الخصائص الثقافية والحضارية للثورات العربية

0

يحدثنا التاريخ بأن لكل ثورة خصائصها وطبيعتها ، التي تستحضرها من بيئتها وتفاعلات تلك البيئة ، ومن المؤثرات الداخلية والخارجية ، وإذا كان الأمر هكذا ، فما هي إذن خصائص الثورات العربية ، التي اشتعلت من إحدى المدن التونسية ، في الشهر الأخير من السنة الأخيرة من العقد الأول من الألفية الثالثة ، لقد تعددت الخصائص الثقافية والحضارية لتلك الثورة وتنوعت بما منحها تفرداً وأضفى عليها تميزاً .

لقد كان من تلك الخصائص ما يجمع بين الثورات العربية والثورات الأخرى في العالم وعلى مر التاريخ ، ومنها ما تفردت به الثورات العربية ، واختلفت بموجبه عن الثورات الأخرى ، وأصبحت بِدعاً في تلك الخصائص ، في هذا المقال نناقش جملة الخصائص الثقافية والحضارية التي اختصت بها الثورات العربية ، وذلك من خلال ما يلي : 

أولاً : الثورات العربية ثورات شعبية بدون قيادات كارزمية :

لعل من أهم خصائص الثورات العربية أنها ثورات شعبية ، إذ تبلورت تلك الثورات ثم نمت وتضخمت من خلال انتشار حالة من الاحتقان ، سرت في نفوس الناس بشكل تلقائي وغير منهجي ، ما خلق شكلاً من التوافق على رفض الواقع ، وأوجد لدى العموم رغبة وإرادة على تقويضه وإنهاء وجوده ، ثم ما لبث أن تجمع الناس من أجل ذلك بشكل تلقائي ، وبدافع التوحد حول نفس الهدف ، حيث انتابهم نفس الشعور ، ولقد تم هذا الحراك الشديد بطيئاً في بدايته سريعاً في قمته ، ولكن دون قيادة معلومة بشكل يقيني ، ومن ثم حارت النظم السياسية في السيطرة على ذلك الحراك ، واتسم سلوكها بالهلع والتخبط ، وتفصيل ذلك فيما يلي :

أ : تلقائية الدعوة إلى الخروج للتجمع : 

لقد تداعى المواطنون في مجتمعات الثورات العربية بشكل غلبت عليه سمة التلقائية ، وبدا وكأنه خطاب مرتجل يتم في إطار تواصل إجتماعي ، لا يعلم طرفاه : الداعي والمدعو موضوعه وهدفه على وجه الدقة ، ووجد كلٌ من الطرفين نفسه مدفوعاً إلى ما يفعله دون إدراك أو وعي كامل بالنتائج والعواقب ، وما من شك في أن هذه هي أول أعراض وسلوكات الفعل الثوري الشعبي الجمعي .

إن مرحلة الدعوة للخروج ، ثم الخروج للتعبير عن حالة رفض الواقع في وضعية هياج جماعي ، قد تم الإعداد المسبق لها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي ، ومن ثم فهذه العملية أو المرحلة لم تتسم بالتلقائية ، بل اتسمت بالترتيب والإعداد المسبق ، وذلك لا يتنافى مع شعبية الثورات العربية .

إن الإعداد المسبق بالدعوة للخروج والتجمع قد حدث بالفعل ، ولكنه تم في المراحل الأولية المبكرة ، ولم يكن كافياً لإحداث الزخم اللازم للثورة ، أما التجمع الكثيف الذي تم بعد ذلك ، فقد تم بالتلقائية ، وتفجيراً لطاقات الغضب والاحتقان المتوقدة لدى الجموع في كل مكان ، إلا أن ما يمكن إضافته والتأكيد عليه ، هو أن عملية الإعداد بالدعوة للخروج والتجمع عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي هي التي وسمت الثورة بالسرعة والفجائية ، ما أربك السلطات في كافة الأنظمة التي صدمتها الثورات العربية .

ارتبط بما تقدم أن الثورات العربية لم تعرف القيادة الكارزمية والرمزية ، فعلى عكس الكثير من الثورات التقليدية المعاصرة ، ولعل أقربها الثورة الإسلامية الإيرانية ، غابت القيادة الكارزمية التي تعتبر رمزاً للثورة ، والتي تصدر أوامرها وتوجيهاتها للثوار ، فيأتمرون بأمرها ويتبعون توجيهاتها ، وتسيطر وتتحكم في الجموع والحشود ، سواء كانت موجودة في وسط الأحداث أو بعيداً عن الأحداث ، ولعل وجه الشبه قائم بين الثورات العربية وثورة شرق أوروبا في منتصف تسعينيات القرن العشرين ، فقد غابت القيادات الكارزمية بمعناها الدقيق في  الثورتين . 

وقد شكلت هذه الوضعية خطورة على تماسك الثورة وقوتها ومضائها في تحقيق أهدافها كاملة ، وتمثلت خطورة هذه الوضعية في إمكانية تفتت الثورة وتشظيها إلى فرق وجبهات متنافسة بل ومتصارعة ، وهذا ما حدث في كثير من الأحيان للثورات العربية في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا والبحرين ، كذلك بدت خطورة غياب القيادة الكارزمية للثورات العربية في تمكين مضادات الثورة من شق صف الثورة ، والحؤول بينها وبين استكمال مطالبها وأهدافها.

وبالرغم من أننا نرى أنه من عبقرية الثورات العربية أن تقود نفسها بنفسها ، إلا أن وجود القيادة الكارزمية تجنّب الثورة المآزق سابقة الذكر ، شريطة ألا تتحول إلى ديكتاتورية على غرار الزعامات الكارزمية التقليدية التي سبقت في التاريخين الحديث والمعاصر ، والتي جرّت على الأمة الهوان وساقتها نحو الضياع .

ب : تلقائية تحديد المطالب [مرحلة المطالب غير الممنهجة وغير الواضحة] : 

لقد أفضت عملية التجمع والاحتشاد من قبل الثوار إلى ضرورة بل حتمية البحث السريع عن السبب المباشر للثورة ، وقد تحدد ذلك السبب سلفاً ولكن في صورة بدت غير واضحة المعالم ، ولكنه ازداد تحديداً فور التجمع ، وأصبح أشد تمكيناً مع تشكل التجمعات الثورية .

فقد تجمع الناس في حدث الثورات العربية من أجل الاعتراض على الحكم القائم ، وعلى ممارساته البوليسية ضد حرية الناس ، وعلى إخفاقاته في حفظ كرامة الناس ، وعلى فشله في تحقيق مطالبهم في حياة إنسانية كريمة ، وكان ذلك يعني رفض حكم بهذا الوصف والتردد بين تعديله أو تبديله .

ولكن ما بدا على هذه المطالب المبدئية أنها أولية ، وقابلة للتصعيد إلى سقف أعلى ، وأنها بمثابة اختبار لموقف النظام منها ، وقوته في المبارزة ، ورد فعله تجاه هذه المطالب ، ووسائل وآليات تجاوبه مع الثورة .

وسريعاً تحدد رد فعل النظم السياسية العربية التي اجتاحتها الثورة في اللجؤ المباشر والتلقائي إلى الأساليب الأمنية القمعية القهرية كعادتها دوماً ، وكان ظن هذه النظم المبدئي أن هذه الاحتجاجات إن هي إلا كسابقتها ، ولن تلبث إلا أن تتبدد أمام ضغوط القوة والقمع ، والدليل على ذلك أن كل النظم التي روّعتها الثورة ، أعلنت أنها ليست كتلك التي قوّضتها الثورة ، وبالرغم من ذلك لم تلبث أن تهاوت .

وتبدو أهمية هذه المرحلة في كونها تحدد مصير الثورة وهي في المهد ، فإما أن تتغلب على مرحلة رد الفعل المبدئي العنيف من النظم السياسية ، وإما أن تفلح تلك المواجهة العنيفة في إفشال الثورة وقمعها كما كانت تخطط تلك النظم ، وتبقى بمثابة إنتفاضات شعبية بالشكل الذي عرّفناه من قبل ، وفي حالة الثورات العربية تجاوزت تلك الثورة هذه المراحل ، التي كانت بمثابة مخاض عسير ، واستمرت الثورة وازدادت قوتها .

ت : الرغبة في الاستمرار ، ثم الإصرار عليه ، وارتفاع سقف المطالب : 

وانطلقت الثورات العربية ، عبر تطورات قد تكون مفاجئة وسريعة ومتلاحقة ، إلى مرحلة جديدة اتسمت بالرغبة في الإستمرار ، وأشّر ذلك إلى أن الثورة قد قويت واشتد عودها ، وترجم هذا التطور الإصرار على المطالب التي تم الإعلان عنها في المرحلة السابقة ، في الوقت الذي بدأ سقف المطالب في الارتفاع ، تزامن مع ذلك تحركات محمومة من قبل النظم ، وإمعان في تلمس سبل النجاة ، وكان ذلك عبر زخم من الأساليب والوسائل الأمنية وقليل من التحركات السياسية ، إذ أن الثورة بضغوطها قللت فرص النظم في المناورات السياسية ، وحالت بينها وبين المماطلة والتسويف لتهدئة الثورة ، والتخفيف من حدة حماس الثائرين .

إن الرغبة في الاستمرار ثم الإصرار عليه كانت بمثابة اختبار لطرفي هذه العلاقة الشائكة ، حيث عمد كل منهما لدراسة أوضاعه وإمكاناته وآفاق التصرفات المقبلة ، كما درس إمكانات الطرف الآخر ، وكيفية التأثير عليه ، وعمدت النظم السياسية إلى إطلاق مبادرات بشكل مباشر أو عبر أطراف ثالثة ، وانتظر الجميع النتائج .

إن صمود الثورات العربية وتجاوزها حدود هذه المرحلة كان مدعاة للتصعيد ورفع سقف المطالب ، وذلك نتيجة عاملين : الأول هو نجاح الثورة في الصمود وزيادة توقع فرص النجاح ، والثاني اهتزاز النظم السياسية التي بدت متخبطة ، وغير قادرة على تقديم حلول تخرجها من الأزمة الخانقة .

في هذه المرحلة التي تحددت معالمها في رغبة الثوار في الاستمرار ، ثم في إصرارهم على المضي قدماً نحو تحقيق الأهداف ، وفي ارتفاع سقف المطالب ، أضحى من المحتم تدخل قوى إقليمية وعالمية متنوعة ومتباينة ، وبالفعل تدخلت قوى عالمية وإقليمية لمصلحة النظم السياسية من أجل دعمها، وامتصاص صدمة الثورة ، والالتفاف عليها بمبادرات سياسية .

وفي المقابل تدخلت قوى عالمية وإقليمية لدعم الثورة في ذاتها أو نكاية في النظم المشرفة على الانهيار ، كما تدخلت منظمات دولية إقليمية وعالمية للنظر فيما ينجم عن الثورات من تداعيات قانونية وإنسانية ، وقامت بأدوار مهمة في هذه المرحلة لاحتواء آثار ونتائج الصراع من وقت مبكر ، وقد جاءت تدخلات القوى الإقليمية والعالمية ، وكذا المنظمات الإقليمية والعالمية ، بناءً على دعوة أيٍ من الطرفين : النظام أو الثوار أو منهما معاً ، إلا أنه في الأخير غالباً ما تركت هذه التدخلات تداعيات على الوضع برمته .

ث : التصعيد الذي تجاوز الخطوط الحمراء [إنهاء الواقع القائم] : 

الثابت من تجربة الثورات العربية ، أن مرور الوقت قد قوى الثورة ، وزاد من تخبط النظم السياسية المشرفة على الإنهيار ، ورفع من سقف المطالب التي نادى بها الثوار ، وهذه مثلت حلقة مهمة في سلسلة تطور الثورة ، إذ أنه عند الوصول إلى هذه الحلقة ، وانطلاقاً من الصدام بين الطرفين ، وقسوة النظام على الثوار ، من أجل قمع الثورة ، وذلك بالاعتقال والتعذيب والقتل ، وصلت الثورة إلى نقطة تعرف بـ”اللاعودة” وعندها أيقن الثوار أنهم إذا تراجعوا هلكوا ، وتأكدت حقيقة مطلقة ونهائية ، مفادها أن أحد الطرفين لا بد من أن ينتصر ، ومن ينتصر يسود ، ومن ينهزم ينتهي إلى غير رجعة ، وبذا وصل الصراع إلى نهايته ، حيث عمدت النظم إلى استئصال شأفة الثوار ، ولم يجد الثوار بداً من المطالبة بإنهاء الواقع القائم وتقويض النظم ومحاكمة رموزها ، وهذا هو الخط الأحمر الذي تجاوزته الثورات العربية ، وقد أيقنت خطورة التراجع عنه .

لقد كانت مفاجأة أن ينادي الناس في ميادين الثورات العربية بإسقاط الأنظمة ورحيلها ، وقد جاء ذلك نتيجة منطقية لقوة الثورة وجموحها وتجرؤها على الأنظمة التي انكشفت ، وتعرى خورها ، وإفرازاً طفى على السطح لدى الثوار لما تفاعل في نفوسهم من الغضب والحنق المتراكم عبر عشرات السنين من القمع والفساد . 

وقد تباين طول هذه الفترة من ثورة إلى أخرى ، فهناك ثورات مثل تونس ومصر لم تتجاوز فيها هذه الفترة ثلاثة أسابيع ، وهناك من الثورات ما لم تتجاوز فيها هذه الفترة ستة أشهر مثل ليبيا ، وهناك من الثورات ما تجاوزت فيها هذه الفترة السنة مثل اليمن ، وهناك من الثورات ما تجاوزت فيها هذه الفترة عدة سنوات مثل سوريا .

في هذا السياق ينبغي الإشارة إلى أهمية التدخل الدولي لإنجاز هذه المرحلة ، وإلى شكل هذا التدخل ، فالإجماع الدولي الإقليمي والعالمي ، والتدخل بالتأييد والدعم المعنوي والدبلوماسي والمادي والمسلح للثورة عجّل من هذه المرحلة ، والعكس بالعكس ، فالإحجام والتردد الدولي الإقليمي والعالمي عن التدخل لمصلحة الثورة ، أو التدخل لمصلحة النظام قد يطيل هذه المرحلة ، ويزيد الصراع دموية وعنفاً ، ولا ينبغي أن يغيب عن الذهن مدى تصميم الثوار على المضي قدماً نحو تحقيق هدف الثورة في تقويض النظم السياسية ، وحالة الثورة السورية دليل على ذلك .

ج : تحقيق هدف الثورات العربية [تقويض النظام] : 

نورِد هنا ثلاث رؤى لما يُزعم أنه نهاية للثورة ، بوصفها عملية وتفاعل ، بين إرهاص نفسي ، وبين فكر متوثب حِراكي، وبين سلوك متحمس فوار ، ونوضح الرؤى الثلاث فيما يلي: 

(1)الرؤية الأولى تقول بأن تثوير المجتمع ، وإيصال الناس إلى حد الثورة ، وذلك بالدعوة إلى الخروج للتجمع ، ثم بتحديد المطالب المبدئية غير الممنهجة وغير الواضحة، ثم بالرغبة في الاستمرار ، والإصرار عليه ، وارتفاع سقف المطالب ، وأخيراً بالتصعيد الذي يتجاوز الخطوط الحمراء ، ويطالب بإنهاء الواقع القائم ، أي إسقاط النظام ، عند هذه المرحلة ، وبموجب حدوث هذه التطورات ، ووصولها إلى هذا الحد ، تكون الثورة قد تمت ، ونكون أمام حالة ثورية مكتملة الأركان ، ولكن هذه الرؤية في حاجة إلى مراجعة .

فنحن نرى أن ماحدث وفق هذه الرؤية ، هو اقتراب من الثورة ، أو أنها ثورة لم تجتمع لها كافة الأركان ، فهي إذن خارج نطاق الثورة ، أو أنها فعل ثوري غير هادف ، وقد يصفها البعض بالاحتجاج ، أو المعارضة العنيفة ، ونعرفها نحن ــ كما أسلفنا ـ بالانتفاضة ، حيث أن هذا يتنافى مع أهم سمات وخصائص وأهداف الثورة بالأساس ، وهو تغيير الواقع القائم بتغيير النظام السياسي ، ولعل أقرب مثال على ذلك هو الثورة في البحرين وفي سوريا ، حيث لم يتم تغيير نظام الحكم في الدولتين ، حتى تاريخ كتابة هذه السطور .

(2)الرؤية الثانية ترى بأن تثوير المجتمع ، وإيصال الناس إلى حد الثورة ، بالوصف المتقدم ، ليس كافياً لأن نطلق على هذه الحالة ثورة متكاملة ، إذ لا بد من أن يتم تقويض النظام ، وهدم أركانه تماماً ، وإنهائه من الوجود ، مثلما كان الحال في الثورات العربية في تونس ومصر وليبيا واليمن ، وعليه فإن تقويض النظام وفق هذه الرؤية ، ضرورة للحكم على الأحداث المتتالية التي سبق وأوردناها بأنها ثورة ، وهذه الرؤية هي الأرجح ، إذ أن الثورة قد أفلحت في تحقيق ما قامت من أجله ، وما تحرك من أجله الناس ، وما أرّقهم دوماً وهو النظام الفاسد .

فهذه هي الحالة الثورية المكتملة ، فالدافع إلى الفعل الثوري ، وهو فساد النظام السياسي ونقائصه ، قائم من البداية ، ثم الفعل الثوري الذي يبدأ بالحالة النفسية ، ثم الفعل الخارج على المعهود ، قائم أيضاً ، والهدف وهو إسقاط النظام حاضر منذ البداية ، وإسقاط النظام هو إتمام الفعل الثوري ، ومن ثم فهذه حالة ثورة مكتملة الأركان .

(3)الرؤية الثالثة تذهب إلى القول بأن كل ما سبق ليس كافياً للاعتقاد بأن ماحدث كان ثورة ، إلا إذا تم تأسيس نظام جديد ، ووفق هذه الرؤية يُثار تساؤل مهم مفاده : هل الثورة معنية بالقضاء على الواقع القائم وإنهاء وجوده فقط ، أم أنها معنية بالإضافة إلى ذلك بخلق واقع جديد ؟ وهذا السؤال يستقصي أهداف الثورة هل هو هدف واحد محدد في تقويض النظام ، أم هو هدف مزدوج يتعين في تقويض النظام الفاسد المعطوب ، وفي بناء نظام جديد يتلافى أخطاء ومفاسد النظام البائد . 

لقد تجاوزنا هنا مفهوم ومعنى وفعل الثورة ، إلى مفهوم ومعنى وفعل آخر ، هو بناء الدولة بأركانها الخمسة المتمثلة في الركن الفكري القيمي المعتقدي ،والركن المادي ، والركن النظمي ، وركن إقامة المجتمع المدني ، والركن الاتصالي بالخارج ، وكل ذلك ليس من ضمن الثورة ، ولا من مفرداتها ، بل من نتائجها وإفرازاتها ، وبناء الدولة ليس فعلاً ثورياً ، ولكنه فعل مدني سياسي ، يساهم فيه كل فواعل الظاهرة الاجتماعية من ثقافة وحضارة وسياسة واقتصاد وإدارة .. إلخ .

ثانياً : الثورات العربية ثورات شبابية :

طبيعياً كان أم مفتعلاً ثمة إشكال ، قفز إلى الساحة الفكرية في الوقت الراهن ، يتبلور في المحتوى اللفظي والدلالة الوجدانية والنفسية لمفهوم الشباب ، والواقع أن هذا الإشكال قد تشكل نتيجة الخلاف ، بين من هم في المرحلة العمرية التي يطلق عليها سن الشباب ، وبين من هم في المرحلة العمرية التي تتجاوز هذا السن ، وذلك في المجتمعات العربية التي حدث ويحدث فيها الحراك الاجتماعي والسياسي في الآونة الراهنة ، إلا أن ما يمكن أن يُستنبط من احتدام هذا الإشكال ، هو أن ثمة تنازعاً على انتزاع اعتراف المجتمع بدور قد تم القيام به في ذلك الحراك ، ثم الإقرار بالأهلية والجدارة للقيام بدور آخر منتظر ومتوقع في مرحلة بناء الدولة الرشيدة ، ولا يزال ذلك الإشكال يحتاج إلى سبر وسائل فضه ، والتعاطي معه كخصيصة من خصائص الثورات العربية ، لأن في ذلك تأسيس وتقعيد وتأصيل لمرحلة جديدة من تاريخ الأمة توكل فيها مهمة البناء والعمل للأجيال الشابة التي تمكن الأمة من اللحاق بركب الإنسانية الذي تخلّفت عنه كثيراً ، وتمكن الذات العربية من الحياة الآدمية التي تكفل لها الوجود ، وتضمن لها النمو ، وتصون لها التطور إلى الأرقى والأسمى . 

أ : هل الشباب هو شباب العمر والزمن أم شباب العقل والفكر:

إننا في هذه اللحظة التاريخية من تطور المجتمعات العربية نجد أنفسنا إزاء قطاع عريض من المجتمع في مرحلة عمرية معينة فجّر الثورات العربية وقادها ، حتى تمكنت من إزاحة الوضع القائم ، ثم استمر في طليعة الحراك السياسي والاجتماعي من أجل خلق واقع جديد يرى أنه الأمثل . 

وقطاع آخر في مرحلة عمرية أكثر تقدماً ، وهي بمعيارالعدد الأقل نسبياً ، وبحكم تكوينها الفسيولوجي والبيولوجي ، تكون أبطأ حركة وأقل حيوية ، ثم بمقياس ارتباطاتها بمؤسسات النظم المبادة ، كانت أكثر هيبة وخِشية من المسارعة في المشاركة في الثورة ، فشاركت عبر وسائل معينة ، وربما لم تشارك بالفعل الثوري المعتاد ، ولكنها شاركت بالفكر والتأييد والمباركة عن بعد ، أو بالفعل الهامشي الثانوي المظهري .

القطاعان اتفقا على ضرورة الثورة ، وحتمية إزاحة ذلك الواقع البغيض ، وحتمية خلق واقع جديد ، ولكن ما ينبغي أن يُقال هو أن طبيعة الفعل الثوري ، وعناصر المبادرة والحماس والإقدام والإصرار على مواصلة الثورة ، والثقل العددي ، التي اجتمعت لدى القطاع الأول ، وسمت الثورات العربية بأنها ثورات شبابية .

ثم جاءت المرحلة التالية وهي مرحلة بناء الواقع الجديد ، ومن ثم اختلفت مقدرات ومكنات المساهمة في ذلك البناء ، ومن هذا الاختلاف ثار مرة أخرى الإشكال المطروح سلفاً ، ولكن بشكل أكثر حدة ، وتحدد في التساؤل التالي : مَن الأقدر والأجدر بالمساهمة في مرحلة البناء ؟ بناء دول بعد انهيار أركانها ، وبناء أنظمة بعد فناء مؤسساتها ، وبناء مجتمعات بعد تصدع قيمها ومبادئها ، كم من المقدرات والمكنات تحتاج هذه العملية الهائلة من البناء ذي الأضلاع الثلاثة . 

لقد قيل أنه إذا كانت مقدرات ومكنات القطاع الأول تناسب مرحلة الثورة بالكيفية التي قدمنا ، فهي قد تكون أقل تواؤماً مع متطلبات المرحلة الجديدة ، حيث أن مرحلة البناء تحتاج إلى الخبرة والتجربة والدربة أكثر من الحماس . 

وقيل أن مرحلة البناء تحتاج في ذات الوقت للأفكار الجديدة المبتكرة والطموحة ، بالإضافة إلى العزم والمضاء والإصرار على النجاح ، وهذه المتطلبات متوافرة بامتياز لدى قطاع الشباب ، واحتكم الأمر !   

وبنظرة موضوعية يمكن القول بأن حظ الشباب من النقاط أوفر في المرحلتين ، فإذا حصل في مرحلة الثورة على امتياز ، فإن مقدراته ومكناته المعطاة تؤهله للحصول في مرحلة البناء على جيد جداً ، ومن ثم فشبابنا يملك ما يجعله جديراً وحرياً بالمساهمة بقوة وعمق في مرحلة البناء .

إن الشباب دوماً وفي كل الأجيال يحتاجون إلى الخبرة والتوجيه من أهل الخبرة ، وهنا يختلط الشباب والحماس بالتجربة والخبرة ، ومن هذا المزيج تتشكل وتصاغ آليات العمل في المرحلة المقبلة في الدول الجديدة .

إن الدول التي قطعت شوطاً طويلاً على طريق التقدم ، لم تصل إلى الإنجازات التي حققتها إلا عندما أطلقت لشبابها العنان ، فأفرز إبداعاً تجاوز حدود الأوطان إلى البشرية جمعاء .

فالعلاقة جد قوية وعضوية بين حماس وقوة الشباب وخبرة وتجربة الكبار ، إذ أن حماس وقوة الشباب دون خبرة وتجربة ورشد الكبار هو تهور واندفاع ، ورشد وخبرة وتجربة الكبار دون قوة وحماس الشباب خيال وتجريد وطوباوية لا تسمن ولا تغني من جوع ، إن كلاً من المرتكزين يتحمل عبئاً لا يقل عن الآخر من سقف مسيرة التقدم والرقي ، ولعل المرحلة الحاسمة التي تمر بها مجتمعاتنا العربية ، تطرح بقوة التحلي بفضيلة الإيثار ونبذ نقيصتي الأثرة والاستئثار .

ب : الشباب والدور :

هل نحن إذن أمام توزيع أدوار ، أم اختيار الدور ، أم انتزاع الدور ، أم حتمية الدور ، بحكم الصيرورة التاريخية ، والديموجرافيا ، والواقع الاجتماعي ، والوعي الإنساني .

البادي مما تقدم أننا لا بد من أن نتفق على تراتبية ، تكون بمثابة ميثاق شرف بيننا وبين أوطاننا ، وتأتي هذه التراتبية في منطلقات متتابعة على النحو التالي :

(1) أن تتبلور قناعة لدى الكبار أصحاب الخبرة والتجربة ، بضرورة إفساح المجال أمام الشباب ، لكي يساهم بأكبر قسط ممكن في عملية بناء الدول الجديدة .

(2) أن يقدّم الشباب الدليل القاطع والبرهان المقنع ، على أنهم جديرون بالقيام بالدور الفعّال في عملية البناء .

(3) أن يتم تسليم الشباب ذلك الدور بشكل متدرج ، بما يتواءم مع وتيرة تراكم رصيده من الخبرة والتجربة .

(4) أن لا يتخلى أصحاب الخبرة والتجربة عن الشباب ، وهم بصدد أدائهم لدورهم في البناء ، بل يتمترسون خلفهم للتوجيه والتشجيع والتقويم والمباركة ، إن ماتقدم يطرح حقيقة مفادها أن الثورات العربية قد أفرزت نتاجاً جديداً ومعطاً مهماً كان له دوره الفاعل بلا منازع في الثورة ، وسيكون له دوره الحاسم الواعد في البناء .

ثالثاً : الثورات العربية ثورات سلمية :

إذا كان حق التظاهر كأحد أشكال التعبير الديمقراطي عن الرأي قد غاب في الدساتير العربية الكسيحة والمشوهة ، فقد اعترفت به المواثيق العالمية ، ولعل أهمها على الإطلاق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، كما أن مبدأ الديمقراطية يرتكز على قاعدة حرية التعبير بكافة الوسائل المشروعة ، ومن ضمن مفردات حرية التعبير حق التظاهر .

أ : طبيعة النظم السياسية العربية القمع والكبت وحرمان الناس من التعبير :

النظم السياسية العربية هي نظم بوليسية مستبدة ، لا مكان فيها للتعبير ، ولا حرية للرأي ، فالسائد هو الرؤية الواحدة ، وهذا الواقع شهدته النظم السياسية العربية منذ استقلال الدول العربية عن السيطرة الأوروبية ـ كما سبق الإيضاح ـ واستتبع ذلك لجوء تلك النظم للعنف لمعاقبة المعارضين وأصحاب الرأي ، ولم تكتف النظم بذلك ، بل طاردت ولاحقت أصحاب الرأي والمعارضين إلى خارج البلاد ، حيث تمت تصفيتهم جسدياً .

وكان من شأن هذا الواقع الأليم ، أن يجعل بواكير الثورات العربية من الشباب تجسد أمامها هذا الواقع ، ما فرض عليها أن تبدأ الثورة بسلمية واضحة ، حيث لا مجال أمامها لعنف أو قوة ، كما أنها كانت تدرك تماماً مصير من يلجأ إلى القوة والعنف ، يضاف إلى ما تقدم طبيعة تكوين العناصر الشبابية التي بدأت الثورات العربية ، وهو تكوين متفتح مثقف ومنفتح على كافة الأفكار ، غير معتقدي وغير أيديولوجي ، ومن ثم فلم يكن في طبيعته العنف أو الصدام المسلح ، ولا يملك وسائل القيام بذلك .

ب : سلمية مراحل الخروج للتجمع وتحديد المطالب مبدئياً :

لقد قدمت الثورات العربية الدليل على سلميتها منذ الوهلة الأولى ، وتبدّى ذلك الدليل ، في تلقائية الدعوة إلى الخروج للتجمع ، وفي طرق ووسائل التجمع ، وفي مظاهر وأشكال المتظاهرين ، وفي هتافاتهم ، وفي تأكيدهم على سلمية مظاهراتهم واحتجاجاتهم .

في هذا السياق جاءت أيضاً عملية تحديد المطالب المبدئية غير الممنهجة وغير الواضحة بشكل تلقائي ، لتؤكد على سلمية الثورات العربية ، وأنها لا تضمر استخدام العنف ، ولا تنوي اللجوء إلى القوة بأي شكل من أشكالها .

ولعل ما يؤكد على ما تقدم أن الثورة التونسية التي عُرفت بثورة “الياسمين” لسلميتها ، لم يتم اللجؤ خلال مراحلها لأي عنف من قبل المتظاهرين ، وعلى نفس النهج سارت الثورة المصرية ، وكان يمكن أن يكون التعبير السلمي عن الرأي هو نهج كافة الشعوب العربية إلا أن النظم السياسية هي بطبيعتها ذات سمة عدوانية في مواجهة شعوبها . 

ومعنى ذلك أن طبيعة الثورات العربية بالرغم من معارضتها للنظم الحاكمة واحتجاجاتها على ممارساتها وسلوكاتها ، إلا أنها كانت ثورات سلمية ، تطمح ـ على الأكثر ـ في اعتراف النظم بشعوبها ، وبحقها في الحرية والكرامة الإنسانية ، ومن ثم تعديل سلوكات وممارسات تلك النظم قدر المستطاع . 

ت : لجوء الأنظمة للعنف :

لقد باشرت النظم السياسية العربية العنف ضد الثورات العربية منذ البداية ، وكان الهدف هو وأد تلك الاحتجاجات وهي في المهد ، حتى لا تتطور إلى ثورة عارمة تعصف بتلك النظم ، ومن أجل تحقيق هذا الهدف استدعيت المؤسسات الأمنية لتباشر دورها المعهود ، التي تنهجه دوماً ، والذي ينم عن المنطق الثأري الانتقامي من الشعب ، الذي رفض الأسلوب القمعي الدموي لتلك المؤسسات ، ذلك الدور الذي يشي في ذات الوقت بالعقلية التآمرية ، التي تفكر بها تلك المؤسسات على الثورات العربية .

وأمام رغبة الثوار في الاستمرار، ثم الإصرار عليه ، وارتفاع سقف المطالب ، لجأت المؤسسات الأمنية إلى ممارسة هوايتها المفضلة على مر تاريخها الأسود في الاعتقال والتعذيب ، والقتل في الشوارع ، وفي مذابح جماعية ، وهي جرائم ضد الإنسانية ، وشاركت مع الجيوش العربية التي أُعدّت وجُهّزت لقتال شعوبها في قتل تلك الشعوب وكأنها عدوها اللدود الذي تعتقد القضاء عليه .

وإزاء التصعيد الذي تجاوز الخطوط الحمراء ، وهي إنهاء الواقع القائم ، وإسقاط النظم ، إنهارت مؤسسات الدولة وربما تقاعست عن القيام بمهامها ، وبالإضافة إلى كون هذا الملمح هو من ملامح الفوضى ، إلا أنه يحمل في طياته ماهو أخطر وأنكي ، حيث يمثل مقدمة لغياب كيان الدولة ، وانعدام وجودها كشخصية اعتبارية ، وانتهاء هيبتها ، ومن ثم توشك أن تدخل في وضعية اللادولة ، أو ما يعرف اصطلاحاً بالدولة الفاشلة ، وهذه الوضعية شهدتها تونس بشكل أخف وطأة ، وشهدتها مصر بشكل أشد ، وشهدتها ليبيا واليمن بأسلوب كارثي ، وانزلقت إليها سوريا بشكل لا تُحمد عواقبه .

وللمرء أن يتخيل أنه يعيش في دولة يمكن أن يُعتدى عليه في أي وقت ، ومن أي أحد ، فمرفق الأمن لا وجود له ، وكذلك مرفق العدالة والصحة والخدمات الأخرى ، فكافة مؤسسات الدولة المختصة بهذه المهام والخدمات ، إما أنها قد انهارت ولم يعد لها وجود ، وإما أنها معطلة بفعل فاعل نكاية في الثورة ، أو لعدم توفر مقومات عملها .

رابعاً : الدور المحوري لتقنيات التواصل والمعلومات في الثورات العربية :

التداعي والتواصل والتجمع والاحتشاد في كتل بشرية غاضبة من مرتكزات الثورة ، ومن آلياتها كذلك ، وقد تطورت تلك الآليات عبر التاريخ ، وبلغت أقصى تطور لها في الثورات العربية ، حيث أصبحت كل هذه الآليات تتم عبر تقنيات متقدمة للغاية هي الآليات الإلكترونية ، وقد برز تأثير هذه الآليات على الثورات العربية على النحو التالي :

أ : إستبدال التقنيات الحديثة بالوسائل البدائية التقليدية للتواصل وتجميع الناس :

كان الناس في الماضي يتداعون ويتواصلون لكي يتدارسوا أوضاعهم وشئونهم العامة ، ويعربوا عن تضجرهم من معاملة وظلم السلطة لهم عبر وسائل بدائية ، يتم عن طريقها التواصل المباشر السري أو الجهري ، ثم يقررون إظهار غضبهم وتضجرهم على الملأ ، حتى تستشعره السلطة الحاكمة ، وذلك بالتجمع والاحتشاد في كتل بشرية غاضبة ، وكان التواصل المباشر والعلاقات الشخصية والأسرية لها دورها المهم في هذه المراحل لتبلور الثورة وتشكلها ، كذلك كان البطء سمة من سمات هذه العملية ، وسمتا التلاقي المباشر والبطء كانا يمكنّان السلطة في المعتاد من تدارك هذا التخطيط والإعداد ، وكشفه وفضح أمره ، ومن ثم السيطرة عليه وهو في المرحلة الجنينية ، ومعاقبة القائمين عليه .

ولقد شهدت المجتمعات العربية على مدى تاريخيها الحديث والمعاصر عمليات تخطيط لتحريك وتثوير مجتمعاتها ، ولكنها كانت تفشل عندما يتم كشف أمر تلك المخططات ، وهي في بدايتها ويسهل مواجهتها والسيطرة عليها ، وتُكال لأصحابها التهم التي تنتهي بهم ، إما إلى غياهب السجون ، أو الموت شنقاً بتهمة الخيانة العظمى، وكم من الخطط التي تم كشف خيوطها لتثوير المجتمعات العربية عن طريق أجهزة المخابرات العربية والأجنبية المتحالفة معها ، وتم قتل مخططيها ودفنهم أحياء في كافة البلاد العربية . 

إلا أن تقنيات التواصل والمعلومات الإلكترونية سهلت عملية التواصل والتمهيد للتلاقي من وراء علم السلطة ، ثم التجمع في كتل بشرية يصعب التعامل معها والسيطرة عليها ، وتفاجأت بها السلطة ، والأمر الأخطر أن تصرفات وسلوكات السلطة في التعاطي مع هذه التجمعات البشرية الغاضبة الثائرة ، أصبح مرصوداً ويشهده كل العالم ، ويصعب على السلطة إخفاؤه .

وبالرغم من أن هذا المستجد كان في مصلحة الثورات العربية ، إلا أن إشهاد العالم على ما يحدث للشعوب العربية من انتهاك كرامتها الإنسانية ، لم يفد كثيراً في ظل فساد وتآمر الجيوش وأجهزة المخابرات مع النظم السياسية على تلك الشعوب المسحوقة ، التي تم مسخها وتدمير شخصيتها منذ انعتاقها من نير السيطرة الأوروبية ، وتحويلها إلى أرقام في خدمة الحاكم وبطانته .

ونعتقد أنه لولا هذا المستجد ، الذي حقق عنصر المفاجأة لمصلحة الثورة بشكل مطلق ، ولولا المساندة الدولية ، ولولا رصد العالم ومراقبته لكل ما يحدث في الثورات العربية بشكل نسبي ، لما أفلحت تلك الثورات في تحقيق غاياتها ، المتمثلة في التخلص من النظم الفاسدة ، التي أحكمت حلقتها النارية على الشعوب العربية من خلال خماسية الهلاك المتجسدة في : الجيش والمخابرات والأمن والقضاء والإعلام ، ولم يحدث أن ساندت أية كُلّابة من هذه الكلاليب الجهنمية شعباً من الشعوب العربية ، بل كشفت الثورات العربية أن الهدف الرئيس لحلقة الجحيم هذه كان إذلال الشعب العربي وتركيعه وسحق كرامته .  

ب : العاصمة لم تعد دائماً هي مركز الحراك السياسي وصناعة الأحداث :

يضاف إلى ما تقدم أن تقنيات التواصل والمعلومات اخترقت صعوبات عنصري الزمان والمكان ، حيث أصبح التواصل والحديث في كافة الشئون ، والاتفاق على تصرف أو سلوك بعينه ، يتم في أي وقت ، وفي أسرع وقت ، ودون علم السلطات ، وبالسرعة والكيفية والكثافة التي تربك السلطات وتشتت مجهوداتها .

وانتهي الأمر بأن سيطرة السلطات على المجتمعات ، وعلى حراكها أصبح في غاية الضعف ، ولم تعد تملك زمام المبادرة ، بل أصبح سلوك السلطات بمثابة رد فعل على الأحداث ، التي هي دائماً خارج السيطرة ، وذلك لأن السلطة يكمن كل همها في القمع والكبت ، وإخفاء السلوكات والتصرفات الشاذة عن أعين العالم .

وبالنسبة لعنصر المكان فقد تم اختزاله بفعل تقنيات التواصل والمعلومات بشكل مذهل ، فلم يعد أي مكان في العالم بمعزل أو بمنأى عن أعين الناس ، فيمكن لكل العالم أن يشاهد أدق تفاصيل مشاجرة في قرية معزولة في مجاهل إفريقيا ، ولم تعد عاصمة الدولة هي بؤرة ونواة الحراك السياسي والشعبي والاجتماعي ، بل أصبحت كل مساحة إقليم الدولة موضعاً للحراك السياسي ، وهذا ما حدث في الثورات العربية ، حيث امتدت الثورة إلى القرى والنجوع .

ت : التطور التقني في آليات التواصل والمعلومات كان مؤثراً بليغاً في نجاح الثورات العربية :

اتسمت الثورات العربية بسمة مهمة ، هي مجاراة التقدم العالمي في تقنيات التواصل والمعلومات ، وتوظيف ذلك لتحقيق أهدافها ، وقد ظهرت بعض الوجهات التي قالت بأن ثمة إعداداً مسبقاً للكوادر الشبابية في بعض الدول العربية التي شبت فيها الثورات ، من قبل دول عظمى ، من أجل استخدام تقنيات التواصل والمعلومات في تفجير تلك الثورات وإدارتها وتوجيهها ، حتى تحقيق هدفها الرئيس وهو إسقاط الأنظمة ، وبالرغم من اجتهاد هذه الوجهة في إثبات صحتها وجدارتها ، إلا أنها تحتاج إلى بعض التمحيص :

(1) بالفعل استخدمت الكوادر الشبابية تقنيات التواصل والمعلومات بكثافة ودقة في مراحل الثورة المختلفة ، ولكن لم يثبت أن كافة الكوادر الشبابية التي شاركت في الثورات العربية عبر تلك التقنيات ، قد تم إعدادها مسبقاً في الولايات المتحدة وأوروبا .

(2) بالفعل ثمة مجموعات شبابية تم استضافتهم في الولايات المتحدة ودول أوروبية ، للتحصل على دورات في حقوق الإنسان ، وممارسة الحريات والتعبير عن الرأي ، وذلك من قبل مؤسسات مجتمع مدني حقوقية ليست رسمية ، وذلك وفق برامج خاصة بتلك المؤسسات ، وليس من أجل إعداد هذه الكوادر للقيام بالثورة في بلادهم ، فهذا السلوك من قبل المؤسسات المعنية هو سلوك موضوعي ومنهجي ، ومن قبل الشباب هو سلوك شبابي متفتح يصبو إلى تطوير الذات .

(3)إن الولايات المتحدة والدول الأوروبية لم تكن على خلاف من أي نوع مع الأنظمة التي ثارت عليها شعوبها في العالم العربي ، بل إن قوة العلاقة بين الطرفين قد وصلت إلى مرحلة التحالف ، وكان كل طرف يجتهد من أجل الحفاظ على تلك العلاقة وتطويرها ، وعليه فمن المستبعد أن تكون تلك الدول كانت تخطط للثورة على تلك النظم الصديقة والحليفة ، من خلال تدريب الكوادر الشبابية على استخدام تقنيات التواصل والمعلومات في تثوير مجتمعاتها ، وقد اعترف صناع القرار والرأي في أميركا وأوروبا بأنهم قد فوجئوا بهذه الثورات ، ومن ثم لم يكن في مقدورهم التصدي لها وإيقاف زحفها بل إن أقصى ما فعلوه هو التعاطي معها لاحتواء آثارها .

(4) لقد فوجئت الولايات المتحدة والدول الأوروبية بالثورات العربية ، تماماً كما فوجئت الأنظمة السياسية العربية بالثورة تلتهم أجسادها ، وهذا يؤكد على حقيقة أن أميركا وأوروبا لم تخطط للثورات العربية ، عبر تدريب الشباب العربي على إدارة وتوجيه الثورات ، من خلال تقنيات التواصل والمعلومات .  

ث : كل إقليم الدولة أصبح محلاً للحراك السياسي وصناعة الأحداث :

كما سبق وأوضحنا لم يعد في مقدور الدولة عزل مناطق الأحداث والتطورات عن العالم ، فلقد تابع العالم أحداث وتطورات الثورات العربية بكل تفاصيلها ، ولم تجد محاولات السلطات منع القنوات الفضائية من نقل الأحداث والتطورات ، ومن ثم أصبح كل إقليم الدولة موضعاً للحراك السياسي وصناعة الأحداث ، ما جعل من الصعب على السلطات المتفاجئة والمندهشة السيطرة على كل إقليم الدولة الذي بات في حالة ثورة عارمة ، وقد اعتادت من قبل التعاطي مع الأحداث في العواصم والمدن الكبرى فقط وعزل تلك الأحداث عن العالم وعن بقية إقليم الدولة . 

لقد أحدثت الثورات العربية نقلة نوعية في تفعيل إقليم الدولة وإشراكه في صناعة الأحداث ، فأقامت التوازن بين أجزاء الإقليم ، وأحيت قيمة المساواة بين المركز والهامش ، وأكدت على مبدأ المواطنة ، الذي يرتكز على حق كل مواطن على إقليم الدولة في أن يشارك في صناعة القرارات المصيرية ، وكسرت احتكار العاصمة لصناعة الأحداث والقرارات ، وكثفت الأضواء على هشاشة سيطرة الدولة البوليسية على أجزاء إقليم الدولة البعيدة عن العاصمة والتي تُعرف بالأطراف أو الهوامش ، بل نبهت الأذهان إلى أن الحراك السياسي في أجزاء الإقليم البعيدة عن المركز يمكن أن يكون أقوى من نظيره في المركز ، ويمكن أن يكون منطلقاً للفعل الثوري ، مثلما حدث في الثورة التونسية التي انطلقت من “سيدي بوزيد” ، والثورة الليبية التي انطلقت من “بني غازي” ، والثورة السورية التي انطلقت من المحافظات الحدودية .

ج : الوضعية الجديدة جعلت من الصعب على الأنظمة السيطرة على الثورات التي غطت أحداثها كامل رقعة الإقليم :

لقد جاءت الثورات العربية الأنظمة الحاكمة من حيث لم تحتسب ، جاءتها ـ كما سبق الإيضاح ـ من الأطراف أو الهوامش البعيدة عن المركز أو العاصمة ، ثم أصبحت العاصمة والأقاليم في حالة ثورة ، وأصبح كل منهما يلهب حماس الآخر ، ويشد من أزره ، ويحثه على الصمود ، حتى تحقيق هدف رحيل النظام ، وكان من شأن ذلك أن يربك السلطة الحاكمة ، ويشتت جهودها في السيطرة على الأوضاع ، والدليل على ذلك إحراق أقسام الشرطة في المحافظات ، حدث ذلك في مصر وتونس واليمن وليبيا وسوريا.

كما أبرزت الثورات العربية هشاشة وضعف السيطرة الأمنية للأنظمة العربية على سائر أجزاء إقليم الدولة ، وذلك لأن تقنيات التواصل والمعلومات اخترقت الاستحكامات الأمنية المتواضعة تقنياً ، وأن الوسائل التقليدية المتمثلة في القمع والبطش ، التي تستخدمها المؤسسات الأمنية في الأنظمة العربية ، لم تعد قادرة على مواجهة ومجاراة التقنيات الحديثة للتواصل والمعلومات، ما دفع هذه السلطات إلى حالة من الطيش والتهور في التعامل مع الثورة العارمة الماضية قدماً إلى تحقيق أهدافها بكل إصرار وعزم ، فارتكبت دون أن تدري وهي في غمرة التشنج والصرع ، جرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وجرائم حرب ، وقريباً سنكشف عن كل ذلك في دراسات موثقة ، لتفصل فيها مؤسسات القضاء الدولي ، وتطّلع عليها الشعوب لتصدر حكمها على تلك الأنظمة ، التي ستستقر في حثالة التاريخ ، وقعر جهنم فتوَفّى حسابها دنيا وآخرة .  

صفوة القول أن التطور التقني في وسائل التواصل والمعلومات ، وسم الثورات العربية بالشبابية والتقنية وغياب الكارزما ، ومعنى ذلك أن عنصر الشباب العربي بتفتحه وذكائه ، سخّر العلم والتقنية في قيادة الثورة على الأنظمة العربية البوليسية اللإنسانية المتخلفة ، ومن ثم فقد قادت ثورة الشباب الذكي المتفتح  نفسها بنفسها .

خامساً : الثورات العربية ثورات إنسانية لا قومية ولا دينية : 

الثورات العربية تبتغي منذ انبلاجها تحقيق مطالب إنسانية ، تتجسد في حقوق الإنسان والحرية والكرامة الإنسانية ، ومن ثم فهي ثورات أخلاقية قيمية مثالية ، وهذه السمات كانت كفيلة بأن تجذب هذه الثورات أنظار العالم ، بل وتأييده ومساندته بكل الوسائل والطرق ، إن الثورات العربية لم تكن ثورات فئوية أو جهوية أو دينية أو مذهبية أو طائفية ، بل كانت ثورات شعبية مجتمعية ، خرجت من أعماق الناس وبإرادتهم ، ومن أجل تحقيق أهدافهم في الحرية والكرامة الإنسانية.

ومن خلال عمليات مسح شاملة قمنا بها للشرائح والقطاعات ، التي شاركت في الثورات  العربية ، أشارت نتائج منهجية ، إلى أن كافة شرائح وقطاعات المجتمعات العربية ، شاركت في تلك الثورات ، ولم تتخلف أية شريحة أو أي قطاع عن المشاركة في الثورة ، ومعنى ذلك أن الثورة كانت وسيلة تعبيرية لكل الناس ، وتفسير دلالات هذه الحالة أن الجميع كان يبحث عما يعكس رغبته ولا تتباين الآراء حوله ، والذي يحقق الاتفاق المجتمعي في كل أنحاء العالم وعلى مر الزمن ، هو القيم والمبادئ ، فلا خلافاً على قيم الحرية والعدالة والمساواة ، ولا خلافاً على مبادئ الديمقراطية والمواطنة والسماحة .  

وبالرغم من مشاركة التيارات الدينية كالمسلمين والمسيحيين ، والتيارات المذهبية مثل السنة والشيعة في الثورات العربية ، إلا أن تلك الثورات لم تكن أبداً ثورات دينية أو ذات صبغات دينية ، بل كانت ثورات شملت الجميع ، وكانت بمثابة بوتقة انصهرت بها كافة ألوان الطيف الاجتماعي العربي ، من سياسية وطبقية ودينية .

وقد تأكدنا من أن البعد القومي لم يكن له وجود في الثورات العربية ، وأن فكرة القومية كانت شبه مغيبة في تلك الثورة ، وذلك يؤكد على سمة الإنسانية في الثورات العربية ، بل لقد سجلنا منهجياً أن البعد القومي كان يثير حنق الثوار ، ويؤكدون على أن الحكام العرب الذين ثاروا عليهم استثمروا البعد القومي من أجل الاستبداد بالشعوب والإمعان في التنكيل بهم .

ولعل أهم ثورتين أعربتا عن نقمتيهما على البعد القومي ، واعتبرتاه مبرراً للاستبداد والديكتاتورية كانت الثورة الليبية والثورة السورية ، فـ”القذافي” الذي ادّعى أنه أمين القومية العربية ، ظل أكثر من أربعين سنة ينكّل بالشعب الليبي تحت شعار الوحدة والقومية العربية ، و”بشار الأسد” ومن قبله أبوه ظلا يسيما الشعب السوري العذاب والتنكيل تحت فِرية الممانعة والمقاومة ، وهذا ما فعله من قبل “صدام حسين” تحت أكذوبة الدفاع عن البوابة الشرقية للأمة العربية ، أما الثورة المصرية فقد أهملت تماماً هذا البعد ، بل إن ثمة من القوميين العرب من نظر بريبة وعدم ارتياح للثورة المصرية والثورات العربية جميعاً ووسمها بالمؤامرة ضد الاستقرار والأمن .

 

 

  

 

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.