فهمت معظم وسائل الإعلام العربية والعالمية التصريح الذي أدلى به وزير الدولة للشؤون الخارجية بشأن “استعداد” للمشاركة في قوات برية في إطار عملية في الأراضي السورية، أنه جاء دعماً للموقف السعودي، إلا أن المتفحص للتصريح يجد موقفاً فسّره البعض “بانقلاب”.

الدارسون في شؤون السياسة واستخدام التعبيرات وتوقيتها، يرون أن تصريح قرقاش، الذي ورد في مؤتمر صحفي (في إجراء يهدف إلى إيصال رسالة يسمعها العالم)، فيه انقلاب واضح وصريح على المملكة العربية التي تقود التحالف العربي والإسلامي، وفي أشد الظروف وهي حالة المعارك والحروب، وجاء التصريح بعد يومين من إعلان استعدادها إرسال قوات برية للقتال ضد تنظيم “” داخل الأراضي السورية.

تشكيك بقدرة السعودية

موقف الرسمي كان واضحاً، حيث جاء في نص التصريح اشتراط الوزير قرقاش لمشاركة بلاده في أي أن لا تكون هذه القوة بقيادة السعودية، في إشارة إلى رفضها للسياسات والقرارات العسكرية التي تتخذها حالياً وسابقاً، وهو ما يفسر ما ألقى عليه البعض الضوء عن حالة الخلاف في إدارة سير المعارك في اليمن، لا سيما بمنطقة عدن، التي تفرض أبوظبي سياستها هناك.

قرقاش اشترط أن تكون أي قوة ممكن أن تشارك فيها للقتال في “بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية”، إلا أنه أوضح في الوقت ذاته أن المشاركة لا تعني الدفع بآلاف الجنود الإماراتيين، وتابع “لا أتحدث عن آلاف القوات.. أتحدث عن قوات تقدم الدعم للقوات التي تقاتل على الأرض إن رأى التحالف، على أن تلعب الولايات المتحدة دورا قياديا في ذلك”.

كان بإمكان أبوظبي أن تُعلن عن موقفها، “المشكك بالقيادة السعودية” وقدرتها في إدارة معركة برية في سوريا، عبر رسائل رسمية داخلية، تبعث بها إلى القصر في الرياض، بحيث يكون هناك تفاهم على الإجراءات القادمة وتفهم مشترك لأي خطوات قد تتخذ، إلا أن اختيار المؤتمر الصحفي لهذا الإعلام بعث برسائل سلبية للسعودية، يتوقع المراقبون أن تلقي بظلالها على طبية العلاقات وطبيعة الشراكة العسكرية في اليمن، على وجه الخصوص.

ليس سراً أن العلاقات بين الرياض وأبوظبي تشهد حالة من الخلاف الدائر خلف الستار، رغم محاولات التجميل الإعلامية والتصريحات الإيجابية، لكن تغريدات وتعليقات عدد من الكتاب والسياسيين الذين يمثلون رأي أبوظبي في العديد من القضايا السياسية، تشير إلى هذا التوتر بين الحين والآخر وفي عدة قضايا، لا سيما القضية المصرية، وحتى الحرب في اليمن.

تشعر أبوظبي أنه منذ حكم الملك سلمان، بدأت تفقد جزءاً مهماً من مخطط كانت تعمل عليه لتكون القوة العسكرية الأولى في منطقة الخليج العربي، وتتحول إلى شرطي المنطقة، حيث لوحظ بعض هذه الإجراءات خلال فترة حكم السعودي الراحل عبد الله، لكن وفاته أوقف تحركاتها العسكرية الخارجية، وأبقتها تحت جناح أي تحرك سعودي، إلى أن جاء موقف الوزير قرقاش، الذي اعتبره البعض خروجاً من عباءة السعودية العسكرية.

دلالات التوقيت

لكن التساؤل المهم، ما سبب توقيت هذا الموقف من قبل أبوظبي، وما علاقته بالتطورات الميدانية في عدد من الساحات العربية؟

فمن جهة، يأتي هذا الموقف قبيل معركة تحرير صنعاء من قوات المخلوع صالح والحوثيين، وهي معركة – كما يرى محللون سياسيون – تسعى أبوظبي لإطالة أمدها لإنهاك قوة السعودية العسكرية والاقتصادية والسياسية على حد سواء.

ومن جهة أخرى؛ تحرص أبوظبي على عدم حسم المعركة في سوريا لصالح الثوار، والذين تعتبرهم “إرهابيين”، كون غالبيتهم يمثلون التيار الإسلامي المعتدل، باستثناء تنظيم “داعش” و”النصرة”، وهو موقف لا تخفيه أبوظبي، لذلك اشترطت الإمارات قيادة الولايات المتحدة لأي تحرك بري في سوريا، كون قوائم الإرهاب الأمريكية قريبة من الإماراتية.

الأمر الثالث وهو الأحدث، تصريح العاهل السعودي الملك سلمان، والذي أعلن فيه أن بلاده تتعاون مع العرب والمسلمين للدفاع عن بلدانهم وضمان استقلالها، والحفاظ على أنظمتها كما ارتضت شعوبهم. وهو موقف قد يعطي إشارة لأبوظبي إلى بدء مواجهة سياسية مع الرياض في العديد من الملفات الشائكة في المنطقة، لا سيما مصر وليبيا وفلسطين.

في المحصلة، يرى الكثيرون أن موقف الوزير قرقاش المعبر عن سياسة أبوظبي وردت فيه رسائل سياسية مباشرة للسعودية توضح طبيعة العلاقة للمرحلة المقبلة، وبأن أبوظبي سيكون لها خط مختلف عن الطريق الذي تنتهجه السعودية، خط لا بد وأن يكون بقيادة أمريكية فقط.

الإمارات ٧١