حتى في عام مليء بالمبالغات في كل شيء، فمن الصعب المبالغة في مدى سوء في المملكة العربية حسب ما ذكرته صحيفة فورين أفيرز  اذا أشارت في تقريرها إلى أنَّ الوضع مزعج للغاية ويزداد سوءًا كل يوم، والرياض في حاجة ماسة إلى أزمة لتحسين هذا الوضع.

 

وتقول الصحيفة في تقريرها إن هناك ثلاثة أحداث تركت المملكة العربية السعودية في هذه الفوضى…

 

أولًا، تدخل القوات العسكرية الروسية في منطقة دون رادع من قِبل أي قوة عظمى لأول مرة في التاريخ. في الماضي، كان يتم موازنة توغلات دائمًا من قِبل منافس، مثل الولايات المتحدة أثناء يوم الغفران في عام 1973، والبريطانيون من خلال شرفان القاجار في وبدعم من العثمانيين في القرن التاسع عشر، والأتراك خلال حروب 1914-1918 و1877-1878 وقبل ذلك. ولكن الآن، المنافسون المحتملون لروسيا في منطقة الشرق الأوسط – الولايات المتحدة وأوروبا – يتراجعون ويتركون المملكة العربية السعودية لتحقيق التوازن مع روسيا من تلقاء نفسها.

 

ثانيًا، اتحاد منافسي المملكة العربية السعودية بدرجة غير مسبوقة في منطقة الشرق الأوسط. تعمل القوات الروسية دون رادع مع إيران التي تتمتع بقوة كبيرة في الوقت الحالي. ولأول مرة في العصر الحديث، تنسجم إيران مع العراق، وتنحاز العراق مع . كما منح الاتفاق النووي الإيراني 150 مليار دولار لطهران بعد تخفيف العقوبات وإعادة دمجها مرة أخرى في الساحة الجيوسياسية دون أن تتخلى إيران عن أي من طموحاتها الإقليمية. وعلاوة على ذلك، فإنَّ انتصار الإصلاحيين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة أدى إلى تسريع هذه العملية؛ لأنه سيطمئن الغرب ويعزز الصفقة النووية.

 

ثالثًا، للمرة الأولى في التاريخ تكون المملكة العربية السعودية من دون حليف من القوى العظمى؛ فالولايات المتحدة لم تعد تحمي الأمن السعودي، ولا تؤيد أهداف المملكة في الصراعات الإقليمية في سوريا واليمن. ولذلك، يقف السعوديون وحدهم أمام الفوضى التي تجتاح الشرق الأوسط.

 

وهذا هو السبب في أنَّ السعودية بحاجة لحدوث شيء كبير. ولذلك، فإنَّ الدخول في أزمة كبيرة مع إيران سيعزز موقف المملكة العربية السعودية بطريقتين. أولًا، هناك احتمال أن يعرقل ذلك التقارب الأمريكي الإيراني؛ فإدارة أوباما لا تحمل نفسها على قبول الشرق الأوسط بعد إعادة التوازن لصالح إيران. ولم تحاول أن تقنع الجمهور، والكونغرس، أو جهاز الأمن الوطني في واشنطن بمدى قيمة إعادة التوازن في الشرق الأوسط، مهما كانت صحة هذا التوازن. وعلى هذا النحو، حاولت الإدارة أن تسير في كلا الاتجاهين — التقارب مع إيران والاستقرار — وهو أمر مستحيل.

 

ولذلك، فإنَّ الصراع السعودي الإيراني قد يجبر الولايات المتحدة على العودة مرة أخرى إلى المملكة العربية السعودية، التي تربطها بها علاقة أمنية قوية منذ 70 عامًا. لقد حاربت واشنطن والرياض ضد الشيوعيين والإسلاميين وصدام حسين، وضد إيران منذ قيام الثورة الإسلامية في عام 1979. وتأمل المملكة في أنّه من خلال تلك الأزمة، سوف تستمر علاقتها مع الولايات المتحدة.

 

وهذا أحد الأسباب في أنَّ السعودية قالت لواشنطن، في يوم 4 فبراير الماضي، إنها مستعدة لإرسال قواتها للقتال في سوريا. وردّت روسيا بأن هذا من شأنه بدء حرب عالمية ثالثة. وكما يدرك كلا الجانبين، فإنه بمجرد إرسال القوات السعودية إلى سوريا، فمن السهل أن تتحول من قتال داعش إلى محاربة الأسد. كما أنَّ مشهد القوات السعودية وهي تقاتل إلى جانب المعارضة السورية من شأنه أن يردع الضربات الجوية الروسية. وهنا، يجدر بنا النظر في كيفية رد فعل روسيا على مواجهتها مع تركيا. لم ترغب روسيا في حدوث أي خلاف مع تركيا بعد إسقاط أنقرة لطائرة روسية في نوفمبر الماضي.

 

وقفت الولايات المتحدة على الهامش في الخلاف بين روسيا وتركيا في الخريف الماضي، لكنَّ القوات التركية لم تتعرض للهجوم الروسي. لقد عاملت روسيا القوات التركية برفق شديد، ووثقت بضمان الولايات المتحدة لتركيا. ولذلك، فإنَّ شنّ هجوم علني على القوات السعودية من شأنه أن يستفز رد فعل أمريكي أكثر قوة.

 

والسبب الآخر لإثارة المملكة العربية السعودية لمواجهة خاصة في سوريا هو أنه سيكون بمثابة كارثة إذا استعاد الأسد قبضته على سوريا مرة أخرى. عندما تكون موحدة، فإنَّ الدول الشيعية الأربعة في الشرق الأوسط — العراق، سوريا، ولبنان — تكون أقوى من الدول السُنية. منذ عام 1979، تحتاج القوى السُنية لدعم الولايات المتحدة للبقاء على رأس النظام الإقليمي. ولكن في هذه اللحظة، تمثل سوريا مصدر إزعاج لإيران ووكلائها. هناك تقارير تفيد بأنَّ حزب الله خسر أكثر من 1000 مقاتل في الصراع السوري، ومات أربعة أشخاص من كبار قادة الحرس الثوري الإيراني. وبالإضافة إلى ذلك، طالما يتركز اهتمام التحالف بين إيران والعراق وسوريا على سوريا، فإنّه لا يركز على منطقة الخليج. ولكن تدخل روسيا ووقف إطلاق النار الأخير بدأ في تحويل دفة الأمور ومن ثمّ تحتم على السعوديين إطالة أمد الحرب.

 

الطريقة الأقل تكلفة للحفاظ على استمرار الحرب هي تشجيع العناصر غير النظامية والإسلامية، مثل جماعة أحرار الشام، وهي جماعة تضم ما يصل إلى 20 ألف مقاتل، لمحاربة نظام بشار الأسد. السعوديون يعرفون ذلك، ولذلك في أكتوبر عام 2015، دعا عشرات من رجال الدين والعلماء السعوديين إلى الجهاد ضد القوات الروسية والإيرانية في سوريا. وعلى الرغم من أنَّ قد حظرت رسميًا مواطنيها من المشاركة في أي قتال خارجي في مارس عام 2014، إلّا أنَّ الأسرة الحاكمة التزمت الصمت.

 

كما قدّمت المملكة العربية السعودية الدعم لهذه الجماعات المتطرفة من قبل؛ حيث عرض أسامة بن لادن أن يعمل كقوة أمامية للمملكة عندما اجتاح صدام حسين الكويت في عام 1990. ولكن المملكة رفضت تدخل الأفغان العرب، واتجهت إلى قوات الولايات المتحدة الحماية، وهو الأمر الذي أغضب الجماعات الجهادية وأثار حفيظة تنظيم القاعدة. اليوم، سيكون من الحماقة أن يرفض الملك مساعدتهم، لأنَّ هناك عدد قليل جدًا من البدائل. وبالرغم من كل شيء، لا تنوي الولايات المتحدة التدخل، فإحدى سلبيات تحالف المملكة العربية السعودية مع الولايات المتحدة هو أنَّ تركيز الولايات المتحدة على الحرب التقليدية قد منع عملائها من تطوير قدرات الحرب غير النظامية، حتى عندما تكون منطقية في بعض الأحيان.

 

وهذا يقودنا إلى السبب الثاني في أنَّ الأزمة مع إيران ستكون في صالح المملكة. كلما زادت الطائفية، أصبحت الجماعات المسلّحة أكثر فائدة وحماسة وأمنًا. وإذا كان الصراع في سوريا هو حرب دينية ضد المرتدين وليس خلافًا جيوسياسيًا، سيتم جذب المتشددين ناحية الصراع وبعيدًا عن المملكة. أسامة بن لادن، على سبيل المثال، لم يصبح مشكلة بالنسبة لنظام الحكم في السعودية إلّا بعد انتهاء الحرب الأفغانية السوفيتية، وقد رُفضت مساعدته في حرب الخليج الأولى ضد صدام. وهذا هو السبب في أنَّ الأزمات الدينية مع إيران تصب في صالح المملكة، مثل أزمة إعدام رجل الدين الشيعي السعودي نمر النمر الشهر الماضي. كان لا بدّ أن يثير إعدامه رد فعل عنيف. وكانت إيران قد حذّرت الرياض صراحة منذ سنوات من عدم قتل النمر، وأشار المرشد الأعلى الإيراني آية الله الخميني إلى “الانتقام الإلهي” الذي سيصيب السعوديين.

 

ولذلك، أحرق الإيرانيون السفارات والقنصليات السعودية في ومشهد. وردت المملكة العربية السعودية بقطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع إيران، وتبعها في ذلك البحرين والإمارات العربية المتحدة، والسودان. وكانت واحدة من اللحظات الأكثر إثارة في العلاقات الثنائية ين البلدين في العقود الماضية، ومن وجهة نظر السعوديين كانت أفضل من الوضع الراهن. ولكن بالنسبة لإيران لم تكن كذلك، وهذا هو السبب في تراجع بسرعة.

 

باختصار، المملكة العربية السعودية بحاجة الى مزيد من الأزمات، وقد يتحقق لها ذلك في الفترة المقبلة؛ فالتحالف السُني يتعرض لهزائم في سوريا والعراق إلى جانب جمود الوضع في اليمن، ومن ثمّ فمن المنطقي أن تحاول المملكة فعل شيء في لبنان. وفي 19 فبراير الماضي، أوقفت المملكة العربية السعودية إرسال مساعدات قيمتها 4 مليار دولار (بما في ذلك 3 مليار دولار للجيش) إلى لبنان، وبعد أسبوعين أعلن مجلس التعاون الخليجي بقيادة السعودية أنَّ حزب الله منظمة إرهابية. وقررت الرياض بشكل واضح أن الدولة اللبنانية بعد عام 2008 لا تسيطر بدرجة كافية على قوة حزب الله. وتعتقد المملكة العربية السعودية أن السُنة في لبنان قد يكون لهم دور فعّال في إعادة توازن السياسة الداخلية اللبنانية وتهديد احتكار حزب الله بالعنف. في هذه الحالة، وبعيدًا عن أنّه استثمار سيئ، قد يكون الجيش اللبناني هو القوة الوحيدة التي تقف في طريق السُنة.  ولكن في الوقت الراهن، هناك احتمال كبير بظهور أزمة جديدة في لبنان.

 

لم تنجح الرياض في إفشال الاتفاق النووي الإيراني أو منع التدخل الروسي في سوريا، لذلك يجب أن تغامر قبل أن تزداد الأمور سوءًا في المنطقة. ولذلك، فإنَّ وقوع أزمة أعمق مع إيران هي أفضل فرصة لإجبار إدارة أوباما على العودة إلى المعسكر السعودي. وحتى لو لم ينجح هذا الأمر، فإنَّ استمرار الأزمة سيزيد من قوة المسلّحين ويجعل من الممكن السيطرة عليهم. وفي كلتا الحالتين، يمكن أن يساعد وقوع أزمة كبيرة في حل الكثير من المشاكل التي تواجهها المملكة في منطقة الشرق الأوسط؛ لأنَّ الوضع الراهن يسبب المزيد من الضرر فحسب.