوارع والاحتلال النازي، فإن هذا التعصب يساعد على تحويل الساخطين من المسلمين إلى متطرفين ومن ثم إلى انتحاريين.

 

ويفرح تنظيم “الدولة” عندما يرى الدول الغربية تقف حداداً على عشرات الناس الذين يموتون في الغرب، ولا يعيرون اهتماماً لوفاة مئات المسلمين الذين سقطوا جراء القنابل في بيروت وتركيا ومأساة الملايين الذين يعيشون في مخيمات اللاجئين والذين يعانون من الحرب الأهلية السورية.

 

ولعل أهم ما تحمله هجمات بروكسل من رسالة هي أن تنظيم “الدولة” ليس منظمة عادية مثل “القاعدة”، بل “دولة راعية للإرهاب”، بحسب توصيف “أودري كيرت كونين”، الباحثة في مجال الإرهاب في جامعة جورح ميسون. ففي مقال نشرته مجلة “فورين أفيرز” ناقشت أن ما يفرق عنف القاعدة عن عنف تنظيم “الدولة” هو أن مقاتلي الجماعة الأولى كانوا في معظمهم من حملة الجوازات الشرق أوسطية، أما “الدولة” فقد استثمرت كثيراً في المقاتلين الأوروبيين.

 

فهجمات بروكسل الأخيرة هي من تنفيذ مواطنين أوروبيين، وبالإضافة إلى هذا، فهناك عمليات غير مباشرة نفذها متعاطفون أو مجموعات موالية، وهذا بخلاف “القاعدة” التي سيطرت على الجماعات الموالية لها. ولهذا ترى الباحثة أن تهديد التنظيم يشبه تهديد الدول الراعية للإرهاب، مثل إيران وسوريا وليبيا والإتحاد السوفييتي السابق في سنوات السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، حيث وفرت للجماعات التي دعمتها المصادر والمعلومات الأمنية والخدمات اللوجيستية.

 

وترى أن الجماعات المدعومة من الدول عادة ما تكون خطيرة. وتنظيم “الدولة” ليس استثناء بسبب سيطرته على مناطق في سوريا والعراق ومشاركة ضباط سابقين في نظام صدام حسين في عملياته.

 

وعلى هذا، ترى الكاتبة أن المخططات الأمنية لن تنجح مع حركة تشبه دولة إلا إذا دمجت ضمن إستراتيجية شاملة تضم العديد من الخيارات العسكرية والإنسانية واللوجستية.