تساءلت مجلة فورين بوليسي الأمريكية هل يمكن أن تنجح الطرق السلمية في التعامل مع واحدة من أعنف المنظمات في التاريخ المعاصر منذ هجمات باريس؟ والسؤال الأكثر إثارة للجدل هو كيف تتعامل مع جماعة مستبدة مثل تنظيم الدولة الإسلامية؟

 

وقالت المجلّة الأمريكية إنّ النقاد وصناع القرار حاولوا وقف إطلاق النار في الحرب السورية وناقشوا كثيرا من الأمور العسكرية وخططوا لإرسال قوات برية ولكنهم لم يتطرقوا في نقاشهم إلي المقاومة السلمية ومدي فاعليتها في الحرب السورية.

 

وذلك لأنّ كل الحكومات والقوى المحتلة والأكثر رعونة بحاجة إلي موافقة الشعب الذي يرغبون في التحكم به وتنتج هذه الموافقة الشعبية من خلال الطاعة والدعم والتعاون الفعال منهم بتطبيق القوانين والضوابط التي يقرها الحاكم.

 

ونقلت فورين بوليسي عن “جين شارب” باحث في نظريات السلمية الإستراتيجية القول لا يستطيع القادة العمل بمفردهم لتحصيل الضرائب وفرض القوانين والأنظمة القمعية والحفاظ على مواعيد ثابتة للقطارات وإدارة الموانئ وطباعة الأموال وإصلاح الطرق وإنشاء الصواريخ وتدريب الجيش بمفردهم وإصدار الطوابع البريدية أو حتى الحصول على اللبن من البقرة.

 

وأعطت المجلة مثالاً حيث قالت إذا رفض الشعب الامتثال للقوانين وطاعة الأوامر فلن يتمكن القادة من الحكم وذلك خلافاً للمقولة الشعبية التي تؤكد على أن الشعب يعتمد على حسن نية الحاكم ولكن العكس هو الصحيح يعتمد الحاكم على حسن نية الشعب لتطبيق مشروعه السياسي.

 

والدولة الإسلامية ليست استثناء لأن هدفها قيام دولة على الشريعة الإسلامية، وبدون الدعم المحلي فلن يتمكن النظام من البقاء.

 

ودللت الصحيفة على عدم قدرة بعض المنظمات على النمو بمفردها حيث قالت منذ الغزو الأمريكي للعراق وبداية اندلاع الحرب الأهلية في سوريا تم تهميش الشعب العراقي والسوري حتى صاروا هدفاً للعنف الوحشي والتطهير العرقي، أما ففعلت العكس قامت بتوفير قدراً من الأمن والخدمات العامة الأساسية لهم التي سمحت لهم بالحصول على دعم من القبائل المحلية واكتساب بعض الشرعية الشعبية.

 

ولكن في المناطق التي لا يوجد بها ظلم أو تهميش للسكان فلا تستطيع “الدولة الإسلامية” السيطرة عليهم أو الحصول على دعمهم مما يؤكد نظرية أن المنظمة لن تستطيع أن تحكم بمفردها مدي الحياة حتى “الدولة الإسلامية” ذاتها قائمة على طاعة الأفراد التي تحكمها ولذلك فهي عرضة للعصيان.

 

وفي سياق متصل أوضحت المجلة الأمريكية أن الطريقة المثلى لزعزعة استقرار نظام قمعي لن تختلف سواء كان محتل أجنبي أو نظام استبدادي أو نظام دكتاتوري مثل تنظيم الدولة.

 

طرق سلمية للقضاء على تنظيم الدولة

وشددت “فورين بوليسي” على أهمية وضع استراتيجيات وخطط واضحة لإحداث تحولات بارزة في النظام السياسي لتحويل المعارضين الصامتين إلي منشقين ناشطين وتقويض الحكام من خلال الفوضى والانشقاق.

 

وأضافت المجلة في عرضها لمقترحات القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية بطريقة سلمية، كيف سيبدو الوضع بعد شن حملة سلمية ضد التنظيم؟ كيف تضرب “الدولة الإسلاميّة” في مقتل؟ الخطوة الأولي في أي حملة مقاومة سلمية هي الكف عن رواية القصص التي تسمح للحاكم الظالم كسب الدعم من السكان.

 

ثانياً بمجرد تعرض السكان إلي انتهاكات النظام الحاكم وسقوط صورة الحاكم الذي لا يقهر فيجب عليهم الاستعداد للتصدي له.

الدعاية الكبيرة لتنظيم الدولة هي السبب الرئيسي لنجاحه سواء في استقطاب أنصار جدد له من الخارج لضمان الدعم المستمر للسكان الذين يحكمهم أو الحفاظ علي طاعة السكان له.

 

وتابعت المجلة في عرضها لمقترحات القضاء على التنظيم بطريقة غير عنفية، لابد وان تسلط وسائل الإعلام العربية والدولية الضوء على المقاومة بدلاً من التركيز على الحديث عن قوة وصلابة التنظيم، واكبر مثال على ذلك الصحفيين في الرقة قاموا بطباعة مجلات عديدة بالرغم من القمع والاستبداد من قبل تنظيم الدولة لكي ينقلوا للعالم صورة الحياة في الولاية الإسلامية ولمواجهة الدعاية الزائفة له.

كذلك السخرية من التنظيم من خلال مقاطع الفيديو أو الصور المصنعة ببرنامج الفوتوشوب هي طريقة فعالة للتهكم عليه وكسر صورة الوحش الذي لا يقهر أمام الشباب الأجنبي.

 

طرق سلميّة آمنة

وأضافت المجلة أنه من بين الأمور الأكثر فاعلية للقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية ابتكار أساليب آمنة، بالطبع ليست مظاهرات شعبية أو ضربات جوية ولكن هناك طرق سلمية مثل تأخير العمل والأعمال التخريبية السلمية أو إنشاء إعلام بديل ومدارس ومنظمات دينية بديلة، ,وقطع التمويل طريقة أمنة فعالة أيضاً لان الضرائب هي المصدر الرئيسي للدخل بالنسبة للتنظيم وكذلك محاولة تطوير شبكات دعم للمنشقين.

 

وأكدت المجلة على أن الجمهور الواقع تحت سيطرة التنظيم هو وحده القادر على قلب الوضع رأسا على عقب وذلك لما يملكه من معرفة كافية عن الوضع على الأرض والأعمال الداخلية للتنظيم أو المصانع التي يعملون فيها. وعلى النشطاء العمل لمنع تنظيم الدولة من الحصول على الأموال التي تحتاجها للحفاظ على كيانهم حتى يتصور للتنظيم الإرهابي أن احتلالهم أمر مكلفا للغاية، وذلك على غرار للتجربة الناجحة في الدنمارك فقد حققت حملات العصيان المدني ضد الاحتلال النازي في الدنمارك، والنرويج، وهولندا انتصارا كبيرا من خلال أعمال التحدي والتعطيل و التخريب، وتباطؤ العمل، والمقاطعة الاجتماعية والاقتصادية – أجبرت المحتل على تحويل الموارد من جبهات قتالية إلى موارد للحفاظ على النظام.

 

وفي سياق متصل نجد في جنوب أفريقيا، على الرغم من عمليات القمع على نطاق واسع وعنف الدولة المدقع، وحكومة الفصل العنصري، فلا يمكن أن يتم وقف مقاطعة المستهلكين المحليين للشركات التجارية التابعة لدول الاحتلال ، هذه المقاطعة دفعت أصحاب الأعمال لدعوة الحكومة لقبول مطالب السود في جنوب أفريقيا. فالتهديد بالعنف يمكن منع المواطنين من القيام بأشياء كثيرة، ولكنه لا يمنع إجبارهم على شراء المنتجات في المحلات التجارية.

 

عوامل خارجية مساعدة

هناك عناصر أخرى يمكن أن تبيد تنظيم الدولة منها العوامل الخارجية التي من شأنها أن تساهم في ضرب التنظيم، أولًا، تشجيع الانشقاقات، من خلال تقديم وظائف أفضل في الخارج لعناصره. جذب الفنيين ذوي المهارات العالية الذين يعملون في مصانع المواد الكيميائية والمنشآت النفطية، في شركات أجنبية سيكون له أثر مدمر على قدرة تنظيم الدولة في جني الإيرادات.

 

وتابعت المجلة في عرضها لمقترحات القضاء على تنظيم الدولة بطريقة سلمية، ثانيا وسائل الإعلام تلعب دورا كبيراً سواء في تعبئة الجماهير ضد تنظيم أو جذبه للتنظيم، وبالتالي يدرك تنظيم الدولة قوة الإعلام في نجاح الكيان الإرهابي سواء في تجنيد أنصار جدد (وخاصة في الخارج)، وضمان الدعم السكان المستمر لهم، أو تخويف عناصرهم من الانشقاق، ولهذا بدلا من الإفراط في التركيز على العنف يجب أن نركز على وسائل الإعلام الدولية والمحلية سواء على الانترنت أو على أرض الواقع، بالسخرية من الكيان الإرهابي وتشويه صورتهم هذا سيأتي بنتيجة فعالة من شأنها أن تقلل نسب المنضمين للتنظيم وتعبئة الرأي العام والشعب في الداخل والخارج ضدهم. حسبما ذكرت شبكة رؤية.

 

وخلصت الصحيفة إلي أنه يمكن للمنظمات الدولية تدريب الناشطين على أساليب العمل السلمي، والاتصالات الإستراتيجية، والتعبئة الجماهيرية. تعبئة الرأي العام واتخاذ إجراءات غير عنيفة، خصوصاً في ظل الظروف القمعية، تتطلب معرفة ومهارات عبر وسائل الانترنت، وبرامج التدريب ستكون أكثر فعالية بكثير وأثبتت جدارتها في الماضي، سواء في صربيا، جورجيا، أو في جميع أنحاء العالم العربي.

 

يمكن أن تقام حلقات عمل تدريبية في الدول المجاورة أو عبر الانترنت عندما تحين الظروف للنشطاء للسفر بأمان.

 

محدودية تنظيم الدولة في الوصول إلي الانترنت سيقف حائلا ضدها ويشير إلي أن الوضع سيكون امن لإحضار النشطاء إلي أو المناطق المحررة بسوريا والعراق.

 

أثرت الدعاية الخاصة بتنظيم الدولة الإسلامية بشكل كبير على العالم ورسخت وحشيتها ورعونتها وقدرتها المبالغ فيها والتي تتطلب جيوش لهزيمتها ودعمت الحكومات الاستبدادية تلك الفكرة ولكن كل ذلك خرافة ولا يمط للواقع بصلة.

 

واختتمت الصحيفة بالقول إن تنظيم الدولة الإسلامية لا يختلف عن باقي الأنظمة الحاكمة الأخرى فهي قائمة على طاعة سكانها لها ولكن الأهم من ذلك هو أن الأمور يمكن أن تنقلب رأسا على عقب ويحل العصيان بديلاً للطاعة وقد يساعد النشطاء السياسيين في دفع السكان المحليين للانقلاب السلمي ضد الدولة الإسلاميّة وتفكيك مصادر قوتها.